|
تغريبتي في سجون المخابرات
السورية
فرج بيرقدار
هي أوراق مكتوبة على أوراق السجائر
مهربة من زنازين النظام السوري دوّنها السجين رقم
31 (الشاعر والصحافي السوري فرج بيرقدار). «المحرر
العربي» نشرت في عددها السابق مقدمة كتابه «خيانات
اللغة والصمت - تغريبتي في سجون المخابرات
السورية» التي كتبها بمداد القلب ودمع العين..
ليضيف أن الشعر كان بالنسبة إليه في المعتقل طائر
الحرية الأجمل.. هو التمرين الأقصى على الحرية
العصي على الأسر.. فحرره داخلياً مما يحيط به من
جدران وأنفاق وجنازير وأقفال.. من نهاية الكتاب
نقتطف نص المرافعة التي تقدم بها المؤلف اثناء
محاكمته امام محكمة أمن الدولة العليا بدمشق عام
3991 (بعد ست سنوات من اعتقاله) والتي أصدرت بحقه
حكماً بالسجن خمسة عشر عاماً مع الأشغال الشاقة
والحرمان من الحقوق المدنية والسياسية: وهي بحق
مرافعة الحرية لمناضل حر دفاعاً عن كل الأحرار في
كل أنظمة القمع والإستبداد. باسم الحرية المغدورة
في وطني منذ أكثر من ثلاثين موتاً طارئاً أو
عرفياً. باسم المحرومين منها مادياً ومعنوياً،
جسداً أو فكراً أو روحاً. باسم ابنتي، التي لا
تستطيع أن تخون طفولتها، وتصدّق الشعارات التي
يرغمونها على تردادها في المدرسة كل صباح، أعلن،
بوصفي إنساناً وشاعراً وسياسياً، أن الحرية هي
القيمة الأسمى في فلسفة التاريخ البشري، وأني ضد
من يقف ضد الحرية، حتى لو كان المعني أنا أو حزبي.
كشاعر.. ارتديت وطني حتى آخر القصائد، وارتديته
كسياسي عاشق، ولهذا فقد مزقت الديكتاتورية وطني
مرتين، عندما مزقت سياطها جلدي كشاعر في المرة
الأولى (على أيدي المخابرات الجوية عام 8791)
وكسياسي في المرة الثانية (على أيدي شعبة
المخابرات العسكرية عام 7891). بالطبع ليس ما
تعرّضت له حالة خاصة أو استثنائية، فالقمع السافر
والمعمم هو العدالة الوحيدة التي يجهد حكامنا في
تطبيقها على المحكومين. وأنا لا أتلاعب بالألفاظ
حين أقول إن السائد في سورية هو قانون القوة لا
قوة القانون. ذلك أن جميع الأنظمة، التي تعاقبت
على الحكم خلال الثلاثين سنة الماضية، إنما وصلت
إلى سُدّة السلطة على أبراج الدبابات، وعبر
الانقلابات لا عبر الانتخابات، الأمر الذي يعني
أنها أنظمة غير شرعية، وأن كل ما صدر عنها من
قوانين ومراسيم ومؤسسات هو غير شرعي أيضاً بما في
ذلك محكمة أمن الدولة التي أقف أمامها الآن
كمتّهم، مع كامل احترامي لهيئة المحكمة كأشخاص لا
كمؤسسة استثنائية. هل هناك ما يبرر هذه التراجيديا
الجهنمية التي أتحدّث عنها؟ لقد حاولت السلطات
المتعاقبة الإجابة عن هذا السؤال، وهي تلوّح بسيف
المشاعر الوطنية لدى الجماهير، مدّعية أن الدوافع
التي قامت عليها جملة القوانين الاستثنائية وحالة
