|
سورية وتركيا .. مقارنات مؤلمة
د. ياسر العيتي - دمشق
25/10/2007
لقد أثارت رؤية الرئيس بشار الأسد واقفاً إلى جانب
الرئيس التركي عبد الله غول في نفسي الكثير من
الأشجان. بدأت هذه الأشجان عندما مرَّ في رأسي
شريط يقارن مسرحية الانتخابات النيابية الأخيرة في
سورية والتي يعرف السوريون أنه لا يفوز فيها (بل
لا يُقبَل من يرشِّح نفسه فيها) إلا من ترضى عنه
الأجهزة الأمنية مقابل الانتخابات النيابية
الأخيرة في تركيا التي شارك فيها طوعاً 80% من
الشعب التركي والتي قطع فيها كثير من الأتراك
إجازاتهم الصيفية من أجل الإدلاء بأصواتهم والتي
فاز فيها حزب العدالة والتنمية بنسبة 47,6% من
الأصوات (كان قد فاز بنسبة 34% في انتخابات 2002).
استمر شريط المقارنات المؤلمة عندما
قارنت مناقشة مجلس النواب التركي للتدخل العسكري
في العراق والتي استمرت عدة أيام ناقش فيها النواب
- المنتخبون بشكل حر والذين يعبرون بشكل صادق عن
الشعب التركي – إيجابيات وسلبيات هذا التدخل
ليتوصلوا إلى قرار بشأنه تقرِّه الأكثرية مقابل
مشهد مجلس الشعب السوري المعيَّن من قبل الأجهزة
الأمنية عندما جمعه الرئيس بشار الأسد عام 2005
وألقى فيه خطاباً أعلن فيه انسحاب الجيش السوري من
لبنان فقابله المجلس المسكين بالتصفيق الحاد وهو
الذي لم يستشر في إدخال الجيش السوري إلى لبنان
ولا في انسحابه ولا في أي شأن مهم من شؤون الوطن
ولو أعلن الرئيس يومها إبقاء الجيش السوري في
لبنان لقابله المجلس البائس بنفس التصفيق
وبالحرارة ذاتها!
استمر شريط المقارنات المؤلمة عندما
تذكرت مقابلة مع رئيس الوزراء التركي رجب طيب
أردوغان بثتها قناة الجزيرة في شهر نوفمبر عام
2005 تحدث فيها عما فعلته حكومته في ثلاث سنوات
فقد خفضت التضخم من 34% إلى 7,52% وقللت الدين
العام من 91% إلى 63,4% وزادت عدد السياح من 9
ملايين في العام إلى 20 مليون وخفضت نسبة البطالة
من 11,7% إلى 9،7% وأدخلت إلى خزينة الدولة عن
طريق محاربة الفساد في مجال الفوائد فقط 70 مليار
دولار. بالمقابل، يلخص الدكتور عصام الزعيم رئيس
جمعية العلوم الاقتصادية في محاضرة بعنوان
«الاقتصاد السوري إلى أين؟..» أزمة الاقتصاد
السوري فيقول (ومن المشكلات البنيوية التي يواجهها
الاقتصاد السوري النمو المنخفض حيث بالكاد يتجاوز
النمو السكاني، ووثائق المؤسسات الدولية تشير إلى
أن النمو بلغ عام 2005 (3٪) وإذا لاحظنا التضخم
(9٪) فإن النمو يصبح سالباً وهذه مسألة خطيرة من
حيث انعكاساتها على البطالة والفقر) وفي مقالة
للأستاذ نضال معلوف منشورة على موقع سيريانيوز
يقول }الخسائر المعلنة للقطاع العام الصناعي في
العام 2006 كانت 85 مليار ليرة سورية ، لماذا لم
نوقف هذه الخسائر المتزايدة عاماً بعد عام .. وكم
نجحنا في تخفيف الهدر والحد من الفساد في مؤسسات
القطاع العام الصناعي وغير الصناعي؟{ أما وزارة
المالية السورية فقد قدرت حجم التهرب الضريبي في
سورية بنحو 3.7 مليار دولار سنوياً يقضمها الفساد
وتُحرم منها الخزينة العامة. أما منظمة الشفافية
الدولية فقد وضعت سورية عام 2007 في المرتبة 138
على مقياس الفساد المكون من 179 درجة بعد أن كانت
سورية في المرتبة 66 على هذا المقياس عام 2003 أي
أنها انخفضت 72 درجة خلال أربع سنوات!! وبغض النظر
عن الأرقام فإن حديث السوريين اليوم - الذين
أعرفهم على الأقل – هو تفاقم حالة الفساد والفقر
والبطالة والغلاء وتردي الخدمات وانقطاع الكهرباء
والماء وسوء حالة الطرق وتدري الأوضاع العامة في
البلاد يوماً بعد يوم.
