صفحة البداية | من نحن |  اتصل بنا | مواقع مختارة 

 
حقوق الإنسان

دراسات

مقالات

من أعلام الكرد

من اللغة الكردية

من الأدب الكردي

جغرافيات

من المكتبة الكردية

تقارير إخبارية

صوتيات


 

 
 
 
 
 
  
 

التعذيب في سـجن تـدمـر /الحلقة  1
بقلم:د.خالد الأحمد

مقـدمـة :
     يقول فلاسفة التاريخ : الهدف من دراسة التاريخ ليس اجترار الآلام ، ونبش الماضي بروائحه المتعفنة واسترجاع الصـور المبكيـة ، وإنما هو أخذ العبرة من الماضي ، الماضي الذي كلف سوريا عشرات الآلاف من خيرة أبنائها ، كي لا يضيع الماضي سـدى ، فنستفيد منه في الحاضر ، وعندما أتحدث عن المذابح الجماعية التي مارسها نظام حافظ الأسـد في سوريا ، أو أنواع التعذيب وأساليبه الوحشية ؛ لا أقصد منها سوى أن نعتبر من الماضي المؤلم ، وأن نتخذ كافة الإجراءات والاحتياطات كي لا يعود هذا الماضي ، ونجتث الأسباب المؤدية لهذا الماضي المروع من جذورها ، وأهم تلك الجذور الحكم الفردي الديكتاتوري ، الذي استخدم الجيش ( جيش الشعب ) كما قالوا عنه ، استخدم جيش الشعب ليقتل الشعب بدلاً من أن يحميه. وينهب أموالـه وأثاث منازلـه بدلاً من المحافظة عليها .

  تقرير منظمة رقيب الشرق الأوسط
      وسوف أنقل من تقرير منظمة رقيب الشرق الأوسط ، وهذه منظمة عالمية ـ ليست من صنع الإخوان المسلمين أو المعارضة السورية ـ ومع أنها ذكرت جزءاً كبيراً من الحقيقة ؛ إلا أن الحقيقة الكاملة أكبر من ذلك ...
       جاء الملحق رقم (1) في تقرير منظمة رقيب الشرق الأوسط لعام (1990) تحت عنوان أنواع التعذيب في سوريا : قائمة منظمة العفو الدولية ...
        يقول التقرير : فيما يأتي تفاصيل التعذيب والمعاملة السيئة التي تجمعت لدى منظمة العفو الدولية خلال سنوات عديدة من السجناء والمحتجزين السابقين ...مع ملاحظة أن هذه الأنواع لم تستعمل كلها مرة واحدة ، ومع سجين واحد ...

1 –
الضرب على جميع أقسام الجسم باللكم والصفع والركل والرفس ، باستعمال قبضة اليـد والأقدام وحبال الجلد والأحزمة والعصي والأسواط والمطارق والكيبلات الفولاذيـة المضفورة أو الكيبلات داخل الأنابيب البلاسـتيكية ذات النهاية المفتوحة والمهترئـة .
2 –
الدولاب : تعليق الضحية بشدها إلى دولاب مشدود في الجدار أو السقف وضربها ( رجلاً أو امرأة ) بالعصي والهراوات والكيبلات أو الأسواط .
3-
الفلقـة : الضرب على باطن القدمين ( بالعصي أو الأسواط أو الكابلات حتى تتمـزق القـدمين ، وتنزف منها الدمـاء ، ومن ثم تتورم ، ولا يتمكن السجين من المشي عليها .
4 –
بسـاط الريـح : شـد وثاق الضحية إلى قطعة خشب لها شكل الجسم البشري ، ومن ثم ضربها ( رجلاً أو امرأة ) أو توجيه صدمة كهربائية إلى كل أجزاء الجسم .
5 –
الشــبح : شـد وثاق الذراعين خلف الظهر ، وتعليق الضحية ( رجلاً أو امرأة ) من ذراعيها الموثقتين أو القدمين ، وتضرب بالعصا أو توجه لها الصدمات الكهربائية .
6
ـ العبـد الأسـود : شـد وثاق الضحية إلى آلـة متحركة عندما تتحرك تطلق سـيخاً معدنياً يدخل في مخرج ( دبـر ) الضحيـة .
7 –
الكرسـي الألماني : كرسي معدني له أجزاء قابلة للحركة يشد غليها وثاق الضحية من اليدين والقدمين ... يتجه مسند الكرسي الخلفي إلى الوراء فيسبب توسعاً كبيراً في العمود الفقري وضغطاً مؤلماً على هنق الضحية وأطرافها . ويقال أن نتيجة هذا التعذيب حصول حالة يصعب فيها التنفس حتى يحصل الاختناق ، مع فقدان الوعي ، وفي بعض الأحيان تتكسر الفقرات .
8 –
الكرسي السوري : وهو تعديل أدخله خبراء التعذيب السوريون على الكرسي الألماني حيث أضيفت له شفرات معدنية على الأرجل الأمامية للكرسي في موضع شـد قدمي الضحية مسببة نـزفاً دموياً حاداً في رسـغ القـدم ، وكاحله .
9 –
استعمال وسائل محلية الصنع لحرق أجزاء من الجسم كالصدر أو الظهر ، أو الأعضاء التناسلية ، أو الأرداف أوز الأقدام ... مثل المراجل الكهربائية ( أوعية مياه حارة ) حيث يضغط جسم الضحية إلى داخلها ... ومنها مواقد البارافين المغطاة بقطع معدنية يكره الضحية على الجلوس عليها .... ومنها الحديد المكهرب ... وأدوات اللحام الكهربائية الأخرى ..

10 –
الغســالة : طبل مغزلي أجوف يشبه حوض ماكينة الغسيل المحلية الصنع ، حيث تجبر الضحية على مـد يـديه أو يديها إلى داخله حتى يدخل الذراعين كلهما مما يؤدي إلى سـحق الذراعين أو اليدين والأصابع .

11-
الحـرق : وضع قطعة من القطن أو الصوف مبللة بالنفط على مختلف مناطق الجسم ثم إشعالها ، أو سكب النفط على قدمي الضحية وإشعالهما ..

12
ـ ثـقب ظهر الضحية أو صدرها بقضيب معدني مدبب وساخن .
13-
إطفاء السجائر في الأجزاء الحساسة من الجسم ، واستعمال الولاعات لحرق اللحى أو الشارب أو شعر أي منطقة في الجسم .
14 –
استعمال الكهرباء في إي جزء حساس من الجسم بما في ذلك الأذنان والأنف واللسان والرقبة واليدان والأعضاء التناسلية والمخرج والقدمان .
15 –
استعمال الأملاح والمواد القلوية ( المحاليل الحامضية ) مع جروح الضحية وحرقـها .
16 –
تشريط وجـه الضحية الشفتين والأذنين والأنف ، بسكين حادة أو موسى الحلاقة .
17 –
إجبار الضحية على الوقوف حافية القدمين إلى الجدار ويداها موثوقتان فوق الرأس ، وسحق القدمين
18 –
النفـخ الموجـه إلى مناطق حساسة في الجسم ، ومنها الوجـه .
19 –
تعليق الضحية من اليدين والقدمين إلى عمود السرير أو الدرابزون وضربها ( رجلاً أو امرأة ) .
20 –
الفـروج : شـد الضحية إلى مزلاج دوار من الخشب يشبه شريحةالدوست وجعلها هدفاً للضرب بالعصي .
21 –
تعليق الضحية من العنق بطريقة لاتكسر الفقرات .
22-
تعليق الضحية بمراوح السقف وضربهم وهي تدور .
23 –
الاستلقاء بكامل الثياب في ( بانيـو ) ماء ليلة كاملة .
24 –
صب المــاء الساخن من الدوش بشكل متوالي ، ثم يعقبه ماء بارد جداً .
25 –
قـرص الجلد أو لف الشعر بالكلابتين ( البلايس ) .
26-
قلع أظافر اليدين والقدمين .
27-
الاغتصاب الجنسي أو الاعتداء على الحرمات وهتك العفـة .
28 –
الجلوس فوق أعناق القناني أو دفع القناني أو العصي داخل الشرج والمستقيم .
29 –
الوقـوف على رجـل واحـدة مـدة طويلـة جداً ، أو الجري مع حمل أثقـال .
30 –
إبقاء الأنوار الساطعة والضحايا في النوم لمدة أيـام .
31 –
استعمال مكبرات الصوت لنقل الجلبة والضوضاء والموسيقى الصاخبة ، وعويل ناس يتعذبون ويصرخون .
32-
العزل التام في زنزانة صغيرة مظلمة من غير اتصال مع أي إنسان لمدة أيام .
33 –
تغطيس رأس الرجل أو المرأة في الماء حتى لحظة الاختناق .
34 –
المكسالة : الاضطجاع على الظهر في مواجهة شفرة تتقدم نحو الضحية قبل أن تمس العنق مباشرة .
35 –
تهديد الضحية بأحد القارب ( رجلاً أو امرأة ) كالتعذيب و الاغتصاب الجنسي أو بتر ألطراف .
36 –
تعذيب سجناء آخرين بحضور الضحية وأمامها .
37 –
التعـري أمام الجنس الآخر ( رجلاً أو امرأة ) مع الشتم .
38 –
حـرمـان الضحية من النوم أو الطعام أو الماء أو الهواء النقي أو المرحاض أو المعالجة الطبية .
39 –
التعليـق في السقف من اليدين .

