|
الحرب على الجبهة الكردية التركية!
أكرم البني *
21/10/2007
السؤال المشروع الذي يطرح
نفسه بإلحاح اليوم، من هو صاحب المبادرة، أو من له
المصلحة الأكبر في تسعير الصراع على الجبهة
التركية ـ الكردية، هل هو حزب العمال الكردستاني
أم الجيش التركي؟!.
منذ أشهر بدأت تتواتر
بيانات لقوات حماية الشعب وهي الجناح العسكري لحزب
العمال الكردستاني عن عمليات متفرقة تقوم بها،كان
أهمها ما سمته هجوماً صاعقاً وبالأسلحة الثقيلة،ضد
نقطة عسكرية تركية في منطقة شرناخ التابعة لولاية
ماردين في شمالي كردستان،الأمر الذي أسفر عن
مقتل14 جندياً تركياً،في حصيلة أولية،وجرح عدد
آخر،وأوضح البيان أن ما حصل هو رد مشروع على
العملية التي قام بها الجيش التركي قبل ذلك وأسفرت
عن قتل تسعة مقاتلين من الكرد في المنطقة ذاتها.
وإن مرت عمليات الأكراد
السابقة بسلام لكن عبد الله غول، الرئيس التركي
الجديد، والمشرف على ما يسمى لجنة مكافحة الإرهاب
اخطر بعد العملية الأخيرة بعض أركان الحكومة
والمؤسسة العسكرية بضرورة الاجتماع لبحث كيفية
الرد ولوضع حد لما يقوم به عناصر حزب العمال
الكردستاني، لنقف أمام مشهد يذكرنا بما كان يحدث
في عقد الثمانينيات من تسعير للصراع بين الدولة
التركية ومقاتلي حزب العمال الكردستاني.
فما سبب إقدام المقاتلين
الكرد في هذا الوقت بالذات على تنشيط عملياتهم ضد
المواقع العسكرية التركية،بعد أن كرست الانتخابات
الأخيرة فوز حزب العدالة والتنمية بأغلبية مقاعد
البرلمان وما يعنيه ذلك من احتمال التقدم خطوات
ملموسة نحو تخفيف معاناة الشعب الكردي ربطاً
بالوعود التي أطلقها الحزب في حملته الانتخابات
وباهتمامه المعروف في معالجة أوضاع الشمال وتخصيص
كثير من الجهد والمال لتنمية تلك المناطق وضمان
الحقوق الثقافية للأقليات القومية فيها،وهو الوقت
نفسه الذي يتحين فيه الجيش التركي أية فرصة لرد
الاعتبار لدوره وتكريس حضوره السياسي في البلاد
بعد أن منيت القوى الملتفة حوله بإخفاق مشهود في
الانتخابات الأخيرة، وقد جاءته هذه الفرصة على طبق
من ذهب، عندما وضع المقاتلون الأكراد البرلمان
التركي أمام واجب لا مجال للالتفاف عليه وهو
التصويت على عمليات عسكرية واسعة ضد مواقع حزب
العمال في الأراضي العراقية كان فاتحتها التهديد
بملاحقة المقاتلين الكرد داخل الحدود العراقية، ثم
إعلان ثلاث ولايات كردية مناطق عسكرية مغلقة خاضعة
لسيطرة قوات الأمن والجيش ومحرمة على وسائل
الإعلام والصحافة، تلتها الحشود الكثيفة على طول
جبال كردستان والحدود مع العراق، وأخيراً الغارات
والقصف الذي شن منذ أيام ضد مجموعة من القرى
الكردية الحدودية بحجة لجوء المتمردين إليها
واعتمادها عليها كقاعدة لانطلاق عملياتهم في
الأراضي التركية.
إن تعذر تعليل ما حصل
وتقديم إجابة شافية عن سبب اختيار هذا الوقت
بالذات، يضعك أمام أسئلة أخرى عن غرض حزب العمال
من فتح جبهة الحرب مرة أخرى وهو الذي التزم لسنوات
ومن طرف واحد بوقف لإطلاق النار، هل ثمة خطة
جديدة، أم الأمر مجرد خبطات ثأرية لا تضع في
اعتبارها منحى أو هدفا، أم يتعلق السبب بتوافقات
خفية مع قوى إقليمية، أم بالحاجة إلى تأكيد الوجود
وكرفض طفولي لنتائج الانتخابات التركية التي وضعت
عملياً القضية الكردية على سكة الحل السياسي،
ورفضه تالياً لاحتمال أن ينجح حزب العدالة
والتنمية في تخفيف معاناة الشعب الكردي وكسب
المزيد من تعاطفه.وبخاصة وأن مرشحي حزب المجتمع
الديمقراطي،وهو حليف حزب العمال،قد أخفقوا في
منافسة مرشحي العدالة والتنمية في المناطق
الكردية.