الطوارئ، تتلخص بضرورات الصراع مع الكيان
الصهيوني! إذن دعوني أتجاوز قناعتي بعدم وجاهة
الدوافع، حتى لو افترضتُ صدقها، لأقول: أليس أمراً
مضحكاً إلى حافة الجنون، مؤلماً حتى البكاء، أن
تُطبّق الأحكام الاستثنائية على الجماهير وقواها
السياسية، فندخل قاعة محكمة أمن الدولة، في الوقت
الذي تدخل فيه إسرائيل قاعة المفاوضات؟! هل هذا
يعني أن الأحكام الاستثنائية تستهدف شعبنا
«عملياً» رغم ادّعائها «إعلامياً» أنها تستهدف
إسرائيل؟! أترك الإجابة فاغرة جراحها كانتصارات
مهزومة، أو كهزائم سُجّلت في بند الانتصارات. وليس
هذا هو التناقض الوحيد الذي يفترع البلاد بين
التسميات أو الشعارات التي تدّعيها السلطات وبين
واقع الحال. ذهاباً وإياباً تعلن السلطة صدق
رغبتها في السلام والمصالحة مع إسرائيل، مؤكدة
احترامها التام للشرعية الدولية وقراراتها
ومواثيقها، فلماذا لا تحظى الشرعية الدولية
ومواثيقها بأي احترام عندما يتعلق الأمر بشعب
سورية؟
أيها السادة... ليس ما
تسمعونه أو تقرؤونه الآن تقريراً صحفياً معدّاً
للاستهلاك، وليس بيانات كاذبة تروّجها أجهزة
مأجورة أو مشبوهة، بل هو ما تبقّى من أنقاض روحي،
وأنقاض مئات المعتقلين السياسيين الشرفاء. إنه
شهيقي وزفيري وما يترمّد بينهما من ذكريات الماضي
وأحلام المستقبل. مرة أخرى باسم الحرية، هذه
الكلمة الموسيقى... هذه الروح القُدُس، أعلن أن
اعتقال أي شخص، سلاحه الكلمة وليس البندقية، هو
بالمعنى الأخلاقي ممارسة إجرامية صافية السلالة،
هو خرق لإنسانية الإنسان بإطلاق، قبل أن يكون
خرقاً بالمعنى الحقوقي لقوانينه ودساتيره. إن دولة
تعتبر الكلمة فيها جريمة يحاكم عليها المرء، هي
دولة غير جديرة بالحياة، ولا حتى بالدفن، وبشكل
خاص ذلك الطراز من الدول التي تُفترس فيها الكلمة
بالسياط والبنادق والزنازين. يقول المرسوم/
المجزرة الذي يحمل الرقم 6 ما يلي: «تختص المحاكم
العسكرية الاستثنائية بالنظر في الجرائم الآتية:
(1) الأفعال التي تُعتَبر مخالفة لتطبيق النظام
الاشتراكي في الدولة سواء أوقعت بالفعل أو بالقول،
بالكتابة أم بأية وسيلة من وسائل التعبير
الأخرى...». ويقول الدستور: «لكل مواطن الحق في أن
يُعرِب عن رأيه بحرية وعلنية، بالقول والكتابة
وكافة وسائل التعبير الأخرى». هل تقرؤون الفضيحة
جيداً؟! قارنوا الخطابين كلمة كلمة وأجيبوني أيهما
مصيدة الآخر، الدستور أم المرسوم؟ ما يعتبره
الدستور حقاً، يعتبره المرسوم جريمة أحاكم من
أجلها الآن! هذا الخراب الفاجع كيف يمكن له أن
يستقيم مع العقل والمنطق في ظل سلطة واحدة وشعب
واحد وزمان واحد؟! من يعيرني شيئاً من الجنون،
لعلي أقتنع بشرعية أو مشروعية هذا المرسوم القادر،
بإذن الطغيان، على تحويل سورية إلى قبر جماعي؟