     
ومما هو جدير بالذكر أن اللواء غازي كنعان كان من أبطال هذه الفنون ، ومنهم أيضاً اللواء حسن خليل ، واللواء على دوبـا ، والعماد مصطفى طلاس الذي اعترف أخيراً أنه كان يوقع أوامر بهذا الخصوص ، وغيرهم ، وعلى الأخص مدير السجن العسكري في تدمـر ( .... غانم ) ، ومدراء سجن كفر سوسة ، والقلعة ، والحلبوني ، وفرع فلسطين ، وغيرها كثير .

      ومن العدالـة ، أن يقدم هؤلاء إلى محاكمـة دوليـة عادلـة ، تعاقبهم العقاب العادل على هذه الجرائم الوحشية التي ارتكبوها بحق المواطنين ... والمطلوب من كل سجين كتب الله لـه النجاة والحياة أن يتقدم بمثل هذه الشكاوي إلى محاكم دولية

التعذيب في سجن تـدمـر / الحلقة  2
      يقول تقرير منظمة رقيب الشرق الأوسط (1991) ومابين القوس للكاتب :
ليس هناك أطول وأشقى من رحلة السجين السوري .. ففي أول اعتقاله تسرع المخابرات إلى جلب أسيرها إلى مكان الحجز المؤقت ، [ وجرت العادة أن يأتي زوار الفجر ، عندما يستغرق الناس في النوم ، فيطرقون الباب حتى إذا فتح رجل الباب ، كمموا فمـه بأيديهم ، ثم باللاصق ، وجـروه أو سحلوه إلى سيارتهم ، بلباس النوم ] ، ثم يوضع في زنزانة انفرادية ، تقطعه من الصلة بالعالم الخارجي ، أسرته ، محاميه ، أصدقائه ، أي شيء في العالم الخارجي . ولايواجه السجين غير المحققين يحاولون نزع الاعتراف منه ...

مسيحي يعترف أنه من الإخوان المسلمين
:
 
    وعلى ذكر نزع الاعتراف ... ـ قرأت في مجلة المجتمع ـ أنه اعتقل مرة مسيحي سوري خطأً ، فوقع على اعتراف يقول فيه أنه منظم في الإخوان المسلمين ورحل إلى تدمر .... ولولا نشاط الكنيسة ومكانتها لقتل مع الإخوان المسلمين في تدمر ] ، ولما سأله الضابط بعد وصول الكنيسة إليه : كيف تعترف أنك من الاخوان المسلمين ، فأجاب المسيحي : كي أموت ، لأن الموت أسهل من التعذيب عندكم .
       وقرأت كذلك في مجلة المجتمع : [ وذات مرة أراد أحد المساعدين في المخابرات العسكرية مدرس رياضيات ( مدرس خصوصي ) لابنته طالبة في الشهادة الثانوية ، فطلب من جنوده إحضاره ، فظن الجنود المطلوب اعتقاله ، واعتقل خطأ مدرس الرياضيات ، وأحضر بالطريقة ذاتها ، وأدخل الزنزانة وبـدأ مسلسل التعذيب حتى وقع على اعتراف بأنه من الإخوان المسلمين ، وبعد بضعة أيام تذكر المساعد وسأل جنوده ؟ ماذا جرى بمدرس الرياضيات ؟ قالوا : اعترف بسرعة ووقع الاعتراف ... فذهل المساعد واستدعاه ، و قال المدرس للمساعد : الموت أسهل من التعذيب الذي صبوه علي ، لذلك اخترت الموت ، لأن اعترافي بأنني من الاخوان يعني الموت ، طبعاً أطلق المساعد سراحه وهو يضحك ويقول الحق عليك لماذا كنت مدرساً ناجحاً في الرياضيات ؟؟؟ ] حتى وقعت عندنا خطأً .
نعود إلى تقرير منظمة رقيب الشرق الأوسط ونجد فيـه : ... ومن النادر أن تجد عائلة في جميع أنحاء سوريا ليس لها بعض أفراد [أقارب أو أصدقاء ] تعرضوا للسجن .

       يقول أحد المساجين من دمشق بعد أن فك الله أسـره :
 
في البدء وضعوني في دولاب (تاير ) وضربوني مائة مرة على الأقل ، على قدمي ، وفي الأخير تورمت قدماي ، وسالت منهما الدماء لدرجة لم أعد أستطع المشي ، لذا كانوا (يسحلوني ) على الأرض لإكمال التحقيق .
      أحدهم ضربني بعنف على ظهري وعمودي الفقري مباشرة ، ثم أطلقوا التيار الكهربائي في جسمي ، حتى فقدت رشدي ، وغبت عن الوعي عدة مرات ، فيلقون بالماء على وجهي ، ويكررون التيار الكهربائي ... ولم يقدموا لي طعاماً لمدة أربعة أيام قـط . [ واعتقل أحدهم خطأ أيضاً ، ومكث عشرين يوماً نقص وزنه فيها عشرين كيلو غراماً  .
      ومرة ربطوني بالمقلوب إلى السلالم ، رأسي إلى أسفل وجسمي إلى أعلى وبدأوا يركلوني بشدة ويضربونني بالسوط ، ورفسوني على وجهي بالحذاء العسكري حتى سالت الدماء من وجهي ، وغطت فمي و أنفي وتجلطلت الدماء فوق أنفي ويداي مربوطتان، فصرت أتنفس بصعوبة .
واستمر حالي هذا أكثر من شهر ، وكان لباسي الثياب الداخلية التي أخذوني بها من بيتي ، والتي صار لونها أسوداً من (سحلي على الأرض ) ، ولم يكن عندي حتى بطانية أنام فوقها أو تحتها . حتى اقتربت من الموت.

الازدحام والطابور أمام المرحاض
:
      ويقول سجين آخر ( كنا ثمانين سجيناً نعيش على مساحة سبعين متراُ مربعاً فقط ، مع مرحاض واحد في الزنزانة ، ومع هذا فكنا نفضلها على غرف التحقيق حيث التعذيب الجهنمي ، ولا أشد عذاباً من انتظار دور الحمام في الصباح ، ولك أن تتصور المأساة عندما يفقد بعضهم المقدرة على ضبط جسمه ، فينفلت وتخرج رائحته بين السجناء ،قبل أن يصله دور المرحاض ) .
ويقول أحد السجناء : ( في الثالثة أو الرابعة قبيل الفجر بدأ أحد السجناء معي في زنزانتي يتلوى ويشكو من صدره ، وأجمعنا أن معه أزمة قلبية ، فصرخنا نطلب الحارس ليطلب الطبيب فـرد الحارس ببرود : ليس هو أول من يموت في السجن ، الآن في هذه الساعة لايوجد طبيب ..

الــدولاب :

       تحدث سجناء آخرون عن الدولاب - تاير السيارة- بوصفه الصيغة المألوفة في التعذيب - يضطجع الضحية على ظهره (أو على ظهرها)، يشد وثاقه بالتاير من فوق القدمين وأسفل الردفين، ومن خلال أسفل الساق والركبتين ثم من الجزء الأعلى من الجسم حتى الرأس. ثم يبدأ المحققون بتوجيه ركلاتهم وسياطهم وأدوات الضرب التي بين أيديهم إلى الأجزاء المكشوفة من أخمص القدمين حتى الردفين - لمائة مرة أو أكثر ربما.. في نوع جديد من التعذيب يدعى (الفرّوج) هنا توثق الضحية إلى قضيب معدني يشبه شريحة (التروست) وتعرض إلى أشد أنواع الضرب وحشية: على الظهر والأرداف والأكتاف والرأس والسيقان. ويقول الناس الذين نالهم هذا التعذيب: إنهم يفقدون الوعي تماماً من شدة الألم، وليس في مقدور أحد منهم الوقوف على قدميه بعد التعذيب لساعات طويلة، وحتى لأيام، وإذا ما اضطجعوا بغية الفوز بقسط من النوم فإن الألم يسلبهم دقائقه فيستحيل عليهم النوم أخيراً.
أما آلات التعذيب الأخرى فأكثر هولاً ورعباً.

