تشكل مقالة الأستاذ عماد شيحة الأخيرة عن
الديمقراطية "ديمقراطية , نعم و لكن أية
ديمقراطية" حالة نموذجية لمقاربة اليسار
السوري لموضوعة الديمقراطية..سبق أن شاهدنا
نموذجا آخر في مقالة الأستاذ سلامة كيلة
"النظر إلى الديمقراطية" يعتمد تقريبا ذات
المقاربة..يستند هذا التحليل إلى عرض تاريخي
لفكرة وممارسة الديمقراطية خاصة استخدامها من
قبل الخطاب النيو ليبرالي ودورها في السياسة
الأمريكية قبل وبعد نهاية الحرب الباردة،
والذي يكشف تهافت المزاعم النيو ليبرالية عن
الديمقراطية، والذي هو بلا شك تحليل صحيح
تماما..لكنه يبقى الجزء الأول من الحقيقة
فقط..هناك ذلك الجزء الآخر المسكوت عنه أو
الذي يظهر تلميحا في زفرات الغضب و نبرة
التهكم من صعود المد الديمقراطي..هذا السكوت
أو التصريح الضمني الذي يبقى في نهاية المطاف
أسير الموقف السلبي التاريخي لليسار من
الديمقراطية، كفكرة وهدف، والذي يمكن أن نشتم
منه القبول الضمني بالأطروحة الليبرالية التي
تدعي مساواة الديمقراطية بالليبرالية..طبعا إن
دل هذا على شيء فهو يدل على ثقل الإرث
الستاليني على مقاربة اليسار للديمقراطية، بغض
النظر عن درجة الموقف الانتقادي من ستالين
نفسه و مجمل التجربة السوفييتية..
إن فكرة تطابق الديمقراطية و الليبرالية فكرة
سخيفة جدا، وإن تمكنها من الاستمرار بدون نقد
جدي ومؤثر يعود ليس فقط لجهود النيو ليبراليين
المدعومين بخطاب العولمة الرأسمالية، والذين
يريدون تصوير الديمقراطية على أنها مجرد قبول
بواقع الهيمنة الأمريكية الرأسمالية, بل يساهم
في هذا التشوش أيضا فشل اليسار في تجاوز
الموقف التقليدي من الديمقراطية الذي يعود إلى
أيام صعود الستالينية والمبررات التي جرى
حشدها لتبرير صيغة الدولة "السوفييتية"
القائمة على مركزية حكم البيروقراطية
الحزبية..و لهذا لا نجد مكانا لأطروحة التغيير
الديمقراطي, ربما أكثر من دور ثانوي في أفضل
الأحوال, في رؤية اليسار للواقع ومشروع
تغييره..
في التحليل الرائع لغياث نعيسة عن الوضع في
سوريا ( الأزمة و النضالات الجماهيرية الناهضة
في سوريا ) ورغم التوصيف الصحيح بلا شك للنظام
القائم على أنه حكومة الرأسماليين والأغنياء,
لم يحتل استبداد النظام, و بالتالي المطلب
الديمقراطي في مواجهته, أي مكان لا في تشخيص
الوضع الراهن ولا في مطالب المواجهة أو
التغيير..بينما أنه في حقيقة الأمر لا يوجد ما
هو أكثر سخفا من ادعاء أن صعود المد
الديمقراطي هو نتيجة لظاهرة سياسية كالريغانية
وامتدادها في ظاهرة المحافظين الجدد, و أكثر
سخفا هو الزعم, أو
القبول بزعم , أن شخصا كجورج بوش هو وراء
ظاهرة سياسية ذات بعد إنساني كهذا في
منطقتنا..
يجب أن نؤكد هنا أن صعود الديمقراطية ليس
نتيجة لصعود العولمة الرأسمالية ولا لانتصار
الأحادية الرأسمالية في مواجهة الحرب الباردة,
إنه في جانب رئيسي منه نتيجة منطقية لأزمة
الأنظمة البيروقراطية في أوروبا الشرقية،
ولأزمة الأنظمة الاستبدادية في العالم الثالث،
التي استثارت سياساتها القمعية هذا الوعي
الديمقراطي, و لو أن المحافظين الجدد في
المركز الأمريكي والليبراليين الجدد في
الأطراف يحاولون الترويج لهذه السخافات..على
العكس تماما تعمل السياسة الأمريكية جاهدة على
إغراق مطالب وأحلام التغيير الديمقراطي في
دماء حروب أهلية ومذهبية، وتحاول تكريس حالة
تهميش الجماهير أمام طغم جديدة أو قديمة، وعلى
التوازي تزداد عزلة "الديمقراطيين" المتلبرلين
عن الشارع مع دورهم الذي يقتصر على تقريض
ميزات الاستسلام للمشيئة الأمريكية..
الغريب هنا أن يتمكن منظرو العولمة الذين
أثبتوا غباء كبيرا في العراق وغيره من اكتشاف
الدور الكبير الذي تلعبه الديمقراطية في
الصراع الفكري والسياسي الراهن، وأن يحاولوا,
كعادة القوى السائدة, تجيير هذا الصعود
لحسابها الخاص، وأن يفشل في الوقت نفسه قسم
هام من اليساريين العرب والسوريين – بسبب من
المواقف المسبقة المستندة إلى إرث الماضي - من
اكتشاف هذه الحقيقة..
إن التغيير القادم لا بد أن يكون تغييراً
ديمقراطيا و إلا فإنه سيشكل نكوصا مريعا إلى
الوراء..إن القول أو الزعم بوجود أي تناقض بين
المشروع الديمقراطي والاجتماعي ليس إلا نتيجة
لثقل تجارب الماضي، ولا يمثل حقيقة
الأمر..يفترض أن يطلق التغيير الاجتماعي
مبادرة الجماهير و يطلق حريتها لا أن يكرس
وضعيتها المهمشة أمام قوى فوقية منعزلة عنها
تمارس سلطتها على أساس ادعائها تمثيل هذه
الجماهير الذي يستند إلى حالة الأمر الواقع من
جهة و تبريرات تحتقر الديمقراطية و بالتالي
دور الجماهير و مشاركتها في المحصلة..
على العكس من هذا التردد أو الريبة من المطالب
الديمقراطية و الانكفاء الكلاسيكي على الإرث
الستاليني فإن على مجتمعاتنا و من يفترض أن
يكون حاملا لرسالة تغيير الوضع القائم أن تبدأ
عملية دمقرطة شاملة جذرية و صياغة و ممارسة
سياسة ديمقراطية لا تعرف الهوادة مع أي شكل
ظاهر أو خفي للاستبداد.....