صفحة البداية | من نحن |  اتصل بنا | مواقع مختارة | بحث | أرشيف المقالات 

 
حقوق الإنسان

دراسات

مقالات

من أعلام الكرد

من اللغة الكردية

من الأدب الكردي

جغرافيات

من المكتبة الكردية

تقارير إخبارية

صوتيات

المكتبة الإلكترونية

عالم المرأة


 

 
 

 
 
 
 
 
 

حملة المباخر في زمن محاكم التفتيش العربي والتبعيث
محمد علي شاهين *

07/10/2007

نشأ في أحضان الأنظمة الشموليّة في العالم الإسلامي، تيار ديني انسحابي هجين منحاز لأهل الحكم، غير معني بقضايا الإسلام والمسلمين، وتجرأ أحد أبرز مؤسّسي هذا التيار في بلد عربي عريق فأعلن بكل وضوح أنه مع التعاون الإيجابي مع كل نظام وطني، وكأنّ الإسلام السياسي ليس مع الوطن.    

ونشأ إلى جانب هذا التيار، فريق علماني شديد الالتصاق بالأنظمة الحاكمة، حمل مسؤوليّة التطهير الثقافي والتبعيث في زمن العجز العربي، من خلال وسائل الإعلام المؤمّمة، كانت أولى إنجازاته ترويض الأمّة وتدجينها وتحويلها إلى قطيع يتقن التصفيق والرقص في الشوارع.

واتخذت الحركة الإسلامية التي تمثّل (الإسلام السياسي) من رجال الدين الموالين للأنظمة العلمانية موقفاً حذراً.

وتعمقت الهوّة داخل الوطن بين التيار الإسلامي الرشيد من ناحية، والتيارات الغبيّة المنحازة لأنظمة القمع.  

ثم تبعتها قطيعة نهائية بين الإسلاميين الحركيين، وبين رجال الدين المتعاونين مع دولة الحزب الحاكم، وخاصة أولئك الذين منحهم النظام المناصب الدينيّة، والأمان وصرّة الدنانير، والمنابر، ومنهم مفتون وخطباء وموظفون أوقافيّون، ومقدمو برامج إسلاميّة إذاعية وتلفزيونية.           

وكانوا في نظر الحركة الإسلاميّة كما وصفهم الدكتور يوسف القرضاوي في كتابه (الصحوة بين الجحود والتطرف): في موضع الاتهام لأنهم يمالئون الحاكم رغم علمهم بأنه لا يحكم بما أنزل الله، وهم لم يكتفوا بأن يسكتوا عن أن يقولوا للظالم: يا ظالم، بل قالوا له: ما أعدلك وما أعظمك أيها البطل.                     

في حين يرى الاتجاه الآخر أنّه يخدم الإسلام مستفيداً من دعم حكومي لبرامجه المتمثّلة في التوسّع في التعليم الشرعي، وتعميم معاهد تحفيظ القرآن، والتوسّع في ميدان الأنشطة الاجتماعية والدعويّة.

واستخدم بعض شيوخ السنّة مبدأ التقية، وهم الذين نهوا عنها؛ سئل الشيخ: لماذا انتابك الخشوع والبكاء وأنت تصلي صلاة الجنازة على الرئيس فلان؟

فأجاب قائلاً: أنا، كأي مسلم صادق مع الله في إسلامه، قلما صليت على جنازة، إلا وخيّل إليّ أنني أنا الممتد في أكفاني داخل الصندوق الذي أمامي وانتابتني من ذلك حال لا يعلمها إلا الله سواء عرفت الميت أم لم أعرفه، فكيف إذا كان هذا الميت من ذوي السلطة والمكانة الباسقة في حياته، يأمر فيطاع وينهي ويحذّر فينقاد له الجميع، وأنظر إليه، فإذا هو مجرد من سابق أبهته وسلطانه، عار من كل قدراته، قد ارتحل إلى الله ذليلاً صاغراً مجرداً إلا من أكفان عبوديته.

وفات هذا الشيخ الباكي أن رأس النظام الذي يبكي عليه أنّه اتهم أهل السنة بأنّهم انفصاليّون فسرّحهم من الجيش، ثم بأنهم ناصريّون فحرمهم من المناصب العليا، ثم بأنهم إخوان مسلمون فحكم عليهم بالإعدام بموجب القانون 49 لعام 1980.

ومما يلفت النظر التحاق طبقة انتهازيّة واسعة تدّعي كذباً الإيمان بمبادئ حزب الدولة وقيمها، لم تجد حرجاً في الجمع بين التدين وخدمة النظام العلماني، طمعاً في تحسين أوضاعها الوظيفيّة على حساب الكفاءات العلميّة والإداريّة، حتى زاحمت أعضاء الحزب القدامى في أرزاقهم ومواقعهم، وزايدت عليهم.