اختراعات سورية في التعذيب
:
       هناك تعذيب (العبد الأسود) حيث يعلق السجين الضحية به من معصميه، ثم يدخل سيخ معدني شديد الحرارة في فتحة دبره بقوة.
وآلة (الغسالة) التي تمثل طبلاً فيه ما يدور كالمغزل سرعة، وبحيّز من طبقتين حيث يضع السجين الضحية، قسراً، ذراعيه فيه. وما إن تدور الآلة حتى تمسك بالذراعين فتتعرضان وحدهما أو هما والأصابع معاً إلى السحق والتشويه.
       هناك أيضاً آلة (الكرسي الألماني) التي حازت أسوأ سمعة بين جميع الآلات! إذ هي كرسي معدني مع مقصلات على مسنده الظهري. يشد وثاق الضحية إلى هذا الكرسي مع ميل ظهره أكثر باتجاه الخلف للالتحام بالكرسي أكثر، وبحركة الكرسي يتعرض العمود الفقري إلى أشدّ الآلام أذى، وكذلك العنق والأطراف السفلى.
        وفي نوع آخر من الكرسي هذا يضاف إليه السكاكين أيضاً فتقطّع في جسم الضحية لحمه أثناء حركتها الدورانية. تفقد الضحية، عادة، وعيها، وبعض الضحايا يبقون يعانون من عوق دائم ومؤلم في الظهر والأطراف.
       تتنوع وسائل تعذيب المخابرات السورية بتعدد صيغ وحشيتها: الصدمات الكهربائية، الاغتصاب الجنسي، قلع الأصابع والأظافر، كسر الأطراف، تعليق الضحية في الهواء، جرّ الجسم إلى نقطة التمزق والانفجار، الحرق، الغرق، أو التقطيع بالشفرات (الأمواس).
سجلت منظمة العفو الدولية التي كانت تراقب التعذيب في سوريا لسنوات كثيرة، ثمانية وثلاثين شكلاً مختلفاً من أنواع التعذيب التي تستعمل في سورية هذه الأيام(4).
      لم ينج حتى أبناء الأقليات من هذا التعذيب. فلقد عذب مراهقون كثير، اعتقلتهم المخابرات كرهائن، أو من ذوي الأنشطة السياسية أو لأسباب "عدوانية" أخرى، لم يكن هيثم كامل مصطفى، السياسي الفعال، عندما اعتقلته المخابرات في العام 1980 إلا بعمر أربعة عشر عاماً فقط. وقد عذبته المخابرات ووضعته في السجن ست سنوات قبل أن تطلق سراحه أخيراً. وفي العام 1987 اعتقلت المخابرات العسكرية ثلاثة يافعين يهود (من الأعمار 15 - 16) سنة في دمشق حتى أطلق سراحهم جميعاً في العام 1988، إلا أن واحداً منهم ما زال يعاني من شلل جزئي.
      أما بصدد الذين تعتقد المخابرات أن لهم موقعاً مهماً في المعارضة السياسية، وحتى الذين تنظر إليهم على أنهم "غير متعاونين" فإنهم يلقون تعذيباً خاصاً، طويلاً ومكثفاً شديداً. وفي خارج هذا السياق، تعذب السلطات سجناءها لسنوات ولكن في كل مرة على انفراد وبشكل مميز. وما تعذيب فرع التحقيق العسكري بدمشق إلا واحداً من أشد أنواع التعذيب بطشاً بإطار هذا النمط من التعذيب.

المناضل رياض التــرك
:
        يروى أن رياض الترك سكرتير عام الحزب الشيوعي -المكتب السياسي- تعرض إلى الحجز فالتعذيب وكل أنواع الانتهاكات في هذا المركز على مدى أكثر من تسع سنوات، فلقد تحطمت عظامه كسوراً فوق كسور، وأتلفوا له سمعه وبصره تماماً، ووهن قلبه كثيراً، لقد تحول جسمه إلى ركام إنساني، شكلاً من غير بناء، لدرجة نقل إلى المستشفى على عجل ست مرات في الأقل، وهو على حافة الموت. حتى غدت قضيته أشهر من نار على علم، إلا أن كثيرين غيره واجهوا العذاب المرَّ نفسه وهم مجهولون لا يعلم عنهم أحد شيئاً.
        أصبح العديد من الأشخاص المخطوفين في لبنان بين الضحايا الدائمين تقريباً في فرع المخابرات العسكري. وقد عذب الضابط العسكري الفلسطيني حسن ذيب خليل في هذا الفرع منذ اعتقاله في العام 1983 بطرابلس، وفلسطيني آخر: محمد داوود حجزوه في الفرع المذكور وعذّبوه فيه، وهو الآن بالحبس الانفرادي منذ اعتقاله في لبنان سنة 1985 هناك أيضاً فلسطينيان آخران: ذياب محمود (و) فايز عرفات تمّ اعتقالهما وتعذيبهما في هذا الفرع للمدة ذاتها. بل إن أحد السجناء مجهول الهوية مات تحت التعذيب في هذا الفرع نفسه في خريف العام 1989
.

التعذيب في سجن تدمر/ الحلقة 3

يقول محمد سليم حماد صاحب كتاب ( تدمر شاهد ومشهود ) يحفظه الله : وهو طالب أردني في كلية الهندسة بدمشق ، اعتقل بتهمة مساعدة الإخوان المسلمين السوريين ... يقول :

استقبلتني من فوري اللكمات والركلات من كل جهة وأنا في طريقي إلى قبو المبنى . وهناك ومع الإجراءات نفسها فتشوني وأخذوا في غرفة الأمانات كل ما كان في جيوبي علاوة على الساعة والحزام ، ومنحوني رقم "13" ليكون اسمي الجديد من الآن فصاعداً .

ودفعوني وأنا لا أزال مطمش العينين مكلبش اليدين إلى مهجع جماعي استطعت أن ألمح فيه العديد من المساجين على مثل حالتي ، والسجان يجلد ظهورهم بكبل في يده . ولم تمض علي دقائق حتى جذبتني الأيدي وأصعدتني مع الركلات والصفعات الدَرَجَ ثانية وأوقفتني فجأة ونزعت الغطاء عن عيني ، لأجد الأخ ( ...... )  واقفاً أمامي وقد طالت لحيته وشعره لا ينبس بشفة . ومن غير مقدمات أتاه السؤال :

أهذا هو ؟

قال : نعم .

في الـزنـزانـة  

أسقط في يدي ، وأذهلتني المفاجأة بحق ، ومن غير أن يمسني أحد هذه المرة اقتادني عنصر إلى القبو كما أحضرني . وفي الزنزانة الموحشة حيث ألقاني هجمت علي التساؤلات والمخاوف والهواجس دفعة واحدة بلا رحمة : أمي وأبي .. أهلي .. ماذا يفعلون الآن ؟ كيف تراهم يتعذبون من أجلي ؟ يا للمساكين .. سيحاولون البحث عني والتوسط لي بلا شك .. ولن يجدوا إلا الفشل وخيبة الأمل ! لقد انتهيت هذه المرة .. والإعتراف الآن علي متحقق ودامغ . وماذا عن أولاء الذين لا يزالون على صلة معي في سورية ؟ هل تراهم انكشفوا ، أم أنني سأضطر لكشفهم بعد حين ؟ وماذا عن التعذيب الذي ينتظرني ؟ ماذا عن قصص الرعب التي سمعت الكثير عنها ورأيت ملامح بعضها في الأيام القليلة التي أوقفوني فيها المرة الماضية على الحدود ؟ هل انتهى كل شيء حقاً .. هل هي إلا مجرد أيام معدودة ثم تنتزع مني المعلومات وأنال المصير الذي ناله شهداء تدمر قبل أقل من عام !

إلى التحقيق  

مضى الوقت علي كالطوفان أغرقني وأرعبني ، ولم تلبث الزنزانة أن فتحت من جديد ونادى المنادي :

13  ولا .. هيا .

