|
صورة المرأة في وسائل الاتصال
(فيديو كليب نموذجاً)
لافا أحمد *
29/06/2007
قد
تكون ظاهرة ازدياد الفضائيات
الغنائية، التي لا تجد من يكبح جماح تعدادها
المفرط،
وحجم الحرية المنفلت من عقاله، آفة
العصر وأحد أسلحة الهدم والدمار الشامل لعقول
شبابنا وشيبنا معاً, تلك الفضائيات
التي تقدم الأغنية السلبية، وتعمل على اضمحلال
الفن الملتزم، الذي سعى عبر أزمنة
طويلة من تقديم رسالته النبيلة. ما يعرض الآن
وبشكل طاغٍ شيء يمكن تسميته بأي
شيء إلا أن يكون غناءً أو فناً ذا رسالة. وللأسف
الكل يقف مكتوف الأيدي، مندهش
الحال، زائغ العينين محمر الوجنتين، رافضاً في
ذاته، وفي
الوقت نفس متابعاً ومشاهداً من
الدرجة الأولى, معتذراً عن عجزه عن إيقاف بث هذه
السموم، سواء
للعامة أو إلى حجرة بيته، بإلقاء
اللوم على الجهة التي تقف وراء عملية التمويل، و
الدولة التي تسمح ببث هذه
الفضائيات على أراضيها!!
لعليّ لا أبالغ القول، أو بعض
التوصيف، إن حجم الدمار الذي سببته
ـ ولازالت ـ هائل في عقول أبناء المجتمع برمته،
وفئة الشباب المتلقي الأول لهذه
المادة الإعلامية، عبر العرض المبتذل لكليبات، و
ما
يتخلله من مشاهد فاضحة من عريّ
ولحم أبيض متوسط, يقف وراء ذلك شركات كبرى برأسمال
أكبر، ومفسدون وتجار، وحتى بعض
رجالات السياسة يشاركونهم, إن لم يديروها بأنفسهم،
بل بعضهم يعدّ نفسه الأب الحاضن للكثير من هذه
الأصوات النشاز!!
لست ضد الغناء حتى لا أتهم بذلك،
ولكن هناك قضايا ذات أهمية تعرضها
هذه الأغنيات، ومن واجب الكل
الوقوف أمامها لمعالجتها بكثير من الحذر، لأن
نتائجها
الوخيمة تهددنا جميعا.
سأكتفي بالحديث عن الصورة النمطية
السائدة ( وهو صورة المرأة
الجسد )، وأشياء أخرى على أمل
التواصل بذكر أضرارها ومساوئها ونتائجها المدمرة
في
جزء لاحق.
بنظرة بسيطة يمكن لأي متابع عادي
أن يركز على بعض من الآتي:
هناك تفاقم
غير طبيعي، وغير سوي، في عدد
الفضائيات الغنائية، بل حتى البرامج التي تهتم
بالفنانين
الجدد، ممن يجد في جيب والده بضع
دراهم، أو تتوفر عنده بعض الملكات الربانية،
كالشكل
الذي يتم مسخه بعملية تجميل وتنفيخ
وتسمين وتنحيف... وكأن المطلوب هو الشكل ذاته ليس
إلا! فتكتمل الحلقة حتى يصمم
كليباً، ويصبح له جمهور، وتتهافت عليه الصحافة
وقنوات
التلفزيون، وجلّ ما يقدمونه لا
يمتّ لعالم الغناء الشفاف، الذي يغذي الروح،
ويخاطب
الضمائر، ويوقظ في نفوس الناس
قضايا مجتمعهم، ذات الأولوية والأهمية !! وهم
أصلاً
ومن يروجون لهم بعيدون تمام البعد
عن أخلاقيات مهنة الصحافة الواعية الملتزمة
بقضايا الناس.لا همّ لهذه الفئات
التجارية سوى الربح السريع، وتدمير أخلاقيات
مجتمعاتنا، التي تنهار، بل آيلة
للسقوط بين لحظة وأخرى، عبر أزماته السياسية
والاقتصادية الاجتماعية المتتالية,
وكأن المواطن المسكين الذي فقد كل وسائل الدفاع
عن نفسه لا همّ له ولا شاغل سوى (
أشرب أزوزة مشربشي الشاي )، والمواطن نفسه لا يجد
في
جيبه ثمناً للكازوزة، أو أجراً
لشراء كيلو من الشاي الجيد، لا عويل له ولا نحيب
على
نكسات واقعه، وهو متكيف في مخيمات
وطنه والملاجئ، أو في المهاجر، وحتى مع حالة الفقر
