صفحة البداية | من نحن |  اتصل بنا | مواقع مختارة 

 
حقوق الإنسان

دراسات

مقالات

من أعلام الكرد

من اللغة الكردية

من الأدب الكردي

جغرافيات

من المكتبة الكردية

تقارير إخبارية

صوتيات


 

 
 
 
 
 
  
 

تدمر في الذاكرة
حسن هويدي*

             قبل أيام كان جسده يتحرك صامداً، بعد مجيئه من جلسة" المحكمة" سقط جسد أبي الحارث ممداً في الأرض، ينتظر الوداع، وجوه شاحبة ودموع من أحبوه تسيل، والشيخ أبو حذيفة يجلس عند رأسه يمسح له جبينه، باكياً تارة وأخرى يمد ذراعيه إلى ربه متوسلا أن يرحم من سيرحل إليه .

كان يوماً صعباً للغاية نزفت دماء كثيرة ، تشوهت وجوه وكسرت أضلاع، كل جسَدَ ينتظر الرحيل، وإخوته صامتون عاجزون قد جفت أعينهم بانتظار لحظة الوداع.

ساعات تمر بنا ببطء، الموت والخوف رفيقان في السجن يتربصان بنا، أما نحن فموعدنا إذا لم يكن اليوم فغداً، جسده تلفه قماشة بيضاء رائحته كالمسك طيبة كطيبة قلبه، كان يحلم بالحرية، ويبكي على رفقة العمر: زوجة أحبها وأطفال تركهم هناك ينتظرون، يترقبون ظلاً يفرحهم، نحيل الجسد قوي الإرادة مؤمن صادق يحب الله كثيراً ويخاف منه. كان ليناً وقاسياً، مزّاحاً وباكياً تشده الرجولة إلى الموت وترجعه الحياة لحبها، كان كورقة "الغرب" مزهراً ومخضراً ومتبسماً دائماً، وعند الشدائد يشدنا متقدماً كرجل، فلتبك أيتها السماء، واذرفي الدمع يا أيتها "الناطرة" عند مدخل الحي واصرخ أنت من هناك وناد لمحب أثقله طول انتظار، عيناه مكحلتان بأثر الكرابيج والعصي شاخصتان إلى سقف المهجع يلوح بهما يبحث عن ثغرة في ذاك السقف المحصن راجياً أن ينعم برؤية السماء، متشفعاً ثم يسدلهما، تستفيق ثم تغفو، العرق يتصبب من جبينه الشامخ المتورم، جلست بجانبه نظر إلي وتبسم، وسالت قطرة الدمع من طرف عينه وتوقفت عند منتصف خده الذي تعرض لصفعات الجلاد حيث ارتسمت معالم أصابع كفه لترسم خطوطاً ملونة مابين زرقاء وحمراء وصفراء وعلى أطرافها لون بني داكن، إنها أجمل من ألوان قوس قزح، صديقي رفيقي، لا تودعني وأبق عينيك مفتوحتين، سنخرج معاً، نفرح بالحرية ونتسامر كما وعدتني، سنجلس على ضفاف الفرات، بين شجيرات الغرب والحور، وكأس الشاي التي سنشربها معاً، وعدتني أن نمر من أمام بيوتنا، اصبر أيها الجميل ابق معنا لليلة أخرى، فأنا محتاج إليك، كما تحتاج صحراء قاحلة إلى قطرة ماء، أبو الحارث يا وجعاً، يا ألماً، انتظر حتى بزوغ الفجر،لا تتركني مع صرخات الجلاد وبوطه العسكري وتهديدات الموت ، بالأمس كنا نتبادل أطراف الحديث، كنت تناديني بالأحمر، وأناديك بالأخضر، كنت أغني لك من أغاني أحمد قبور، كنت تنشد لي في حب الرسول، لا أستطع أن أقاوم لحظة الفراق، سالت الدمعة وأنا أمسك بأطراف أصابع يده المنتفخة، أزيل منها بقع الدم المتجمد، فسقطت قطرة الدمع وانحل القليل منه، ثم سالت بين حبيبات الشعر التي تكسو أطراف معصمه النحيل، كنت أحس بحرارة جسده تتلاشى شيئاً فشيئاً، جلس بجانبي المسؤول الصحي وأخذ مني معصمه، ثم وضع عليه أطراف أصابعه ليجس نبضه الذي يقاوم في لحظاته الأخيرة، سحب يده من يد المسؤول الصحي ووضعها في يديه هامساً كالقمر يعبر السهوب ويجتاز الأنهار، كان ينطق من عينيه بكلمات ، الرجاء، الحب، الحياة، كان ينطق بشفاه مرتعشة صوت الرقيب في الخارج ينادي بالمسؤول الصحي..