وساقتني الأيدي القاسية ثانية إلى الأعلى . وعلى باب غرفة التحقيق وجدت الشخص الذي أحضرني ينزع عني ملابسي كلها ويقذف بي من ثم إلى داخل الغرفة مغمض العينين مكبل اليدين عارياً كيوم ولدتني أمي ! ولم يلبث الصوت نفسه أن أمرني بالجثو على الأرض وخفض الرأس ، وحذرني أن أحاول رفع هامتي لأي سبب .

منذ متى وأنت تعرف (...... )  ولا ؟

جاءني السؤال هكذا بلا أي مقدمات . أحسست أن شخصاً آخر يطل علي من وراء مكتب في مواجهتي هو الذي طرح السؤال .

  ـ من زمـن .

قلتها وأنا لا أعرف بعد كيف أخاطب هؤلاء الناس أو أرد عليهم . فالجو المرعب منذ اللحظات الأولى يلغي لدى المرء القدرة على التركيز أو التمييز .

وماذا عن ( ........ )  ؟

قلت : أعرفه كذلك من زمن .

طيب محمد .. قل لنا الآن لماذا أنت تعرف هذين الشخصين ؟

كانت اللهجة إلى الآن هادئة ، والحديث يدور بشكل عادي في ظاهره ، لكن ذلك كان يزيد من شعوري بالقلق من الآتي وترقب المجهول .

قلت : كان هناك شخص طلب مني أن أوصل لهما رسائل ففعلت .

وما هي هذه الرسائل ؟

لا أعرف . هذا الشخص كان سائقاً على الخط بين عمان ودمشق ، وكان يعمل معي معروفاً فيأتي لي بأغراض من أهلي ، ويأخذ أغراضي إليهم بعض الأحيان . وكان بين هذه الـمرات يطلب مني أن أوصل رسائل أو نقوداً لهذين الشخصين فكنت أرد له الجميل وأفعل .

ألم تكن تعلم بمحتويات الرسائل ؟

قلت : لا .

حفل التعذيب  

لم يشأ الرجل القابع وراء المكتب أن يسمع مني المزيد كما يبدو ، وأدرك كما فهمت لاحقاً أن الأمر لم ينضج بعد . ولم ألبث أن سمعته يقول للعنصر الذي أحضرني من غير أن يدعني أنهي كلامي :

خذه هال (.... )  اعمل كذا وكذا ( باخته ) خليه يقـر ويعترف  .

وسرعان ما انتزعني ذاك من مكاني وساقني في الممر الذي جئت منه إلى غرفة مجاورة ، وأنا لا أزال على حالتي عارياً مقيداً مغطى العينين . ووجدت أيدياً قاسية تتناولني من جديد فترفع القيد عن يدي من الخلف ، وتجذبهما للأمام وتعيد تقييدهما ، ثم تعود الأيدي التي تمتد من كل اتجاه فترفعني من وسطي عن الأرض ، وتتولى أيد أخرى جذب ساعديّ للأعلى . وفي لحظة واحدة أفلتني الجميع ، فوجدتني مشبوحاً كالذبيحة تماماً إلى السقف ، ورجلاي تخبطان في الهواء ليس تحتهما شيء .. وبدأت أولى حفلات التعذيب !

كنت أيامها في مقتبل الشباب ، وكانت عافيتي بحمد الله وافرة ، حتى أن أحدهم ناداني مع ابتداء التعذيب ساخراً يقول :

ولا .. هِنْت ( أي أنت ) بتلعب حديد ؟

لكن عملية الشبح وحدها كانت كافية لتمزق أعصابي وتتلف جَلَدي ، وتفقدني الوعي بعد عشر دقائق . غير أن الأمر ما كان كذلك وحسب ، فسرعان ما انطلقت تتناوشني مجموعة من الكبلات والعصي تجلدني كأسياخ النار ، تبعتها من حيث لا أدري لسعات الكهرباء تتخير أكثر مناطق الحساسية في الجسد فتصعقها بلا رحمة : في الأنف مرة ، ومرة في الشفتين .. في العورة .. في العينين .. في شحمة الأذن .. في كل مكان تتجمع فيه مراكز الإحساس ومواطن الشعور بالألم !

انفجرت بالصياح من شدة الألم المتفجر فكأنما ازداد الجلادون انتشاء بذلك ! وازدادت حدة اللسعات والصعقات من غير أن يسألني أحد أي شيء !

كنت أسمع وسط دوامة الألم صياحهم وهياجهم كالكلاب المسعورة حولي ، ومن غير أن أبصر شيئاً أحسست أنهم ربما كانوا قرابة العشرة ، ومع كل ضربة كانت تطرق أذني شتيمة جديدة وألفاظ كفر بالله تزلزل السماوات والأرضين . ولم ألبث أن وجدتني وقد فاق الألم قدرتي على الإحتمال وحتى على الصياح أغيب عن الوعي تماماً، لأصحو لا أدري متى فأجدني في زنزانة منفردة ينهش الألم أطرافي وتشتعل الأوجاع نيراناً في كل ثنية من ثنيات بدني .

أرقام وحسب

كانت الزنزانة أشبه ما تكون بقبر مقفل : الجدران متقاربة لا أستطيع أن أتمدد بينها ، والرهبة مطبقة ، وليس ثمة شيء تحتي إلا الإسمنت البارد ، والسقف شاهق فوقي تتوسطه شراقة للتهوية ( نافذة متشابكة القضبان ) يتسلل منها ضوء خافت يزيد المشهد كآبة ووحشة . وسرعان ما تدهم السكون صيحات استغاثة سجين آخر ينال العذاب في الطابق الأعلى ، وتخترق صرخاته الجدران الصم وأبواب الحديد ، فتنتفض من هولها كل ذرة في بدني وتستعر فيّ كل الجروح والكدمات .

ومضى الوقت بطيئاً ثقيل الوطء فكأنه الرحى تدور على جسدي المنهك ، لكنني سرعان ما فقدت معنى الزمن بعد هنيهة ، واختلطت علي معالم الليل والنهار . فلا ساعة معي تدلني على الوقت .. ولا صوت أحد أو همسة حي تنبي بما يجري .. والضوء الخافت لا يتغير ولا يتبدل . وعندما تذكرت الصـلاة كانت وسـيلتي الوحيدة لأدائها الإيماء . وعلى ذلك مضت السنون التالية علي ، لا أكاد أعرف الصلاة إلا بالإيـماء وحسب            [ ويدعون أن سوريا بلد الصمود والتصدي ، وبلد العروبة والإسلام ، وأنهم لايحاربون المسلمين ، وغنما يحاربون من يدخل الدين في السياسة ... فلماذا لايسمحون بالصلاة في السجون !!!؟ بل لايسمحمون بها في الجيش أيضاً !!! ؟ ] .

وفتح الباب فجأة ، وتلقيت من غير مقدمات واحدة من أقذر المسبات قذفني السجان بها وهو يلقي إلي بنصف رغيف متيبس مرت عليه رائحة الحلاوة أو المربى في يوم من الأيام ! ولم ألبث أن اعتدت سماع مثل ما سمعت مع كل فتحة باب أو نداء للتحقيق أو خروج إلى الحمام . وكان خروجنا إلى الحمام مرة في اليوم يحددونها حسب أمزجتهم ، فيسوقون مجموعة من المساجين معصوبي العيون مكبلي الأيدي ، فإذا وقف واحدنا عند باب الحمام بعد أن مر على سيل من اللطمات واللكمات واللسعات فكوا يديه المكبلتين من الخلف ونقلوهما لتقيدا معاً من الأمام ! فلا يكاد يلج الحمام حتى تهوي الكبلات على الباب وتصله الشتائم والأوامر بالإسراع وبالإنتهاء . وفي كل تقلبات هذه الأحوال نظل مجرد أرقام تنادى ، لا شخصية لنا ولا أسماء . ليتكرس إحساسنا بالهوان ، ونزداد اضطراباً وضياعاً .