أيها السادة... إني أخجل من كوني إنساناً، وبودي
لو أستريح من ذاكرتي قليلاً. حسناً... كنت أتحدّث
عن الاعتقال وما يمثله من خروقات، لكن في الواقع
لم تتوقف الخروقات عند حدود الاعتقال، فقد تعدّته
إلى ممارسة أبشع صنوف التعذيب وأكثرها قسوة ووحشية
(الجَلد، الدولاب، الشبح على السلم، الكرسي
الألماني، الفسخ، إدخال أدوات صلبة في الشرج،
وتعليق أثقال بالجهاز التناسلي...)، ممّا أدى إلى
تشوهات وعاهات جسدية دائمة، وأحياناً إلى حد
الموت. ليس محمد عبود هو الشهيد الأول، ولا أعتقد
أن المفقود أو الشهيد المرشّح مضر الجندي هو
الأخير. إني أسألكم... هل في العالم كله، أو حتى
في سورية، قانون يسمح بتعذيب المعتقلين السياسيين
ناهيكم عن تصفيتهم جسدياً؟ حتى القوانين
الاستثنائية، بكل ما تنطوي عليه من لاعقلانية،
يجري خرقها. إني أسألكم ثانية... ما هو دور محكمة
أمن الدولة تجاه ما تسمعه من خروقات؟ حين قلت
للضابط المحقّق، في إحدى جولات التعذيب، إن
الدستور يقول: لا يجوز تعذيب أحد جسدياً أو
معنوياً، ويحدد القانون عقاب من يفعل ذلك، ضحك
الضابط المحقق كما يضحك غير الأسوياء، وتابع
مهمّته. في الحقيقة أنا أيضاً ابتسمت بكل ما تنطوي
عليه قوة القهر والامتهان من مرارة، فهل ستضحك
هيئة المحكمة أم ستبتسم، أم ستكتفي بما قاله قاضي
التحقيق في المحكمة، عندما أخبرته أن الإفادة التي
يسألني بخصوصها، قد انتُزِعت مني تحت التعذيب؟ قال
لي إنه لا علاقة له بما هو خارج المحكمة، وإنه من
جهته لا يمارس عليّ أي ضغط أو إكراه جسدي. قلت:
ولكنك تبني إفادتك على أساس إفادة منتزعة تحت
التعذيب، كما أنك تصرّ على تدوينها قبل أن أرى
أهلي رغم مرور أكثر من خمس سنوات اعتقال في سجن
تدمر الشهير، وفي ظل ظروف مروّعة، أكثر بكثير مما
وصفته الإذاعات، مما يعني أنك تأخذ إفادتي وأنا
تحت ضغط نفسي، قد لا يكون أقل قسوة من الضغط
الجسدي، ولهذا فإني أطعن بشرعية الإفادة التي
انتزعتها المخابرات، وبشرعية إفادة المحكمة بوصفها
ابنة للإفادة الأولى. أيها السادة... واضح أنه ليس
بإمكانكم أن تتفهموا كل ذلك، فأنتم لم تجرّبوا
مثلاً ما يسمونه الكرسي الألماني (هو النازي إذا
أردنا أن لا يساء لعموم الشعب الألماني). نعم...
لم تجرّبوا هذا النوع من الكراسي، ولم تسمعوا
تفجّعات زنوبيا، كما يسمعها معتقلو سجن تدمر في
أحلام اليقظة والنوم. أنتم لم تشاهدوا كيف تتكسّر
البروق في عيني أمٍّ تزور ولدها بعد أكثر من خمس
سنوات على اعتقاله، ولم تعرفوا ما يعنيه بكاء تلك
المرأة، التي زارت ذلك السجين بعد أكثر من عشر
سنوات على وجوده في ذلك البرزخ الملعون. كان هو لا
يتمالك نفسه من تكرار ندائه: ـ يمَّا... كيفك
يمَّا... مالك يمَّا... جاوبيني إيش في يما...؟!