- افتح شراقة الباب يا عرصى.... أسقط منها علبتين من الدواء ،عبارة عن ظرفين ملبس واحد مسكن للألم والأخر مضاد حيوي وفي كل ظرف عشر حبات .

فرح المسؤول الصحي جداً بعد خمسة عشر يوماً من المطالبة به، كم من الدماء سفحت من أجل علبتين من الدواء، فتح علبة الدواء وطلب كأساً من الماء ثم جلس إلى جانب أبي الحارث كي يعطيه جرعته وعندما أسند رأسه إلى قدميه، لوّح بعينيه وودع الجميع...

وبقية حبة الدواء بيد المسؤول الصحي، وكأس الماء التي تتناثر منها القطرات مرتجفة، خائفة، وحزينة .

عند المساء جاؤوا إلينا...فتحوا الباب دون أن نشعر بقدومهم بينما كان الصمت يخيم على المكان قبل قدومهم

طلبوا رئيس المهجع والمسؤول الصحي وسألوه عن سبب الوفاة فقال لهم لقد وقع في الحمام على رأسه ومات

وهذه هي العبارة التي حفظّونا إياها كلما رحل من بيننا سجين، دخل مساعد السجن إلى داخل المهجع تفوح من بين خطواتة رائحة الموت الممزوجة بعطره المميز ودخان سيجارته التي لا تنطفىء....

صوته تردد في أسماعنا يا أبنائي ديروا بالكم على حالكم وخاصة في الحمام لا تضعوا قطع الصابون على الأرض. تسبب لكم الموت، وخاصة من بينكم سجناء عاجزين وكبار في السن وعميان كمان...

وعلى كل حال غسلوه وكفنوه واربطوا الكفن جيداً وبعد عشر دقائق سيخرج ، مفهوم رئيس المهجع يا كلب.. مفهوم سيدي ..ثم خرج .

وبعد أقل من نصف ساعة كانت جثتة جاهزة للخروج ربطناه في شرشف أبيض، تبرع به أحد السجناء وهو الغطاء الوحيد لديه، أدخله معه عندما جاء من فرع التحقيق ولم يصادروه منه عند دخوله إلى السجن.

حملناه على بطانية عسكرية ووضعناه قرب الباب، وتركنا الغطاء من ناحية الوجه شبه مفتوح، حيث مر السجناء يلقون عليه نظرة الوداع الأخيرة . وفي تلك الأثناء صاح الرقيب... رئيس المهجع . . ابن القحبة.. الكلب جاهز..

صاح نعم أنا جاهز سيدي... بينما كانت خشخشة المفاتيح تحاول إيجاد ثقب القفل فتح المزلاج المعدني الذي يصدر صوتا مدويا يبعث في نفوسنا الخوف والرجفان .

يللا....يا عرص طالعوه. ..
أمسكت بطرف البطانية من ناحية قدميه بينما أمسك الآخرون الأجزاء الأخرى وخرجنا به إلى الباحة طلب أحدهم أن نضع جثته على الأرض وطلب المسؤول الصحي، وقال فك عن الرباط من ناحية الوجه ففعل المسؤول الصحي ذلك، ثم نادوا إلى رئيس المهجع، عندما كشف وجه أبي الحارث تماماً وضع أحدهم حذائه على وجهه، ورد قائلا مسوؤل صحي هذا هو. اقترب المسئول الصحي من الجثة بينما هو لا زال يضع أسفل حذائه على وجهه، قال تأكد يا عرص أنه هو..
نعم سيدي هو،
رفع حذاءه ثم استدار ورفس المسؤول الصحي على وجهه ، فسالت قطرات الدم من أنفه مباشرة على أطراف الكفن الأبيض، ثم حملوه وذهبوا ولا أحد منا يعلم أين سيكون مثواه الأخير.
--------------------------------
* سجين سياسي سابق

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع وحدة العمل الوطني لكرد سورية Copyright © 2006
 | اتصل بنا | صفحة البداية | مواقع مختارة