معجــزة

كانت حفلة التعذيب كما تقرر لي مرتين في اليوم . أخرج إلى غرفة التعذيب مكبلاً مغمض العينين .. أجرد من ملابسي بالكامل وأعلّق مشبوحاً من يدي .. وتكر الأحداث بعد ذلك : تبدأ بالشبح أحياناً ، فتتسلط الكبلات والسياط في هذه الحالة أكثر ما تتسلط على الظهر والصدر والرأس ، وتعمل ملاقط الكهرباء عملها في الوقت نفسه . لكن أسوأ ما يصيب الضحية وهو في هذه الحالة أثر القيد الحديدي الذي يشد على الرسغ ويحتك مع العظم بلا رحمة أو توقف . حتى التهبت يداي وتورمتا من جراء انغراس الحديد القاسي في اللحم واحتكاكه المباشر بالعظم الذي انكشف وتعرى . وظلت آثار القيد كالوشم على رسغي إلى اليوم ! وطوال خمسة أشهر تالية بقيت لا أحس براحَتَي يدي البتة ولا أقدر أن أحمل بهما أي شيء وكأنهما أصيبتا بالتنميل أو الخَدَر المزمن . وحكى لي طبيب التقيته في تدمر لاحقاً أن الأوتار في تلك المنطقة قد تهتكت بشكل كبير ، وأنها تحتاج إلى معجزة لتعود إلى حالتها الطبيعية من جديد .

بســاط الريــح 

أما الحالة الأخرى من التعذيب فكانت على "بساط الريح" . وهو لوح من الخشب يشدون المعتقل عليه من كل أطرافه بسيور جلدية ، ثم يرفعون نصفه الأسفل الذي ارتصت عليه الساقان ولم تعودا تملكان أي فرصة للتحرك . وتبدأ الكبلات ذات النصال المعدنية تهوي على بطن الرجلين تنهشهما بلا شفقة ، وتترك مع كل لسعة لها أجزاء من نصال الحديد في ثنيات الجروح المتفجرة ، فإذا انتهى الضرب بقيت هذه النصال مع الدم المتجمد والجروح المفتوحة فتلتهب وتتعفن ، فيتضاعف الألم وتشتد الأوجاع والمعاناة . وأما الشتائم والكفر بالله فلم تكن تتوقف مع كل أنواع التعذيب . ولم أكن أنجو من هذه الحفلات الدامية إلا عندما يغمى علي ، لأستيقظ وأنا في الزنزانة عاري البدن ممزق الأوصال مبللاً أرتجف من شدة البرد . ولا أكاد ألتقط أنفاسي وألملم بقايا جَلَدي حتى يحين موعد التعذيب مرة أخرى ، وتعود الكَبْلات تنهش لحمي من جديد ، وتنقض ملاقط الحديد على أماكن متفرقة بالغة الحساسية من جسدي لتصعقني بالكهرباء .

ولأنهم كانوا يعرفون أن العورة لدينا أمر كبير فقد كانوا يتعمدون إهانتنا بالعبث بسوآتنا بطرف الكبل والعصي أثناء التعذيب ، أو الإطباق بملاقط الكهرباء على المحاشم وإطلاق صعقات الكهرباء فيها ، وكان ذلك في الحقيقة من أشد أنواع العذاب علي ، ويبدو أن ذلك ما كنت أفقد وقتذاك الوعي بسببه وأغيب عن الوجود .

دموع التماسيح !  

وفي مرة من المرات وبعد أن مضى علي في العذاب عدة أيام أخرجوني كالعادة وعروني وعلقوني ، فوجدتني من قبل أن يبدأ الضرب أحس وكأنني فقدت الهواء في رئتي وما عدت قادراً على جذب النَفَس . وكان يلازم في غرفة التعذيب تلك طبيب متخصص كما يبدو ، سرعان ما اقترب مني فجس نبضي وطلب منهم أن يُنزلوني ، ولم يلبث أن حقنني بإبرة جعلتني أفقد القدرة على النطق أو الحركة ، وأحس أنني أغادر هذا العالم وأموت بالفعل !

ووجدتني أغيب عن الوعي لأصحو بعد قليل فأراني في  أحد الأسرّة . عن طرفي من هنا حارس برشاشه الكلاشينكوف ، ومن هناك يتدلى أنبوب بلاستيكي يتصل بكمامة على أنفي أتنشق من خلالها الأوكسجين . وبعد ساعة أو ساعتين استعدت خلالهما أكثر وعيي وجدتهم يقودونني عبر ممرات المستشفى الذي نقلت إليه إلى سيارة كانت تنتظرني لتقلني إلى الفرع من جديد . وهناك أعادوني إلى الزنزانة من غير عذاب . وبعد خمس أو ست ساعات استعدت خلالها وعيي أخرجوني إلى غرفة التعذيب من جديد ، وعوضوني عن التعذيب الذي فاتني عذاباً مثله كاملاً غير منقوص !

وفي مرة أخرى مماثلة وبعد أن كاد التعذيب يقتلني بحق حضر الطبيب ثانية إلى زنزانتي فنظف لي جروحي المتقيحة ، وقدم لي كأس حليب لأستمر على قيد الحياة ، وأجدد قدرتي على تلقي المزيد من التعذيب .. ومضى !.

ونزلت إلى الزنزانة ليلتها من غير أن يضربوني . ومضى يوم آخر من غير تعذيب أو تحقيق ، استدعوني بعدها وكانت الساعة بتقديري قد جاوزت الثانية بعد منتصف الليل .

وتبدل الحال هذه المرة ، وصاح المحقق بالعنصر ليأخذني إلى التعذيب ، وعادت الكبلات تهوي على بدني المنهك بلا رحمة ، ومزقتني صعقات الكهرباء من جديد ، وغبت ككل مرة عن الوعي آخر الأمر ، ووجدتني في الزنزانة حينما صحوت ملابسي مكومة بجانبي والدم يسيل من كل مكان كان قد اندملت الجروح فيه ، وسرعان ما أتى العنصر فساقني في الليلة نفسها إلى التحقيق ، ووجدت الأخ ( ..... )  معي في نفس المكان ، والمحقق يسألني من غير مقدمات :

متى التقيت ب( ...... )  أول مرة ولا ؟

قلت : في شهر شباط 1980 .

قال : أين ؟

قلت : أظن أنه أتى مع ( ..... )  إلى بيتي .

ولم أكد أتفوه بذلك حتى أتتني ركلة من وراء ظهري أحسست أن عيني خرجتا معها من محجريهما ، وناداني أحدهم بتشفي :

زارك بالدار أم التقيته عند مسجد خالد ولا ؟

قال المحقق موجهاً الحديث لي من جديد : وإذا كنت زلمة بتعمل خير ولا .. ليش لتلتقوا بالجامع وانت تعرف أن هناك مخربين وعصابة مجرمين في البلد ؟

قال ولهجة التهديد المرعب ناطقة على نبرته هذه المرة : اسمع ولا .. إما أن تحكي الصحيح أو تنتهي .. فهمت ؟

اسمع ولا .. هلق بدك تحكي لنا من طق طق للسلام عليكم .. احك كل شيء تعرفه من ساعة ما طلعت من (..... )  أمـك !

 

هذه لمحـات من جرائم النظام الاستبدادي الأسـدي الذي جثم على سوريا أكثر من أربعة عقود ، والذي نطالب اليوم بتغييره سلميا ً ، ثم يجب أن يقدم أمثال هؤلاء الجلادين ورؤساؤهم إلى المحكمة ، حيث القضاء النزيـه ، والمحامون ، وحيث العدل والجزاء ، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

التعـذيـب في سجن تـدمـر /الحلقة 4

ويتابـع الشاهد العيان الأخ محمد سليم حماد مؤلف كتاب ( تدمر شاهد ومشهود ) يحفظه الله ، يتابع رواية مشاهد من التعذيب في سجون النظام الأسـدي .

النـوم بالتناوب !  

أغلق علي باب المكان الذي دخلته وأنا لا أزال مطمش العينين ، لكن يداي كانتا مطلقتين . ولم ألبث أن سمعت همهمة تتزايد حولي ، وأحسست حركة من جهات شتى . وكأنما أتاني نداء خافت بأن أرفع الغطاء عن عيني الآن .. فاستجبت ببطء .. وبحذر . حتى إذا فعلت وكانت المرة الأولى التي أفتح فيها عيني بلا طماشة منذ اعتقالي ، وجدتني وسط مهجع محتشد بالنزلاء ، يكاد عدد السجناء فيه يصل المائة ، في مساحة لا تزيد عن حجم غرفة عادية ! ولم ألبث أن أومأت لمن حولي .. وسلمت ، فتشاغل البعض وأشاح البعض .. ورد الآخرون بصوت منخفض .

وسرعان ما لمحت ( .....)  بين الناس فاقتربت منه بالتدريج . فلما حاولت أن أكلمه همس لي وقال :

لا تقترب مني كثيراً فربما كان هناك مخبرون بيننا !

لكن الحذر بدأ مع مضي الوقت يخف بالتدريج ، وبدأت أتعرف على الشباب ويتعرفون علي ، لنبدأ معاً مرحلة جديدة من هذه المحنة حافلة بالفواجع والأحداث .

