|
حرمان المواطنين الكرد من الجنسية
جريمة خارجة على سياقين
زهير سالم *
09/10/2007
تعتبر قضية المواطنين الكرد المحرومين من الجنسية
من أكثر القضايا الوطنية مأساوية، وأعمقها أثراً،
وأطولها عمراً. فقد مضى من عمر هذه المأساة ما
يزيد على نصف قرن، وأرخت بثقلها على أكثر من أربعة
أجيال من المواطنين. إحصاء جائر ألغى وجود مكون
تاريخي أصيل من مكونات الأمة المسلمة، على أسس
عرقية محضة، ونتيجة لقلق عنصري غير مشروع، فمحا
حقوقهم الإنسانية والمدنية والسياسية.
ولقد مثل هذا الإحصاء جريمة حقيقية بكل أبعاد
الجريمة. جريمة خارجة أولاً على السياق التاريخي
المتلاحم لوجود هذه الأمة. فقد ظلت أمتنا المسلمة
عبر أربعة عشر قرناً وحدة واحدة، يسوسها أبناؤها،
ويقومون عليها في ريادة حضارية متعاقبة. يتقدم في
كل دور الأكفأ والأقدر. ساسها الأمويون والعباسيون
والبويهيون والسلاجقة والحمدانيون والأيوبيون
والعثمانيون. ودائماً استطاع الجسم الحي بوحدته
البنيوية أن يتجاوز عنعنات العصبية، وما تخلفه في
الكيان العام من ندوب.
ومن هنا فإن جريمة حرمان المواطنين الكرد من
حقوقهم الأولية في الانتماء الوطني تعتبر خروجاً
عنصرياً بغيضاً على قواعد حضارة قامت منذ اللحظة
الأولى على أساس العقيدة والفكرة لا على أساس الدم
والعنصر والعرق. كما تعتبر خروجاً على شريعة
الإسلام التي آخت بين أبنائه وأعلنتهم سواسية
كأسنان المشط.
ومن جهة أخرى تمثل جريمة حرمان أهلنا الكرد من
حقوقهم في الانتماء الوطني، خروجاً على سياق حضاري
معاصر. حيث تسعى أمم الأرض أجمع في هذا العصر إلى
اصطناع الأسس للتوافقات، والبحث عن القواعد لتشكيل
الوحدات الإنسانية الكبرى لمواجهة تحديات العصر
بكل ما فيه. ففي إطار الاتحاد الأوربي ـ مثلاً ـ
يلتقي اليوم الانغلوساكسون بالغاليين بالجرمان
بالدومينكان بالسلاف بالصرب باليونان.. ليشكلوا
وحدة حضارية وسياسية واقتصادية يواجهون بها العالم
أجمع. السياق الحضاري المعاصر يتجه نحو التكتلات
الكبرى بينما يفرض علينا تحت شعارات وعناوين زائفة
أن نرتد عن بنياننا الحضاري إلى مربعات فسيفسائية
لا ترتكز على واقع تاريخي ولا تتطلع لأفق مستقبلي.
حرمان أهلنا الكرد من حقوقهم المدنية والسياسية
جريمة خارجة على سياقنا التاريخي المبدئي الذاتي،
وخارجة أيضاً عن السياق السياسي المعاصر الذي
يرتبط بمقتضيات المصلحة في عصر الصراعات الكبرى.
وكلا السياقين يرفض المنطق العنصري الأقلوي. ويؤكد
ضرورة الارتقاء إلى الآفاق الإنسانية الرحبة في
اللقاء والتواصل والتعاون. أي يؤكد سلامة منطلقنا
الحضاري الأول في إقامة دولة العقيدة والفكرة.
ومن إيماننا الثابت بهذا المبدأ، مبدأ أمة العقيدة
والفكرة، المتقدم على حقيقة العنصر أو الدم أو حتى
المصلحة الآنية العابرة رفضنا منذ أواخر القرن
التاسع عشر كل حركات الانزواء القومي، رفضنا
سياسات التتريك، ودعوة الاتحاد والترقي، ورفضنا
منطق الاستعلاء العنصري العربي وبنفس المنطق نرفض
اليوم كل الدعوات والسياسات العرقية العنصرية التي
تهدف إلى تمزيق أمتنا المسلمة وتفتيت وحدتنا.
وبنفس المنطق اليوم أيضاً نرفض الحديث عن دول
الفتات العنصرية أو المذهبية، ونرفض ردة قومية وصل
أصحابها متأخرين، بعد أن أصبح ثوب القومية في
سياقها التاريخي أسمالاً.
ومن رؤيتنا هذه لوحدة الأمة البنيوية الواحدة
نتمسك بحق أهلنا وإخواننا الكرد بالتمتع الكامل
غير المنقوص بجميع الحقوق التي يتمتع بها نظراؤهم
من سائر المواطنين على الأرض السورية، وعلى غير
الأرض السورية، فلقد كان الكرد دائماً مكوناً
بنوياً لجسم الأمة الحي، وعبر تاريخ طويل من العيش
المشترك وفي ظل المنظومة الحضارية الإسلامية
بتجلياتها المختلفة عشنا معاً وصنعنا الحضارة
والمجد معاً.
إن موقف الإدانة والشجب للجريمة النكراء،
جريمة حرمان أهلنا الكرد من حقوقهم المدنية
والسياسية كاملة غير منقوصة في دولة للسواء
الوطني، أو إعلان التعاطف والدعم والمناصرة
لهم، كل تلك الأمور لم تعد كافية لوضع حد لهذه
المأساة بأبعادها الراعفة وانعكاساتها السلبية
على المستويات كافة. إن المطلوب من أبناء
المجتمع السوري أجمع أن يتواصلوا لوضع خطة
لمشروع وطني متكامل يعمل عليه الجميع ينهي
المأساة ويعيد اللحمة إلى الصف الوطني
المرصوص.
------------------
* مدير مركز الشرق
العربي
|