بلا شك تتحمل السلطات
التركية مسؤولية مزدوجة تجاه ما يجري، مرة
بإصرارها المزمن على تجاهل خصوصية الوضع القومي
الكردي وبخاصة وأن تعداد الأكراد يبلغ أكثر من
خمسة عشر مليوناً، وإهمال مطالبهم وحقوقهم
المشروعة ما انعكس إحباطا سياسياً واحتقاناً
اجتماعياً في صفوفهم،ومرة بتكرار اللجوء إلى
الخيار العسكري لمعالجة التوترات الحاصلة، لكن ثمة
مسؤولية أيضاً تقع على حزب العمال وسياساته وخاصة
ما يشاع عن عودته إلى أسلوب الكفاح المسلح كطريق
رئيس لتحصيل الحقوق،وما يعنيه ذلك من احتمال طي
نتائج المراجعة النقدية التي أجراها قبل وبعد
اعتقال زعيمه عبد الله أوجلان، وقبوله بمبدأ الحكم
الذاتي في إطار الدولة التركية واعتبار حل المسألة
الكردية جزءا لا يتجزأ من معالجة القضية
الديمقراطية العامة في البلاد. الأمر الذي يدل على
تأثير لا يزال كبيراً لمن لا يريدون تمثل الدروس
المستخلصة من الهزائم والانكسارات التي شهدها
النضال الكردي في ثوراته المعاصرة
( جمهورية مهاباد في إيران
1946، اتفاق مارس/ آذار في العراق 1975 ) وكيف
لعبت أساليب النضال العنيف وتدخل العوامل العالمية
والإقليمية دوراً كبيراً، هو مرشح للتكرار اليوم،
في إجهاض طموحه القومي بعد أن وصلت"اللقمة إلى
الفم" في غير لحظة من لحظات تاريخه.
هو أمر بديهي أن تقف
الأحزاب بعد زمن من التجربة وفي ضوء ما حصدته من
نتائج لمراجعة مواقفها وحساباتها، الأمر الذي
مارسه حزب العمال الكردستاني، وخلص فيه إلى أولوية
النضال السياسي الديمقراطي وما يعنيه من خيار
استراتيجي لنيل الحقوق القومية، بصفته بداهة
نضالاً من أجل مساواة جميع القوميات في نظر
المجتمع والقانون، وهو في الحال الكردية تثبيت
الحقوق المشروعة لهذا الشعب المضطهد كحقه في
المواطنة وحقوقه الثقافية والسياسية، وحقه
المتساوي في المشاركة في إدارة السلطة والدولة،
بما في ذلك أيضاً تقرير مصيره بالوسائل والأساليب
الديمقراطية. مثلما خلص إلى أن أعمال العنف والقتل
لم تسعفه ولم تثمر الثمار المرجوة، بل بدت هذه
الطريق المليئة بالآلام والتضحيات غير قادرة حتى
عن تعديل توازن القوى في هذا الاتجاه، وبدا أن
المراهنين على المواجهات الدامية وتسعير
الاضطرابات الأمنية قد أخفقوا في إيقاظ الجمهور
وتعبئته مثلما أخفقوا في ضعضعة الدولة التركية أو
زعزعة سلطانها، بل منحوها على العكس ذريعة قوية
لاستخدام العنف المضاد على نطاق واسع ومكّنوا
الجيش من إعادة ترتيب قواه وتشديد القبضة القمعية.
إذا كان ثمة أسباب عديدة
لاختيار أسلوب العنف والكفاح المسلح عند القوى
الكردية منها ما يتعلق بمناخات القمع والاستبداد
وتخلف مقومات النهوض السياسي ومنها ما يرجع إلى
الشعور بشدة الحيف والظلم من سياسات الحكومة
التركية،فإن تعقيدات المشهد الراهن يجب أن لا تحجب
عن عيوننا وجود دوافع أخرى وأمراض ذاتية مستوطنة،
إن على المستوى النفسي أو الاجتماعي، تتكامل مع
الدوافع الموضوعية وتتغذى منها، تعزز لدى الناس
الاستهتار بأهمية العقلانية السياسية وجدواها،
وتزيد من انتشار ظواهر ضيق الصدر ورد الفعل
والتسطيح تجاه حراك المجتمع السياسي والمدني،وتجاه
سلبيات الواقع وسيئاته، وتزيد تالياً من الأوهام
بأن خيار التطرف والمكاسرة،هو ما يوفر كل
المتطلبات، ويحقق كل الأهداف.
والحال، إذا كان من المرجح
أن يشهد الصراع التركي ـ الكردي تصعيداً كبيراً في
الفترة القادمة، فإنه بلا شك سوف يقود الشعبين إلى
دورة جديدة من المعاناة والآلام ويترك آثاره
السلبية على مستقبل الحقوق القومية الكردية وعلى
تركيا ذاتها وما يحمله مشروع العدالة والتنمية من
وعود.
-----------------
*موقع
alghad.jo |