كانت ظروف المهجع في غاية السوء . فمع هذا العدد غير المعقول من الناس لم يكن ثمة مكان لقادم جديد . وكنا إذا أردنا النوم تناوبنا على المكان فينام البعض ويظل الآخرون وقوفاً ينتظرون ! وكانت الأنفاس تختلط بنتانة العرق ، وتجتمع معها روائح جراحاتنا المتعفنة في هذا الجو السيىء . ولأن المهجع كان يحتوي على حمام بداخله ، فلم يكن هناك أي فرصة لمغادرته أبداً .

القمـل والجـرذان !  

ولقد كان من المضحكات المبكيات أننا ونحن في هذه الحالة من الجوع والضيق والمعاناة كان قضاء محتماً علينا أن نشارك الطعام والمقام ضيوفاً من مخلوقات أخرى تؤمن أن كرم الضيافة حق مباح بلا حدود !

كانت الجرذان ، والتي أقسم أن واحدها كان أكبر من القط بلا مبالغة ، تربت على طعام المساجين الذي يحتجزه السجانون عنا ثم يرمونه في القمامة ! هذه الجرذان كانت تتنقل بين المهاجع من خلال قنوات التهوية رائحة غادية ، وأثناء عبورها فوق فتحة المروحة التي كانت أعجز من أن تقدم شيئاً لهذا الجو الموبوء ، كان بعضها يزلق فيسقط بيننا أو علينا ، فيصاب المهجع كله بهستيريا الذعر ، ويتراكض الناس يميناً وشمالاً يريدون أن ينجوا من عضة هذا المخلوق المرعب . ويتدافع الخلق .. ويعلو الصياح .. ولا تنتهي الغارة ويموت الجرذ تحت الأقدام إلا وقد نهش أرجل أربعة أو خمسة منا .

ومع احتشاد المهجع وتزاحم المعتقلين ، وبسبب بعض السجناء القادمين من مواطن موبوءة أو غير نظيفة بالأصل، بدأت تتفشى فينا أعرض مرض السل ، وانتشر فيما بيننا القمل . وإذا كان البلاء الأول قد أصاب بعضنا وقتذاك ولم يأخذ صفة الوباء ، فإن القمل لم يوفر أحداً من بيننا أبداً ، وانتشر في رؤوسنا وملابسنا وأمتعتنا حتى لم يعد من سبيل لتفاديه . وكنت أنا أكثر الناس الذين قملوا . وكان منظراً اعتيادياً ونشاطاً مشتركاً لسكان المهجع كل يوم أن نخلع ملابسنا ونتابع القمل فيها فنفقأه بأصابعنا كإجراء وحيد متاح للحد أو التخفيف من انتشاره !

إلى الحـــلاق  

وذات يوم ، وبعد أن مضت أسابيع كثيرة على اعتقالنا فطالت شعورنا ولحانا حتى بدونا كالغيلان ، صدر الأمر لنا بالذهاب إلى الحلاق . ومضى الطابور بنا إلى غرفة قريبة يتوسطها كرسي وسجان بمهنة حلاق كان يتناول رؤوسنا كالماعز ويمر بآلة الحلاقة عليها حتى نخرج من بين يديه بالقرعة كرأس البطيخ ! ولم يكن هذا الشخص يوفر الفرصة ليمتع نفسه بشتمنا ولطمنا بين حين وآخر .  

ولقد كان من المضحكات المبكيات أننا وبعد هذه المهزلة أمرونا أن ندفع للرجل خمس ليرات أجرة حلاقة الرأس الواحد . تولاها الإخوة الذين كانت معهم في أماناتهم بعض النقود ، أو الذين وصلتهم مع طول مدة اعتقالهم زيارات بالواسطة . وبعد ذلك جاء وقت الحمام الجماعي ، وساقتنا اللطمات والركلات وفرقعة الكرابيج على ظهورنا إلى قاعة مفتوحة أدخلوا كل عشرة فيها دفعة واحدة وأمروهم أن يتعروا من ثيابهم ويغتسلوا معاً . والجلادون على الباب يشتمون من شاؤوا ويضربون من اشتهوا ، والجرذان العملاقة تلك على المواسير فوقنا تترقب أن يغفل أحدنا لتنهش منه أو تنقض عليه !

أحـقـاد الطـائفيـين  

ومرت الأيام ، واستطعنا التعرف على بعض جلادينا وسجانينا . فرئيس الفرع هو العقيد مظهر فارس من الطائفة العلوية . وأما مدير السجن في هذا الفرع فضابط شركسي ينادونه أبا نزار مسلوب الإرادة كأكثر المسؤولين والضباط من غير طائفة   العلوية  ، على العكس من نائبه المدعو أبو منهل ، والذي كان علوياً حاقداً . فكان يقتحم علينا المهجع من غير سبب إلا أن يدلق علينا سيلاً من الشتائم والكلمات القذرة التي طفحت بها حوصلته ويمضي ! ومن السجانين عرفنا واحداً اسمه أحمد سالم وآخر اسمه أحمد غانم من طائفة النظام أيضاً وفي منتهى القسوة والتجبر . وكان هناك رقيباً أول بنفس المواصفات اسمه مالك لا حد لأحقاده وقسوته . فكان لا يدع أحداً يعبر أمامه من السجناء إلا ضربه ، ولا يفوت فرصة لتعذيب الناس إلا اغتمنها . وحتى السجناء الذين كانوا يخرجون من بيننا لإدخال الطعام إلى المهجع كانوا ينالون من بطشه وظلمه بلا حساب .

الكرسي الألمـاني !  

وفي تلك الفترة نمى إلى علمنا أن أخوات من النساء معتقلات في نفس الفرع معنا ، ولكننا لم نلتق أياً منهن . كذلك علمنا أن في السجن شيوعيين من جماعة رياض الترك وبعثيين يمينيين أيضاً ، غير أنهم كانوا قد فرزوا كل اتجاه مسبقاً ولم يتيحوا لنا فرصة للقاء .

ومن المشاهد المؤلمة التي لا أنساها عن تلك الفترة حالة الأخ حسين رشيد عثمان الذي عذبوه بالجلوس على "الكرسي الألماني" في فرع المخابرات بالعدوي حتى أصيب بما يقارب الشلل . والكرسي الألماني هذا عبارة عن كرسي ذو أجزاء متحركة يوثق السجين عليه من ذراعيه وساقيه ثم يسحبون مسنده الخلفي للوراء ساحباً بذلك جذعه الأعلى معه ، فيما تظل قدماه مثبتتان مكانهما من الجهة الأخرى المضادة . فيتركز الضغط على صدره وعموده الفقري . فإذا ازداد تهتكت الفقرات حتى تتكسر . وعندما التقيت الأخ أبا رشيد كان وضعه في غاية السوء . فلم يكن يستطيع تحريك ظهره البتة ، ولم يكن يرتاح لذلك لا في يقظة ولا في منام ، ولا يستطيع لا أن يجلس ولا أن يقف . وانتقل الألم إلى رجله أيضاً فزاد من عذابه ومعاناته . ومع ذلك كان رحمه الله يتحامل على الألم الذي لا يطاق ويصبر ويحتسب .

وكان الأخ حسين عثمان صحفياً في وكالة الأنباء السورية في غاية السرية والإنضباط ، لم ينكشف أمره رغم مضي قرابة العشرين سنة على عمله هناك ، حتى تم تكليفه بمسؤولية المكتب الإعلامي بدمشق في إدارة الأخ ( .......)  . فلما اعتقل ( ..... ) اعترف عليه فيمن اعترف . ورغم ذلك كان أبو رشيد يردد بكل احتساب :

لا بأس .. الله يسامحهم ..كله في سبيل الله .

وعلى طيبه واحتسابه كان أبو رشيد مثال الأخ الصلب الذي ثبته الله في المعتقل ، فلم يعترف بأكثر مما اعترف عليه به ( .... ) ، حتى أنهم أتوا له إلى السجن برئيس أركان الجيش السوري حكمت الشهابي في محاولة لإقناعه بالإعتراف . وكان الشهابي وأبو رشيد صديقان من أيام الشباب ، خرجا من بلدتهما معاً ومضيا إلى دمشق زميلين وصديقين رغم اختلاف إنتماء كل منهما . وعندما حضر الشهابي إلى أبي رشيد في سجنه حاول أن يحضه على الإعتراف . وجعل يقول له - كما أخبرني أبو رشيد بنفسه - :

اعترف يا حسين .. اعترف والباقي عندي .

