|
المرأة... عندما تضطهد ذاتها
إيمان ونوس *
14/08/2007
يقول رفاعة الطهطاوي: " إن
عمل المرأة يقربها من العفّة الاجتماعية "
هذا القول الرائع صحيح بكل
حرفيته،وبكل المناحي التي يمكن أن يأخذها . فإذا
تعمقنا في تلك المقولة، نعرف مدى أهمية وقيمة
العمل في تهذيب السلوك الإنساني، والشخصية
الاجتماعية بجنسيها ( المرأة والرجل) ونخص المرأة
أكثر من الرجل، لأنها على الغالب ربّة بيت، وغير
منتجة مادياً، أي أنها محصورة ضمن إطار المنزل
وأعبائه، والأسرة ومتطلباتها.
والعمل بكل أشكاله من
المقومات الأساسية للحياة الإنسانية والشخصية، حيث
يكون – العمل – قيمة القيم للإنسان. ولو أرادت
المرأة تمثل هذه المقولة، فلن تجد الوقت الكافي كي
تبتعد عن تلك العفّة، لأن الفراغ هو العدو اللدود
للمرأة إذا لم يُستثمر بالشكل المعقول، وقد يذهب
بها لمتاهات اجتماعية تضُر بها وبمن حولها. ومن
تلك المتاهات القاسية، والتي يمكن أن تبعدها عن
العفّة الاجتماعية، هي متاهة الثرثرة، والتي تضعها
في عدائية مريرة تجاه المجتمع والمقربين، ولا سيما
بنات جنسها، من حيث تناولهن وتناول سمعتهن بشتى
الاتجاهات الخاصة والعامة من حياتهن، في أوقات
الفراغ والزيارات التافهة، وما أكثر تلك الأوقات
عند بعضهن.
فهي بذلك تكون قد مارست
اضطهاداً اجتماعياً مريراً تجاه بنات جنسها أقوى
وأعنف من الاضطهاد الاجتماعي، وهذا إن دَلَ على
شيء، إنما يدل على عدم وعي المرأة لذاتها
ولحقوقها، وعلى الفراغ الفكري والروحي الذي تعيشه،
وعدم إدراكها أنها وأختها المرأة في نفس الخندق
والموقع من حيث المنظور الاجتماعي، لا سيّما تجاه
التقاليد السائدة، والبالية في كثير من الأحيان.
وهذه العدوانية، مردّها جهل
المرأة لحقها وحق بنات جنسها في الحرية والحياة،
والفاعلية الاجتماعية، وهي بتلك الثرثرات الفارغة
تحجب تلك الحقوق حتى عن ذاتها .
فبانتقادها حرية العلم
والعمل للمرأة، أو مساواتها بالرجل، وثرثرتها
الفارغة في هذا المجال، إنما تحد وترفض هذه
الحريات وتلك الحقوق.
وهذا طبعاً دليل جهل
ولامبالاة في حقيقة وعيها لذاتها. وربما يتأتى هذا
الفعل بدافع الغيرة العدائية، فهي عندما ترى
مثيلاتها متعلمات، منتجات، ويمارسن حقوقهن وحريتهن
في الحياة، وتكون هي مقيدة باتجاهين معاً، اتجاه
الجهل، وأيضاً اتجاه القيود المجتمعية والذكورية(
أب، أخ، وزوج) تلجأ لنقد واضطهاد بنات جنسها بما
وصلن إليه.
كما وأنها وكي تكسب الرضا
الاجتماعي، تقوم بإلقاء اللوم على بعضهن فيما
يتصرفن، وترفض أية تجربة نسائية قد تكون نواة
لتطوير المرأة ونيلها هي بالذات حقها وحريتها،
فتكون كمن يسكب الزيت فوق النار ليتأجج أكثر الرفض
الاجتماعي لأية خطوة نسائية أو اجتماعية تقود
المرأة للتطور الاجتماعي المادي والعلمي .
فهي هنا، و بتلك العدائية
تكون حجر عثرة في طريق هذا التطور، بدل أن تكون
دعماً وسنداً للنساء أجمع . كما تتجلى تلك
العدائية واضحة في إطار علاقة اجتماعية أزلية، هي
علاقة ( الحماة والكنّة ) متناسية تلك الحماة،
أنها كانت كنّة في يوم ما، ولاقت نفس المصير الذي
تضع كنّتها في إطاره. وهذه الكنّة أيضاً، تنسى
أنها أم ولها حق على أبنائها كما لتلك الحماة .
فهنا لو كان الوعي ناضجاً راقياً، ولو من أحد
الطرفين، لكانت الحياة أجمل والعلاقة أقوى .
إلاَ أن أقسى أنواع ذلك
الاضطهاد، هو الذي تمارسه الأم، عندا تميّز
بالتعامل بين الأنثى والذكر من أولادها، فتحرم
الأولى من امتيازات تبيحها وتمنحها للذكر. وقبل
ذلك خيبة أملها والنقص الذي تشعر به عندما تنجب
الأنثى، والتي تعتبرها هماً للممات حسب المقولة
الاجتماعية الشائعة، متناسية أنها قد تكون تعرضت
لذات المشكلة عندما كانت – ابنة -، وبدل أن تتعاطف
مع ابنتها، وتربيها بطريقة تجعلها قوية واثقة من
نفسها، بل بالعكس تعيد إنتاج منظومة قيمية تقوض
حركة وشخصية ابنتها، وربما بشكل أقسى مما تعرضت هي
له يوم كانت ابنة، وتبدأ بإعدادها سلفاً لأن تكون
أنثى فقط للبيت والإنجاب ومتعة الزوج، وتحاربها
عندما تلحظ أية بادرة لتخطي هذه الابنة حدود
المجتمع الذكوري.
من هنا علينا أن نعترف
بأهمية مقولة الطهطاوي، وتبنيها من خلال تربيتنا
لأولادنا، وقبل ذلك من خلال تعاملنا مع ذاتنا ومع
الآخرين. وأيضاً أهمية هذه المقولة في حياة
المرأة، لأنها عندما تعمل وبكافة الميادين، داخل
وخارج البيت بإخلاص وجدية وإتقان، من حيث التربية
والعلاقات الاجتماعية والمهنية، وتتخلى عن
عدائيتها وثرثرتها، تكون أكثر استقامة وعفافاً في
الحياة، وأكثر مشاركة ووجدانية، ليس فقط لبنات
جنسها، وإنما للمجتمع ككل، وتصبح مسألة إنصافها
بين الجنسين أمراً واقعياً وطبيعياً، ويتخلص
المجتمع من موروث وتقاليد بالية، هي السبب أحياناً
في تأخرنا عن ركب التطور والحضارة والرقي
الاجتماعي.
-----------------
* مجلة ثرى |