الذي يقرع ناقوس الخطر، ولا من
منتبه أ ومكترث، مستمراً في تسجيل أرقامه القياسية
في
مجتمعاتنا المتخلفة والفقيرة
أصلاً, وبالتالي لا يكون لهذا المواطن همّ سوى هذه
التفاهات, و المطرب نفسه يغتني
ويصبح له صيت بين عامة الناس، تفوق شهرته شهرة من
قضى سنوات
عمره وراء القضبان مناضلاً وسجينا
لأجل الكلمة الحرة، على عكس كلمات الأغنية الهابطة،
التي اكتسحت البيوت والمحلات، التي
ازدادت حتى صدق القول: لكل مواطن فنان! بل تجد
الرسائل القصيرة الأكثر من ساذجة
تترافق مع تلك الأغاني، وتغزو الإطار السفلي
للشاشات، تصوّت لذاك الصوت الفارغ،
وتلك المغنية الشكل فقط! وكما قال أحد الأصدقاء:
أين كل هؤلاء حينما نناديهم
للتوقيع على عريضة لأجل الكلمة الحرة، أو تضامناً
مع
معتقل رأي، أو تنديداً بممارسة
خاطئة هنا وهناك؟ صورة واحدة ستجذبك للكليبات، وهو
ما
يدعو للاستنكار واتخاذ موقف صارم
من قبل كل المسؤولين وأفراد المجتمع المتلقي
المباشر لهذه المواد، والتي تتعرض
لهذا التسفيه, هو أن هذه الثلة لتنجح في سياستها
وأهدافها المعلنة وغير المعلنة
فإنها تستخدم كل المؤثرات الممكنة والمستباحة منها
وحتى غير المستباحة، في التركيز
على حضور الأنثى الجسد، عبر مشاهد تخدش الحياء،
وفي
أكثر من إيماءة وتلميحة غرائزية
مزعجة ومقيتة تخاطب الشباب مباشرة، وبإسفاف متقصد،
عبر مجموعة من الراقصات الكاسيات
العاريات الملونات، وديكور مغر بات لغة السرير،
أو
وجود المرأة، وطريقة نومها
واستيقاظها وحمامها وتشليحها وتلبيسها، عبر تصميم
لافت، هو
الهدف الأهم لإنجاح الأغنية، التي
لا تجد الرقيب لإيقافها، فتجد الطريق سالكا عبر
قصص
مبتذلة أخرى في كليبات هابطة،
وشطحات من الأصوات المزعجة كزمور السيارات!!
هذه الصورة
المتكررة كل يوم، وفي كل القنوات،
والتي تقتحم كل بيت وكل أسرة وكل غرفة طفل، وحتى
غرفة الكبار، لا بل غرفة النوم
أيضا، لا يجد من يقف أمام سيله الجارف, لا بل
المشاهدة لا تستلذ كما قال أحد المتابعين إلا
حينما تنطفئ
الأضواء, تجسد المرأة بدورها في
هذه الأجواء المعتمة ( نموذجاً معيناً ) أبشع
أدوارها، بل نصيب القول: إنها ليست
المرأة، العقل، التفكير، النضوج، الأم، الأخت،
الزوجة،
التي تعوّد
أبناءها على القيم ومتغيرات المجتمع ومجاراة
التكنولوجيا والإبداع،
والتمرد على سطوة التخلف الغريزي
الموروث واللاحق, في أغلب هذه الأغاني المصورة
بحرفية ودقة، ذات المضمون السطحي
والتافه؛ لا وجود حقيقياً لكيان المرأة سوى أنها
منبع
عذب مشبع لحاجات الرجل، الذي
يجسدها بصورة الجارية, المدللة اللعوب، فلا معنى
ولا رسالة، ولا هدف من تلك الأغاني سوى صوت فارغ،
ومجموعة أجساد عارية، أو ربما يكتفي
الرجل المخرج مع وجود راقصات إما
مسترجلات أو تائهات عن قيم مجتمعها الأخلاقية
والمعرفية، ولديها غاية ستحققها
طالما تجد من تقبل لنفسها هذه الأدوار السيئة،
سيكتفي المخرج بواحدة على سرير
النوم، في ترويج فاضح لثقافة مكبوتة أصلاً، تنفجر
بحرية عبر شاشة الفضائيات. وإن
تجرأ أحد ما في الحديث عن هذا المحرم المتعارض مع
الدين
والسياسة فإن مصيرا آخراً ينتظره.