وجعل يذكره كيف كان والده مختاراً للمدينة التي أتى منها الشهابي .. وكيف كان على علاقة طيبة بالناس ومن خيرة أهل البلد . وأخذ يمنيه بمساعدته إذا تعاون مع السلطة . لكنه لم يصل معه لشيء . وفيما بعد ، وعندما صرنا في تدمر وضمّنا أنا وحسين مهجع واحد حتى يوم إعدامه ، نال رحمه الله عذاباً شنيعاً على هذا اللقاء ، وحاولوا - كما سيأتي إن شاء الله - إقناع حسين بتوريط الشهابي نفسه استناداً إلى ذلك .. لكنه ورغم البون الكبير بين الرجلين فقد أبى أن يورطه بلا ذنب أو سبب ، ورفض التعاون معهم في هذه المؤامرة الرخيصة حتى ولو كان الثمن حياته .

إلى المنفـردة من جـديـد  

مضت قرابة ثلاثة أسابيع على وجودنا في المهجع الجماعي لنفاجأ صبيحة أحد الأيام بالسجان يفتح الباب ويطلب مجموعة من الشباب بأسمائهم . وعندما عادوا بعد فترة لم تطل سألناهم عم جرى فقالوا إنهم أمروهم أن يوقعوا على أوراق وحسب . ما الذي فيها ؟ لم يدر أحد . وتكرر الأمر وتتابع إخراج الشباب حتى شمل كل الذين اعترف عليهم ( .....)  . وبعد يومين وما كدنا ننهي عشاءنا حتى جاءني الطلب مع ثلاثة أو أربعة إخوة آخرين ، فطمشونا وكبلونا من جديد ، ووجدناهم يقودون كل واحد منا إلى زنزانة منفردة ويقفلوا عليه .

مرت بضع ساعات علي أترقب أي جديد دون نتيجة . ولم يلبث البرد أن بدأ يزحف على جسدي ، وينخر مفاصلي وعظامي . ولم يكن في الزنزانة أية بطانية أو غطاء ، ساعتها افتقدت نعمة الإزدحام في المهجع التي أمنت لنا الدفء على أقل تقدير ! ولم أكد أتكور على نفسي محاولاً بث الدفء من جزء من بدني إلى الجزء الآخر حتى أخذ القمل ينشط فيّ ويبدأ عضاته التي لا ترحم ولا تُتَّقى ! ولم تلبث أصوات أخ يعذب أن انطلقت تشق ظلمة الليل ، فأدركت أنني قريب من غرفة التعذيب التي لم نكن نحس بوجودها في المهجع . وازداد الصراخ ، وطال العذاب ، عذاب الأخ يليه الأخ وعذابي أنا . وأخذت الهواجس تطبق علي وتنهش نفسي المنهكة . وعدت إلى مخاوفي التي سكنت بعض الشيء بملاقاة الإخوة والإستئناس بهم في المهجع ، وها أنا ذا هنا من جديد لا أنيس حولي آنس به ولا جليس أشكو مرارة حالتي إليه .

ومضت الأيام علي أسير هذه الزنزانة الموحشة .. يفتح السجان الباب علي الآن ثلاث مرات في اليوم للخروج إلى الحمام .. وليته لم يكن يفعل . فتلك كانت فرصة مالك السجان الموتور وأمثاله ليسلخوا جلودنا بالكبلات من جديد ، ويفرغوا فينا من سموم أحقادهم ما وسعهم الجهد . فإذا عدت عادت إلي الأوجاع والبرد والجوع والكوابيس .. عرضة في أي وقت لنزوة سجان يفرغها في بدني المنهك من غير أي سبب أو تفسير . فلا أملك إلا البكاء والتضرع إلى الله تعالى أن يخفف عنا . وبعد مضي عدة أيام وجدتهم يستدعونني إلى غرفة التحقيق ويسألونني عن أسماء وأشخاص لم أكن أعرفهم بالفعل . فرفعوا الطماشة عن عيني وعرضوهم أمامي . فقلت لا أعرفهم . وتكرر الأمر ، ثم وجدتهم في المرة التالية يعرضونني أنا على أخ معتقل لا أعرفه ، لكنهم لما سألوه هل تعرفه قال نعم . ولقد علمت بعدها أن الأخ كان أحد من كشفتهم اعترافات ( .....) أيضاً ، لكنني لم أعرف لماذا قال أنه يعرفني رغم أنني لم أره من قبل بالتأكيد . ولم ألمه فيما قال وقدرت أن التعذيب لا بد وأن طاله مثلما طال البقية . لكن ذلك كان من أصعب الأمور حقاً . فالواحد لا يكاد يصدق أنه أغلق الأبواب عليه وانتهى من دوامة العذاب والتحقيقات ليأتي من يفتح عليه الباب ويعيده إلى مسلسل الرعب من جديد !

بـاب جديــد !  

وفتح الباب علي .. وعادت ليالي العذاب والجلد والسلخ والكهرباء . عشرة أيام أو ربما تزيد من التعذيب : أين هي المخابىء ؟ أين أماكن السلاح ؟ أين فلان ومن هو علان ؟ وأنا لا أعلم عما يتكلمون عنه شيئاً أبداً . والكبلات تأكل من جسدي وتشرب السياط من دمي ولا مغيث ! حتى أشرفت على الهلاك فعلاً ولم أعد أستطيع جذب النَفَس . ويبدو أنهم اقتنعوا ببراءتي هذه المرة وشعروا أنه ليس لدي شيء بالفعل فتركوني . وعدت إلى المنفردة ألعق جراحي وأستجمع كياني المحطم ثلاثة أو أربعة أيام تاليات ، لم يطلبوني فيهن إلى التحقيق أو يخرجوني إلى التعذيب .

ومن غير مقدمات وجدتهم في ليلة تالية نادوا علي ضمن قائمة مطولة من الأسماء  ....وانتهت تلاوة الأسماء . وأمرونا أن نجهز أنفسنا جميعاً لرحيل جديد . إلى أين ؟ لم يقل أحد بالطبع . ولم يكن لأي منا القدرة حتى على الهمس . ووجدناهم يفتحون علينا الزنزانات ويسوقوننا تحت السياط ولسعات الكبل واللكمات ككل مرة إلى الذاتية ، فنستلم أماناتنا ، ونكمل تحت وابل اللكمات والركلات إلى سيارة النقل المغلقة ذاتها أو سيارة اللحمة كما كنا نسميها . فنكبل كالعادة ونطمش ، وتقيد رجل واحدنا برجل الآخر ويده بيده ، ويودع كل منا بلطمة أخيرة منتقاة ، لنجد أنفسنا أكثر من أربعين شخصاً محشورين في تلك العلبة المغلقة .. تتحرك بنا تحت جنح تلك الليلة نحو رحلة أخرى من المجهول !

أبـو جهـل !

لم يكن سهلاً علينا في البداية أن نتكهن إلى أين نمضي ، ولم يكن ممكناً لنا في نفس الوقت أن نتبادل الآراء أو أن ننبس ببنت شفة ، لكن الوقت الذي طال علينا والسرعة المنتظمة التي أخذت السيارة تحافظ عليها أوحت إلينا أننا الآن خارج العاصمة نتجه إلى مكان بعيد ، لم نلبث أن رجحنا هذه المرة أن يكون تدمر لا غير . وبالفعل وفي نهاية المطاف توقفت السيارة بنا وسكن هدير محركها ، وفتح الباب الحديدي علينا وأتانا الأمر بالنزول .

سرت القشعريرة في بدني فور أن نزلت من السيارة ولسعتني قرصة البرد الصحراوي قبيل الفجر . ولم نلبث أن وجدنا العناصر الذين أتوا بنا يرفعون الطماشات عن أعيننا ويفكون القيود من أيدينا وأرجلنا ويرموا بها في السيارة لأنها عهدة الفرع هناك . وبرغم الظلام الحالك إلا أن الأنوار التي تسلطت علينا كانت كافية لنرى أفراد الشرطة العسكرية يحيطون بنا ويجرون مع عناصر المخابرات إجراءات الإستلام والتسليم ، ولنعلم من ثم أنه سجن عسكري ذاك الذي وصلناه .. وأنه لكل المعطيات التي اجتمعت سجن تدمر لا ريب !