وكانت هي تختنق بالنشيج، وتظل عاجزة عن إخباره
بأنها أخته... وأن أمّه...!. أتساءل، أو أسأل
أحداً ما، عاقلاً أم مجنوناً، هل بقي في عالمنا
قضاء، يقبل أن يجيز اعتقال البشر أو محاكمتهم وفق
هذه القوانين وهذه الشروط؟! إذا لم يكن في سورية
دولة أو قضاء قادر على أن يأخذ مجراه الطبيعي،
فإني أدعو هيئة محكمتكم كأفراد، وأدعو كل من له
علاقة بمهنة القضاء، وبشرف هذه المهنة على اختلاف
جنسياتهم ومواقعهم، إلى أن يقولوا كلمتهم فيما
يجري داخل «سورية الحديثة» من فظائع وانتهاكات
ومصادرة لحقوق الإنسان وحرياتهم العامة. ولكي لا
يعكّر أحد دمي، ويصطادني فيه، أجدني مضطراً لتأكيد
ما يلي: أولاً، رغم قناعتي بأنه لا يحق لأي سلطة،
حتى لو كانت شرعية، ناهيكم عن سلطة جاءت بقوة
السلاح، أن تسائل أو تحاكم أي مواطن من أجل آرائه
المعلنة، بغض النظر عمّا إذا كان هذا المواطن
اشتراكياً أم رأسمالياً، مؤمناً أم ملحداً، منظماً
أم مستقلاً، متفقاً مع سياسة السلطة أم معارضاً
لها، ذلك أن جميع دساتير الأرض تضمن حق البشر
بالمعارضة، بما فيها دستوركم، فهو يضمن هذا الحق
حتى لمن هم ضده، أو لا يعتبرونه دستورهم، ولو لم
يكن الأمر كذلك، لتوجّب أن تكون بطاقة الاستفتاء
على الدستور ذات دائرة حمراء فقط، أعني دائرة
«موافق». ثانياً، رغم قناعتي بلاشرعية حالة
الطوارئ، والأحكام العرفية والاستثنائية القادرة
على إبقاء أي مواطن رهن الاعتقال، من المهد إلى
اللحد، من دون توجيه تهمة محددة، وذلك عبر تجديد
اعتقاله احترازياً ستة شهور، فستة شهور، فإلى ما
لا نهاية. ولا أظنكم تجهلون أن بعض المعتقلين مضى
على سجنهم 22 عاماً. فمن أين يحق لمحكمتكم أن
تحاكمهم الآن؟ وإذا كنتم لن تحاكموهم، فبأي شرع
يستمر اعتقالهم كل هذه السنوات بدون توجيه تهمة؟
ثالثاً، رغم قناعتي بأنه حتى محكمة أمن الدولة لا
تمتلك القدرة أو الصلاحية الفعلية لفرض وتنفيذ
أحكامها، فقانون القوة، وإن كان يستقوي بها، يظل
أقوى منها إذا تعارضا، وبإمكانه الاحتفاظ بأي
معتقل، حتى لو انتهت مدة حكمه المقرّرة من قبلها،
كما بإمكانه الإفراج عنه قبل انتهاء حكمه أو
محاكمته حتى. أقول، رغم كل ما تقدم، وعلى أرضيته،
تصديت وأتصدى لتفنيد التّهم التي وجهتها إليّ
النيابة العامة، وأنا مضطر للرد باسمي الشخصي، لأن
محكمتكم رفضت السماح للحزب بممارسة حقه في الدفاع
عن نفسه. وإني إذ أفعل ذلك أمام جهة لا يحق لها
أصولاً أن تحاكمني، فلكي أكشف مدى العسف والتناقض
في المنطق السلطوي بذاته، وليس فقط بمقارنته مع
قوانين وحقوق وثوابت بشرية عامة، تشكل حداً أدنى،
أجمع العالم عليه منذ عقود. بداية، أشير إلى أنه
ليس بإمكان السلطة، ممثلة بالنيابة العامة، أن
تواجه حزبنا بأي وثيقة أو ممارسة، تثبت من خلالها
أننا ضد الوحدة والحرية والاشتراكية، بيد أن
النيابة العامة تطابق بين السلطة وبين الأهداف،
وباعتقادي أنه لو صحّت المطابقة، لكان على محكمتكم
