|
ما الذي يعزل المرأة عن تولي الادارة والوزارة
والحكم؟
مصطفى حبيب *
26/07/2007
كثيرا ما يساورني
الشك والتردد في الكتابة عن المرأة، فالمتعارف في
أوساطنا الاجتماعية وحتى السياسية أن المرأة هي
التي ينبغي أن ترفع صوتها وتطالب بحقوقها أو في
النقد والنصح والملاحظة حول دورها والفرص المتاحة
أو المحرومة منها أو في أي من شؤونها..
قد يكون هذا صحيحا
وان كنت لا أعتقد ذلك، أقبله بشكل نسبي لا
بالمطلق، وحيث ان النساء شقائق الرجال فشؤون
المرأة لا تنفصل عن شؤون الرجل سواء في الاجتماع
وفي الثقافة وفي السياسة والاقتصاد وغيرها من
الشؤون العامة. لكن المرأة في مجتمعنا أنى لها أن
تبحث ما هو خارج أسوار القيم المتعارفة والشؤون
التفصيلية العادية للحياة في البيت وفي محيطها
الخاص، ولو خرجت من تلك الأسوار لاتهمت بالزيغ أو
الانحياز أو المبالغة في أقل تقدير.
في الحقيقة، إنني
من منطلق كوني من مجتمع الرجال لو تناولت موضوعة
المرأة أو أي شأن من شؤونها إنما هو في صميم ما
ورثته في ثقافتي من مفهوم البر الذي لم يحدده
الدين في العبادة والشعائر الروحية بل وضعه في
عنوانه العام: ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل
المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله.. والموفون
بعهدهم إذا عاهدوا..) 177 سورة البقرة (وليس البر
بأن تأتوا البيوت من ظهورها.) نفس السورة 189 إلى
غير ذلك من التعبيرات التي وردت في القرآن وسنة
النبي وأهل بيته وأدبيات علم الأخلاق، وهو الذي
دعت إليه القيم الإنسانية وان تفاوت مستوى انتماء
المجتمع للدين.
من مصاديق البر بر
الوالدين والبر بالأبناء وتعميق الرابطة بالجار
وبالصديق.. وحيث أن المرأة تتجسد في أمي وأختي
وابنتي، أمي التي أثنى عليها العلماء والحكماء فهي
التي حملتني شهورا طويلة في رحمها ثم بين ذراعيها
وعلى بساط راحتها، وكل ما عندي من روح وعقل فهو
نتاج جهدها بالدرجة الأولى.
وكما هي أمي في
الماضي فهي أختي في الحاضر وهي ابنتي في المستقبل
أراها تحبو وترقى في سلم الدرس والتحصيل من علم
وأدب وحكمة ومن فنون الحياة، هذه الحياة المتجددة
والمتطورة التي لا تعرف الاستقرار على شكل محدد أو
تصميم ثابت.
والمرأة
هذه، أعني أمي وأمك أو ابنتي وابنتك، أو أختي
وأختك هي نصف المجتمع، ولا أعني نصفه العددي أو
المئوي إنما على الجميع أن يقر أنها جزء مكمل أو
أساس- لا فرق- في المجتمع الواحد إلى جنب الرجل،
تتقدمه أو تتأخر عنه، وهو أي الرجل إنما ابني
وابنك، أو أخي وأخوك.
وللأسف لو تحدثت
مجردا من الانتماء العقدي أو النظمي فان وقع ذلك
أكثر لدى النمط العام من المثقفين والمتطلعين إلى
الغد الأفضل، لأن النظم الدينية لم تكشف عن وجهها
الأصيل الخالي من شوائب الأنظمة المجتمعية، فلم
تستطع المؤسسة الدينية أن ترشح لنا قيمة الدين
التي نزلت من السماء كما ينزل الغيث الصافي
بجزيئاته المشبعة بالأملاح الحيوية التي تغذي
الأرض وتصلحها.
لذلك فلابد أن
أنطلق من تلك القيم الصافية بعيدا عن سيف القهر
والظلم الذي حرفها إلى ألوان شتى مغايرة لها،
وأضاف إليها مجتمع الرجال الذكوري المتوارث ما
ينسجم مع طبيعته غير المهذبة التي ظلمت المرأة أو
مجتمع المرأة على الأصح.