لفت انتباهي تعليق أحد النقاد على هذه
الكليبات، التي تكثر، ويستلذ بها
السياسيون، حتى يلتهي بها المواطن المسكين عن لقمة
عيشه، وحقيقة ما يجري حوله، ومن
فوقه وحتى من تحته: ( إنها ثقافة الفريسة والذئب).
ويشير متابع آخر: إنها قنوات السل
في السل، و السم بـ السم، يقدمه المفسديون( وليس
التلفزيون)، الذي يفترض أن يتطور
لصالحنا وليس لتدميرنا، إن كانت الحقيقة كذلك لما
بقي
موقف الرجل سلبيا من تغيير هذه
النمطية السائدة, لِمَ باتت شقائق الرجال، والتي
كرمهنّ الله في كل الديانات،
الصورة الممسوخة المستباحة في أذهان الكثيرين،مجرد
مساحيق تجميل ومنفخات ؟ لِمَ لا يفكر كل الرجال
الذين أثبتوا
عجزهم في السياسة بالعمل المجتمعي؟
لِمَ تركوا المكان شاغراً ليسكنها هؤلاء الفارغون؟
أليس تقديم هذه الصورة المهانة للمرأة يحتاج
لحملات إعلامية رافضة على كل
المستويات، ضد من يعدّون أنفسهم
أصحاب رسالة فنية، وتركوا أصحابها الحقيقيين في
العربة الخلفية؟ هل هذه هي الفطرة
التي تربى عليها كل الناس، بغضّ النظر عن
الانتمائات المذهبية والدينية
والطائفية وحتى القومية؟ لِمَ لم يناهض أحد ما
المعادلة
السالبة التي تقتحم كل بيت وأسرة،
وتدمر عقول شبابنا الضائعين أصلاً في متاهات
وأزمات الواقع المستفحلة, على أن
المرأة هي الرغبة والجسد والخيانة والعاطفة التي
لا تنطفئ؟ أليست المرأة بكل صورها،
ميزان العائلة التي كتب عنها، ونبّه عليها قبل قرن
من الآن قاسم أمين، وكونها الميزان
في كل المعادلات، فيعني مشكلتها أساس كل المشكلات
الاجتماعية الأخرى, ويجب عدم
الاكتفاء بالقول والنوايا للبدء بالإصلاح، إنما
السبيل
الوحيد هو تعرية العيوب، وليس
تعرية المرأة التي فقدت كنوزها المفقودة بظهورها
المفرط المبتذل على شاشة
الفضائيات، فلم تبق السر الميتافيزيقي الذي أعجز
الفلاسفة
والفنانين عبر الأزمنة، في البحث
عن سرها وحقيقة ذاتها اللغز. لذا لابد من تكاتف
الجميع لدراسة الوسائل المجدية،
ومخاطبة أعلى السلطات في كل مكان، حول ملاحقة من
ينشر
هذه الثقافة الاستهلاكية والدخيلة
المستنسخة من مخلفات ثقافة الغرب التي تركوها
والتفتوا لغزو الفضاء، فوصلوه.
وأما نحن فنرث مخلفاتهم بطرقنا الخاصة والخاصة
جداً!!
والموقف الآخر هي المرأة نفسها،
كيف ولماذا ترتضي لنفسها أن تصور ذاتها، وكأنها
حقاً الفريسة
في سوق نخاسة، تلغى ذاتها وكيانها
على حساب حضور الرجل القوي, وحوله جاريات حسان،
وكأن
تلك الصورة المشوهة للرجل المخنث
أيضاً هي صورة فارس أحلام أية امرأة؟ لماذا
تقبل أن تبتذل وتهان وكأنها في
حالة رقود سريري مطول، وحالة لاوعي غير مدركة، وإن
كانت لا تمثل سوى نفسها، ولكنها
بذلك تشوه نفسها والأخريات معها. يمكن القول إن ما
نتعرض له فقاعة أو مفرقعات أو
زوبعة في فنجان، ولكن حالما تنفجر هذه الفقاعة ألا
ترمي ببعض الشذرات التي تؤذينا
حقاً هنا وهناك؟
-------------------------
* موقع
shanama.org |