أن تبدأ بمحاكمة السلطة الحالية، لأنها انقلبت على
السلطة السابقة التي تعرفون أنها كانت ترفع
الأهداف نفسها. ولا ينبغي لأحد أن يستغرب افتراضاً
يقول: إنه لو فشلت السلطة الحالية بانقلابها عام
0791، لكانت محكمتكم قد حاكمت رموز الانقلاب،
بتكليف من السلطة السابقة طبعاً، بوصفهم أعداء
لأهداف الدولة/ الحزب، ومعرقلين لتطبيق
الاشتراكية!. بهذه الصلافة السلطوية في فهم
ومحاكمة الأمور، توجّه إلينا التهمة بعرقلة النظام
الاشتراكي، والحجة أننا نعارض السلطة، والسلطة، في
عُرف نفسها أو ممثِّلها، متطابقة مع الأهداف
المعلنة، وهكذا فإن معاداتنا للاشتراكية وعرقلة
تطبيقها أصبحت أمراً مفروغاً منه!. صدّقوني، إن
سرير (بروكست) الأسطورة، ليس أكثر فظاعة من هذا
السرير الذي تُمدِّدنا عليه النيابة العامة في
الواقع، وفي أواخر القرن العشرين لا في العصور
الحجرية. إن هذه التهمة، حتى وفق منطق السلطة،
تقتضي الإجابة عن سؤالين: (1) هل النظام القائم
اشتراكي حقاً، أو قادر على إثبات اشتراكيته، كما
يدّعي؟ (2) هل نحن فعلاً نعرقل التطبيق الاشتراكي
المزعوم؟ إن الأساس الذي تعتمد عليه السلطة في
اعتبار نفسها اشتراكية، هو قطاع الدولة الذي
تسمّيه القطاع العام، فهل حزبنا يعرقل الاشتراكية،
عندما يدعو إلى توسيع هذا القطاع والارتقاء
بمضمونه وقوانينه وآليات عمله، ليكون قطاعاً عاماً
فعلاً، لا بقرة حلوباً للعلق البيروقراطي العتيد
في سورية؟ بالتأكيد، نحن نعتبر القطاع العام في
صورته المعهودة ليس قطاعاً اشتراكياً، ومثلنا
يعتبره العالم كله، لكن هل تعلم محكمتكم أن هناك
قوى سياسية أخرى، بعضها عضو في ما يسمى «الجبهة
الوطنية التقدمية»، تعتبر أيضاً أن القطاع العام
في سورية ليس قطاعاً اشتراكياً، وأن سورية لا تشهد
حتى تحولات اشتراكية، بل علاقات إنتاج رأسمالية
تتسع وتُعمَّم، (إذا أردتم... فإني أحفظ الوثائق
حرفياً وبأرقام الصفحات)، فهل ستنسجم محكمتكم مع
نفسها، وتقوم بمحاكمة الأحزاب المعنية، أم أن عدم
معارضة هذا الحزب أو ذاك للسلطة السياسية، يعني
هنا عدم عرقلة تطبيق الاشتراكية؟! آمل ألا يُفهم
من كلامي أني أدعو لمحاكمة أحزاب ما، ذلك أن أي
رأي، مهما كان صائباً أو مخطئاً، هو حق طبيعي
للجميع أفراداً وأحزاباً. إن كل ما كنت أرمي إليه
هو إبراز حقيقة الصورة الكاريكاتيرية لغيرة السلطة
على الاشتراكية (اليوم)، وهي التي لم تفعل ذلك
بهذا الحرص، حتى عندما كان يوجد في العالم شيء
اسمه اشتراكية!. أما تهمة تشكيل منظمة سرية، تهدف
إلى قلب النظام بالعنف، فإنها تهمة ساقطة بكل ما
تحمله هذه الكلمة من دلالات، وذلك لعدم قانونيتها
أولاً ولكونها تُطرح من قبل سلطة جاءت بالعنف
ثانياً، وفي بلد ليس فيه قانون أحزاب ثالثاً! وليس
سهواً أنه لا يوجد في سورية أي حزب سياسي، يمتلك
ترخيصاً قانونياً بما في ذلك أحزاب «الجبهة
الوطنية التقدمية» نفسها. قد يتفهم المرء سلوك
شرطي (يتسلبط) على سائق، لا حول له ولا قوة، بتهمة