ويستمر شريط المقارنات المؤلمة عندما
نتذكر الجهود الحثيثة التي يبذلها حزب العدالة
والتنمية في تنظيف سجل تركيا في حقوق الإنسان
والحريات العامة بحيث تصل إلى مستوى يجعلها مؤهلة
لدخول الاتحاد الأوربي وقد آتت هذه الجهود ثمارها
بالفعل إذ وصلت محادثات انضمام تركيا إلى الاتحاد
الأوربي إلى درجة متقدمة لم تستطع أن تصل إليها أي
حكومة تركية في السابق، بالمقابل أصدرت منظمة
مراسلون بلا حدود تصنيفها السنوي للعام 2007 رتبت
فيه دول العالم حسب الحريات الصحفية المتاحة فيها،
وقد جاء ترتيب سورية في ذيل القائمة واحتلت المركز
154 من أصل 169 دولة تم تصنيفها أما منظمة العفو
الدولية فقد أصدرت تقريراً حديثاً عن سورية تحدثت
فيه عن تدهور الوضع الإنساني وتفاقم الانتهاكات
لحقوق المواطنين إلى درجة أن عنوان التقرير كان
(لا مجال للتنفس!)
ويستمر الشريط المؤلم عندما نقارن الدور القوي
الذي تلعبه تركيا في المنطقة والعلاقات الجيدة
التي تربطها بكل من حولها حيث الجميع يحاولون خطب
ودها وكسب رضاها مقابل العزلة الخانقة التي تعيشها
سورية على كل المستويات. يستمر الشريط المؤلم
عندما نقارن الانتهاكات المهينة لسورية واستباحة
سمائها وأرضها تحليقاً وقصفاً مقابل الموقف الحازم
الذي اتخذته تركيا ضد حزب العمال الكردستاني ـ بغض
النظر عن تأييدنا أو رفضنا لهذا الموقف ـ والذي لم
تملك الدول الأخرى (بما فيها أمريكا) تجاهه سوى أن
ترجو من تركيا التمهل وضبط النفس.
لماذا تتقدم تركيا وتتراجع سورية؟ هل لأن
الشعب التركي أكثر ذكاء ورقياً من الشعب السوري؟
أم لأن من يحكمون تركيا يحترمون الشعب التركي؛
يحترمون عقله وإنسانيته وكرامته وخياراته ولا
ينصبون أنفسهم أوصياء عليه في حين أن من يحكمون
سورية يحتقرون الشعب السوري؛ يحتقرون عقله
وإنسانيته وكرامته وخياراته وينصبون أنفسهم أوصياء
عليه (وإلى الأبد)؟! أختم بما قاله أردوغان في
المقابلة التي عرضتها قناة الجزيرة والتي استشهدت
بجزء منها في بداية المقال، قال رئيس الوزراء
التركي في تلك المقابلة (أنا أقول دائماً أننا
لسنا دائماً في هذه المراكز فنحن اليوم موجودون
ولكن قد لا نكون غداً ولا أحد يسعى للبقاء في أي
مركز فعلينا أن لا ننسى أننا فانين قبل شيء). من
يستطيع أن يقنع حكام سورية بأنهم فانون، وبأن الله
يمهل ولكن لا يهمل.. أفلا يتعظون؟! |