ليس ما تتعرض له
امرأة ما حالة فردية إنما يدعمها ما يعتري زهو
الرجل بعضلاته وقدراته الجسمية التي لم تكن حصيلة
جهد قدمه بل منحها إياه الخالق سبحانه، وأمره أن
يقف بها عند حدود وخطوط لا يتعداها تلك هي حقوق
الآخر الشريك وهو المرأة.
ربما لم يستطلع
الكثير من الناس ما يقوله علماء منصفون ومفكرون من
أن حديث: "ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة"، الذي
يستخدمه طائفة من الفقهاء ما هو إلا حديث آحاد لم
يتأكد ولا يوجد نص آخر يدعمه، فلماذا نتمسك به
ضاربين نص القرآن عرض الحائط: (والمؤمنون
والمؤمنات بعضهم أولياء بعض..).
ولو فرضنا أن
الحديث صحيح وقد صدر عن النبي الكريم، حين ورده
خبر من بلاد فارس، لكن لماذا لا نتعامل مع النص في
إطار ظرفه الاجتماعي ونسقه الزماني والمكاني
المختلف عن ظرفنا الآن؟
أو لم يأمرنا
القرآن بالتدبر في نصوصه وخطاباته: (أفلا يتدبرون
القرآن أم على قلوب أقفالها؟) لماذا لا نتدبر
القصص التي كان أبطالها من النساء وفي الطليعة
منها ملكة سبأ وقصتها مع النبي سليمان عليه
السلام؟
لا أريد سرد القصة بتفاصيلها، لكن
ألا يدل نظام مملكتها القائم على المشورة كما يشير
القرآن:(قالت يا أيها الملأ إني ألقي إليّ كتاب
كريم. إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم.
ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين.) فكان أن طلبت
المشورة والرأي من رجالها: (قالت يا أيها الملأ
أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون.
قالوا نحن أولو قوة وأولو بأس شديد
والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين؟.. قالت إن الملوك
إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة
وكذلك يفعلون. وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم
يرجع المرسلون). وهكذا رجح عقلها على عقل رجالها،
في التريث في الموقف.
وهذا يدل على مدى
ما بلغته الملكة من النضج السياسي. وهي امرأة
شاورت الرجال ثم أعملت عقلها في التعامل مع دولة
أخرى تلوّح بالقوة، بعكس رجالها الذين انفعلوا
وأبدوا استعدادهم للتعامل بالقوة لكنها لم تمل إلى
رأيهم، واستقرت على موقف حكيم لاستطلاع الخصم
أولا، وحتى فيما بعد حين لم تأخذها عزة الملك
وأذعنت للحق فأسلمت مع سليمان ولم تسلم لسليمان،
والفرق واضح، حيث تعاملت حتى في إسلامها مع سليمان
تعامل الأنداد باعتبارها صاحبة ملك مثله.
وبتحليل الموقف
نجد أن الحكمة انطلقت من عقل هذه المرأة وغابت عن
عقول نخبة الرجال. المرأة وهي ملكة في بلادها
أظهرت غاية الفطنة والعقل في أن تجس نبض الخصم
بوفد وهدية قبل أن تقدم على أمر خطير أبدى الرجال
استعدادهم لخوضه وهو المواجهة والقتال، وكان في ما
يبدو عرفا سائدا في العلاقات آنذاك.
فأين قصور
المرأة إذن؟ وأين الذي يعرضه بعضهم من الضعف
والقصور كحالة ثابتة للمرأة؟
أين عقول الرجال
التي فاقها عقل تلك المرأة بحكمتها وحنكتها
السياسية..؟ لم ترجح المواجهة مع خصم يخاطب من
موقع لم تعرف عنه إلا القليل. إنها قرأت لغة
الخطاب وفهمت المطلوب كموقف مناسب قبل أن يستوعب
النخبة من الرجال الموقف.
طلبت منهم المشورة
والمشاركة في القرار، لكنهم لم يوفَّقوا لإعطاء
المشورة، ووضعوا الأمر في عهدتها، ولم يتحملوا
مسؤولية المشاركة في القرار.
أين إذن قوة
الدليل على تخلف أو ضعف أو عدم أهلية المرأة لتولي
الإدارة والوزارة؟
------------------
* كاتب عراقي-
لندن.
موقع أخبار الشرق |