تجاوز إشارة ممنوعة في قرية نائية، ليس فيها أي
قانون للسير أو إشارات للمرور، لكن أن يحدث ما
يشبه ذلك على صعيد السياسة والقضاء، فإنه يغدو من
المشروع تماماً أن لا يرى المرء أي فارق جوهري بين
كلمتي (سورية) و(سوريالية). سبق للمحكمة أن اعتبرت
إشارة الدستور لوجود جبهة، من دون تحديد لأسماء
الأحزاب، بقيادة حزب البعث، رداً كافياً على
إثارتنا لمسألة قانون الأحزاب، ودليلاً واضحاً على
وجود أحزاب رسمية في سورية!. نعم، هي أحزاب رسمية
بالمعنى السياسي، ولكنها تبقى غير مرخّصة بالمعنى
القانوني، ويمكن لقرار سياسي صغير أن يرميها خارج
رحمة السلطة وجبهتها. وينبغي للمحكمة أن تكون أكثر
معرفة مني، أنه ما من ميزان قضائي حُرّ، يقبل أن
توزَن فيه الأمور على هذا النحو. هل المحكمة بحاجة
أن أشرح ما يعني قانون الأحزاب؟ هل أشرح لها أنه
عندما يحوز أشخاص على الشروط القانونية لتشكيل حزب
ما، فإنه يصبح من حقهم الحصول على ترخيص، بغض
النظر عما إذا كان الحزب الذي يمثلونه حليفاً
للنظام الحاكم أو معارضاً له؟ أيها السادة... إن
لاقانونية الشق الأول من التهمة، أعني تشكيل منظمة
سرية، من شأنها أن تُسقِط تلقائياً الشق الثاني
بقلب النظام، حتى لو كان الأمر صحيحاً. أمّا وأن
الأمر ليس كذلك، فإني أطلب من النيابة العامة أن
تمدَّ يدها إلى جعبة الأدلة التي في حوزتها. أجزم
بأنها لن تستطيع أن تقدّم دليلاً ملموساً واحداً،
حتى لو مدت يدها إلى قبعة ساحر. لسوء حظ النيابة
أنه لا يوجد في تاريخ الحزب أي نشاط أو تكتيك أو
فعل له أي علاقة بممارسة العنف أو حتى تبنّيه، فهل
تراهن النيابة على إمكانية تحميلنا مسؤولية
نواياها وقراءتها المشوهة لأدبياتنا؟ أم مسؤولية
التاريخ وما يمكن أن يخبئه لسورية في المدى
الاستراتيجي من احتمالات، يستحيل التنبؤ بها أو
التعاطي معها إلا بوصفها احتمالات نظرية مجردة؟
أعتقد أن تحميل المسؤوليات على هذا المستوى هو من
صلاحيات قوى كلية، لم يسبق أن منحها البشر لغير
الآلهة. إن سلطة جاءت بالعنف، يصعب عليها أن
تتصوّر إمكانية إسقاطها بغير العنف، ولهذا لم
تستطع النيابة أن تميّز بين ممارسة العنف وبين
شعار إسقاط السلطة، الذي ينطوي على احتمال أن
يتحقق بالعنف أو بغيره. أكثر من ذلك، يبدو لي أن
النيابة لم تقرأ برنامجنا الانتقالي الذي يشير في
أول صفحة منه إلى أن الحزب جمّد شعاره المتعلق
بإسقاط السلطة (كان ذلك في آب/ أغسطس 0891، عندما
كانت البورجوازية التقليدية الأكثر خطراً على مصير
الشعب والوطن، تدقُّ أبواب العاصمة)، ومنذ ذلك
الحين رفعنا بدلاً منه شعار دحر ديكتاتورية
النظام، وهو أمر مختلف عن إسقاط النظام برمّته،
وأي شخص عالم بأوّليات اللغة العربية، يدرك
الفارق، فلماذا لا تريد النيابة إدراكه؟ إن شعار
الحزب «دحر الديكتاتورية» هو دعوة لتغيير الشكل
السياسي للحكم، تغيير أسلوبه وآليات اتخاذه
للقرار. إنه دعوة لدحر القوانين اللاديموقراطية