وعندما وجد شيخ سني يتبوّأ منصباً رفيعاّ في وزارة أوقاف تلك الدولة العربيّة توجّه دولته نحو التشيّع الصفوي قال: ليس غريباً أن تجد بين إخواننا من علماء السنة من ينصف حقيقة التشيع لآل البيت (عليهم السلام) وينهل من عينها الصافية بل ويتتلمذ على مدرستها في فهم الإسلام الصحيح والتعاطي مع مفرداته النابضة بالحياة وفكره الأصيل وحضارته العريقة، بكل ما تتضمنه من تناقضات مذهبية ونعرات طائفية وتفسيرات لحركته التاريخية عبر الأزمان.

ووجدها أحد المفتين فرصة سانحة للتقرّب من هذا التوجّه فأسرف في الحديث عن الشيعة والتشيّع حتى أشيع بين الناس أنّه تشيّع، فسأله أحد الصحفيين هل تشيّعت؟ فقال: أنا مفتي الشافعيّة.

ونضرب صفحاً عن سرد المزيد من المواقف المخجلة، والتصريح بأسماء أصحابها، لكنّ التاريخ السياسي المعاصر للمنطقة لن يرحم كل من ضلّل الرأي العام، وسقط في هذا الاختبار الصعب.

وننقل على سبيل الاعتبار ما ذكره المؤرّخون أن بعض السلاطين العثمانيين تنكّبوا أوامر الشريعة الإسلاميّة ونهيها عن قتل النفس التي حرّم الله إلاّ بالحق، ولم يقتفوا منهج الأنبياء والصالحين، بالابتهال إلى الله أن يشددوا أزرهم بإخوانهم، حيث يقول جلّ من قائل: (هارون أخي أشدد به أزري واشركه في أمري) وجروا على عادة تركيّة جاهليّة تأنفها الفطرة السليمة وتأباها النفوس المؤمنة، ألا وهي عادة قتل الإخوان بعد توليهم عرش السلطنة، وجد من المفتين من يجيز للسلاطين العثمانيين قتل إخوتهم كي لا يطمعوا في العرش وتقوم الفتنة، متذرعين بالآية الكريمة (والفتنة أشد من القتل).

وأنّه لمّا أراد المتآمرون على السلطان عبد العزيز عزله استعانوا بالمفتي لإصدار الفتوى الشرعيّة، وكانت المؤامرة التي أوصلت إلى هذه النتيجة قد حصلت بين كل من محمد رشدي باشا الصدر الأعظم وحسين عوني باشا ناظر الحربية، وأحمد باشا قيصرلي ناظر البحرية، وأحمد مدحت باشا، وشيخ الإسلام حسن خير الله أفندي، وقبل الشروع في تنفيذ ما صمموا عليه أصدر شيخ الإسلام فتوى بوجوب ذلك هذا نصها:

إذا كان زيد الذي هو أمير المؤمنين مختل الشعور وليس له إلمام في الأمور السياسية وما برح ينفق الأموال الميرية في مصارفه النفسانية في درجة لا طاقة للملك والملة على تحملها، وقد أخل بالأمور الدينية والدنيوية وشوّشها، وخرّب الملك والملّة، وكان بقاؤه مضراً بها فهل يصح خلعه؟ الجواب: يصح. كتبه الفقير حسن خير الله عفى عنه.

ومما يؤسف له أّننا لم نأخذ الدروس من سقطات بعض فقهاء السلطان في فترة انهيار الدولة العثمانيّة، ولم نعتبر مما آلت إليه أحوال عهود دول عفى عليها الزمن والنسيان، حتى بتنا نسمع في عالمنا الإسلامي مثل هذه المواقف التي تسيء إلى أصحابها.

وانضم هؤلاء إلى جوقة الأدباء والشعراء العلمانيون الذين غالوا في مدح سادتهم بعبارات دينيّة تفتقد الصدق فقال شفيق الكمالي يمدح صداماً: (تبارك وجهك القدسي فينا.... كوجه الله ينضح بالجلال) تعالى الله علوّاً كبيراً.

وكتب المدعو إسماعيل حويجة في (مجلّة الفرسان) التي كان يصدرها الرفيق رفعت الأسد في عددها 17/2/1992 مقالاً جاء فيه: ... وليجعلوا من الرفيق حافظ الأسد قبلة يعبدونها، بدلاً من الركوع أمام أوثان الإسلام.

وسقط المواطن في الوهم الإسلامي الرسمي، والعروبي، والوطني، ووقع في الفخ الذي نصبه هؤلاء باسم الدين تارة وباسم العلمانيّة تارة أخرى، وذبح بسكين الأنظمة الشموليّة حتى الوريد.   

ولكن يحز في نفس الحر أن يجد في بلاد المسلمين رجال دين موالين لأنظمة القمع، ويجد في بورما رهباناً على دين بوذا يتسربلون بأثواب الحريّة الحمراء.

إنّهم غلاة الارتزاق والخوف، المدّاحون لقادة أنظمة القمع، حملة المباخر في زمن محاكم التفتيش العربي والتبعيث.
--------------
* المركز الاعلامي لاخوان سوريا

أعلى الصفحة | عودة إلى مقالات

جميع الحقوق محفوظة لموقع وحدة العمل الوطني لكرد سورية Copyright © 2007
 | اتصل بنا | صفحة البداية | مواقع مختارة | بحث