والمؤسسات اللاديموقراطية والممارسات
اللاديموقراطية. أيها السادة... إذا كانت
الديكتاتورية حاضنة العنف، فإن الديموقراطية حاملة
نعشه، ولهذا كان انحياز حزبنا إلى النضال من أجل
الظفر بالحريات السياسية. ولعله من أطرف المفارقات
أننا عندما كنا نرفع شعار إسقاط النظام
الديكتاتوري، قام هذا النظام نفسه بإطلاق سراح
رفاقنا في شباط/ فبراير 0891 بدون قيد أو شرط، لا
بل مع دعوة حارّة إلى أن يخرجوا ويمارسوا نشاطهم
السياسي، لأنهم وطنيون ولأن الوطن في خطر!. أما
الآن، ومع أن الحزب يرفع شعار دحر الديكتاتورية،
وليس إسقاط النظام، فإنه يتعرّض للملاحقة
والاعتقال والمحاكمة!. تُرى لماذا لم تمارس
محكمتكم دورها في ذلك الحين؟ ولماذا تتدخل الآن؟
ألا يعني هذا أن محكمتكم تحاكمنا بقرار سياسي وليس
بقرار قضائي؟ وأن محكمة أمن الدولة لا تتمتع بأي
استقلالية عن السلطات التنفيذية، وأن دورها لا
يعدو كونه شكلاً إخراجياً أو مجرد غطاء قانوني في
ظاهره، لاشرعي في حقيقته، لقرار سياسي يفرض مجراه
فوق المحكمة والدستور وخارجهما؟ بقي لي أن أتوقف
قليلاً عند اتهامنا بنشر أخبار كاذبة، لأقول إن
السلطة لم تترك للنيابة العامة أي إمكانية لإظهار
أي قدر من الحصافة، لكي لا أقول الأمانة، في تحديد
الجهة التي تنطبق عليها هذه التهمة. هل نكذب عندما
نقول إن النظام ديكتاتوري، يصادر الحريات ويعتقل
المعارضة السياسية؟ إذن من نحن؟ وأين نوجد،
ولماذا؟ لقد تجاوزت السلطة مرحلة الإنكار منذ فترة
كافية لتغيير كليشيه الاتهام. هل نكذب عندما نتحدث
عن الرشوة والفساد والمحسوبيات وفلتان الأجهزة
القمعية؟ صحف النظام نفسه تضطر أن تتحدث عن ذلك
أحياناً، فهل هي صادقة ونحن لا؟ هل نكذب عندما
نقول إن حقوق الإنسان... (بودي هنا أن أعتذر
شخصياً، لقناعتي أن الحزب لم يقل فيها ما يكفي،
فإمكانياته وظروفه لم تسمح له بإعطاء هذه المسألة
حقها، فما يجري في سورية من انتهاكات أفظع بكثير
مما تحدث عنه الحزب. لقد عرفت ذلك جيداً، نتيجة
السنوات التي قضيتها في مملكة الموت والجنون، أعني
في سجن تدمر، وقبلها في زنازين الفرع 532). وهل
نكذب الآن، إذا قلنا إن سيرة عبيد روما تتجدد في
سورية، لكن بفاعلية القرن العشرين، بدءاً من جحيم
المعركة التي خضناها في فترة التحقيق، وانتهاء
بالصليل الجارح للجنازير التي ندخل فيها قاعة
المحكمة. (أشهد أن رئيس المحكمة رفض عقد أي جلسة
قبل أن تُفكّ الجنازير عن معاصمنا، وتتنحّى ظلال
البنادق عن قوس المحكمة. لكن ألا ينبغي لرئيس
المحكمة أن يشهد بطغيان هذه الجنازير والبنادق
خارج قاعة المحكمة؟). أعتقد أن ما تقدّم، أو بعضه،
يجعل الدعوة لدحر الديكتاتورية واجباً إنسانياً
عاماً وشخصياً وحزبياً، وهذا ما فعلناه كحزب عندما
رفعنا شعار دحر الديكتاتورية، وهذا ما أفعله
شخصياً الآن. أيها السادة... أعرف جيداً لانزاهة
الدوافع الكامنة وراء اتهام سورية بالإرهاب، ولن
أنصِّب من نفسي محامياً مأجوراً حيال هذه التهمة.
فأنا لا أمتلك أي معطيات بهذا الصدد على الصعيد
الخارجي، غير أنه ليس بإمكاني، مطلقاً، أن أغضّ
الطرف، أو أنفي ذلك على الصعيد الداخلي. لقد رأيت
بعيني إطلاق النار على رفاق لي، أعرف جيداً أن
سلاحهم الوحيد الذي كانوا يحملونه هو الجريدة أو
البيان. وعايشت رفاقاً أو أصدقاء أو زملاء، يحق
لهم أن يفاخروا بالأوسمة التي خلّفتها على أجسادهم
آثار الرصاص الإرهابي الغادر، حتى لو كُتِب عليه
أنه رصاص غير إرهابي. وأطلقت أسراباً ملوّنة من
الكلمات، لكنها حين لم تجد فضاءاتها سقطت مضرّجة
بالعناقات الأولى لعشّاقها. إذن... منكّسة بيارق
الكلمة، منكّسة رؤوس حامليها. وهذا الذي نكتب فيه
ليس حبراً، بل دم ولغَتْ فيه قوانين الديكتاتورية،
وخوّضت في حرماته أشرس أجهزتها، فأية كوابيس هذه
التي أسميها بلادي؟! نظام ترسملت فيه حتى الحجارة،
يعقد محكمته لإدانة معارضيه جميعاً، حتى الشيوعيين
منهم، تحت عنوان عدائهم لاشتراكيته المزعومة!.
إنها مفارقة مريبة، تكاد تقول: هنا مفلس يقوم
بضربة صولد. لست متأكداً ما إذا كانت
هذه التهمة ساذجة أو ماكرة، ولكني أجزم بأنه حتى
الأجيال التي ستولد في سورية مستقبلاً، ستُطرِق
الرأس خجلاً، كلما توقفت أمام هذه الصفحات السوداء
من تاريخ سورية. في النهاية لا بد لي من القول
إنني لست ضد أن أحاكم، بل إني أعتبر ذلك حقاً لي،
وأريده كاملاً غير منقوص. غير أن هذا الحق لا يمكن
ضمانه من قِبَل محكمة استثنائية لا شرعية. ولهذا
أطالب بكفِّ يد المحكمة، محكمة أمن الدولة،
وإحالتي إلى محكمة مدنية عادية، يحضرها ممثلون عن
الصحافة العربية والعالمية، وممثلون عن المنظمات
الدولية المعنية بحقوق الإنسان ومعتقلي الرأي.
أريد شهوداً قادرين على أن يعلنوا في الختام: مَنْ
يحاكِم مَنْ؟ وإلا فإنها اتهامات فاجرة... وأحكام
جائرة. لم أقل كل ما ينبغي لي أن أقوله، فليسامحني
من حاولت أن أدافع عنهم أو باسمهم. إن ظروفي من
حجر... لم تتح لي أن أقوم بواجبي إلى النهاية.
شكراً لعدالة شعبي المؤجَّلة. شكراً لأمي، علّمتني
أن الحرية التي في داخلنا أقوى من السجون التي نحن
في داخلها. ولهذا سوف تنتصر الحرية وتنهزم السجون. |