لم يطل الأمر بنا لأكثر من ثوان معدودات حينما هجم عناصر الشرطة العسكرية علينا وبدأوا يجذبون كل من تحرر من القيد منا فيركلونه ركلة يجد نفسه من فوره على باب صغير ، ينتظره على جانبه شرطي آخر يجذبه بيديه كخروف تعس الحظ ويركله مرة ثانية ليلج الباب . وهناك وما أن دلفتُ حتى استقبلتني لطمة شرطي ثالث حولت وجهي إلى الجدار . وتتابع وصول الإخوة الآخرين إلى الجدار بنفس الطريقة ، حتى إذا اكتمل عددنا وانتهت الدفعة أحسسنا ووجوهنا إلى الجدار كلنا أن شخصاً مهماً قد حضر . ونادى أحدهم وفق الإجراء العسكري المتبع :

حاضر سيدي المساعد .

وانطلق من وراء ظهورنا صوت مساعد السجن أحمد كيساني كما علمنا لاحقاً أو أبو جهل كما سماه السجناء .. انطلق من غير مقدمات يلعن آباءنا وأجدادنا ويَفْجُرُ بحق أمهاتنا وأعراضنا وديننا .. كان مضحكاً مبكياً أن ينادينا هذا المجرم الوالغ في دماء الأبرياء يقول :

يا خَوَن ( أي خونة ) .. يا عملاء الصهيونية !

وانطلقت السياط من غير إنذار تسلخ جلودنا المكشوفة لهم ، فإذا صاح واحدنا أو تأوه ضاعفوا عليه العذاب . لكن حفلة التعارف ما كانت لتبدأ من قبل أن نتلقى أصول الإتيكيت السائد ! ولم ألبث أن طرق سمعي صيحة أبي جهل هذا ينادي عساكره :

أحضروا هذا العرص أبو الجينز .

وكنت وقت اعتقالي ألبس بنطال جينز قدراً ، فكأنما وجده نقطة علام تساعده على أداء مهمته . وجذبتني الأيدي كملاقط الحديد ورمتني أمام سيادة المساعد ، فلما رفعت عيني إليه أريد أن أستطلع الخبر صاح بي ملء صوته :

غمض عينيك ولا .

وهجم عناصر الشرطة علي فبطحوني أرضاً يركلونني ويجلدونني من كل اتجاه . وأتتني وسط هذه العاصفة لسعة كرباج على عيني رأيت الشرر والله خرج منها ! وأدركت لاحقاً أن هذا الذي أصابني كان مجرد درس تعليمي لنا وحسب ! فالقوانين هنا في سجن تدمر العسكري غيرها في أقبية المخابرات بدمشق . وإذا كانت التعليمات تقتضي هناك أن تبقى عيوننا معصوبة مطمشة على الدوام حتى لا نرى أحداً من المحققين أو الجلادين ، فإنها هنا توجب علينا أن نكشف عيوننا وأن نمتنع رغم ذلك عن رؤية أي أحد منهم ! ولو نزلت على واحدنا كبلات الأرض أو قطعت لحمه السياط فالواجب المحتم عليه أن يبقى مغمض العينين !

 

وسنترك شاهدنا العيان بعد أن وصل تـدمـر ، لنعود له في حلقة قادمـة ، فنـرى من أهوال التعذيب في سجن تـدمـر ماتشيب له الولدان ، هذا كان يجري في ظل حكم النظام الأسدي الذي بدأ باسم الوحدة والحرية والاشتراكية ، الحرية التي أدخلت مئات الألوف من الشعب السوري في السجون والمعتقلات ...

وهذه وقفـة أمام مناظر التعذيب التي لايتصورها العقل البشري ، صبها أزلام الأسد ونظامه الاستبدادي على خيرة أبناء الشعب السوري ...

وإلى اليوم الذي ينال هؤلاء الجلادون جزاءهم ، ندعو الله أن يأتي ذلك اليوم الموعود في الدنيا ، ثم في الآخرة ، لنرى جزءا من عدل الله عزوجل ، والله يمهل ولايهمل ... إنه على كل شيء قدير  ..

  

التعــذيـب في سـجن تـدمـر/الحلقة  5

       ويتابع الأخ محمد سليم حماد عرض مشاهد من التعذيب التي صبت عليه وعلى إخوانه في سجن تدمـر ، في دولة النظام الاستبدادي الأسدي ، هذا النظام الذي قتل قرابة مائة ألف مواطن من خيرة المواطنين ، وسجن عشرات الألوف ، وشرد خارج سوريا مئات الألوف أيضاً ...
 
وتوقف الضرب فجأة بإشارة من أبي جهل ، وأتاني صوته القبيح :
رأسك بالأرض ولا وغمض عينيك .
       وساد المكان سكون رعيب لبرهة من زمن . فلما أدرك أن الدرس الأول وصل المجموعة كلها صاح من جديد :
قل حاضر سيدي ولا .
قلت ورأسي في الأرض وعيناي مغمضتان : حاضر سيدي .
قال : كم عملية إنت عامل ولا عرص ؟
قلت : ولا عملية سيدي .
قال وكأنني أنا الذي أشتمه : ولا عرص .. بتكذب ؟
       وانهالت الكبلات والسياط علي من جديد . وجعلت أتلوى على الأرض كالذبيحة لا أدري أين المفر . والإخوة وجوههم كلهم إلى الجدار وصياحي وعواء الشرطة من حولهم وحولي يفتت أعصابهم ويفري قلوبهم . ولم يلبث الدور أن تحول ونادى أبو جهل من جديد :
واحد واحد من هون يا خَوَن اطلعوا لبرة .
      وساقتنا اللطمات والكرابيج من جديد إلى باحة أخرى تتصدرها غرفة الذاتية ، أجلسونا خمسة خمسة أمامها وبدأوا يدخلوننا واحداً تلو الآخر إليها ، والشرطة خلفنا يركلوننا بأرجلهم أو يصفعون رؤوسنا بأيديهم ويلسعون ظهورنا بالكرابيج والكبلات وهم لا يكفون عن شتمنا وتوعدنا وتهديدنا :
هلق بنفرجيكم يا خَوَن .. هلق بس تخلصو يا ويلكم .. والله لنعمل ... بأمهاتكم واخواتكم .. والله الموت مصيركم يا ..
      ولم يكن الزبانية كاذبون في ذلك ، فلقد اعتادوا قتل الناس بأنفسهم وفعلوا ذلك مرات لا تعد . ووفوا  وعدهم في المستقبل وأزهقوا من أرواح الإخوة من نفس الدفعة عدداً ربما فاق من بقي منهم على الحياة !
التعـليم !
       لم يكن الفجر قد طلع بعد ، والبرودة التي أطبقت علينا من كل اتجاه ونحن في ملابسنا الصيفية الخفيفة التي اعتقلنا بها زادت عليها برودة الإسمنت الذي أجلسونا فوقه ننتظر أن نلج غرفة الذاتية تلك . فلما حان دوري وقد كدت أتجمد رغم السياط التي أصابتني دخلت فوجدتهم يسألونني كالعادة عن اسمي وسني وعنواني .. وعلمت أثناء ذلك أننا اليوم في العاشر من شباط عام 1981 . فلما علموا أنني أردني الجنسية ثارت ثائرتهم وانتفضت أوداجهم وانهالوا علي ضرباً ولكماً وشتماً بأقذع الألفاظ . ولم يكن معنى ذلك أنها غضبة ساعة وحسب . فلقد تبين لنا لاحقاً أن الشخص الذي يلقى معاملة خاصة من هذا النوع ساعة استقباله في الذاتية فقد "تعلّم" . و"التعليم" معناه أن الشرطة قد ميزوه عن غيره لسبب ما .. وأنه محتم عليه بالتالي الهلاك لا محالة .. في العاجل أو في الآجل القريب . غير أن الله سبحانه قدر ولطف ، وحدث أن تغيرت النوبة التي استقبلتنا في تلك الأثناء .. وذهبت مجموعة الشرطة التي كانت علّمتني وقتذاك وحضر آخرون فاتتهم هذه الملاحظة عني .. فأنجاني الله من موت محقق !
قصـاص
!
       وانتهت إجراءات التسجيل ، وصرنا الآن جزء من عهدة تدمر رسمياً ، وعلينا أن نتلقى مراسيم الإستقبال الرسمي الآن .. فكل هذا الذي سبق تبين أنه لم يكن ضمن الحساب !
تجمع موكبنا الحزين خارج الذاتية ، فإذا بنا أمام باب كبير كفم الغول .. أخذتني لمحة من عيني إلى أعلاه فهالني أن أقرأ قول الله تعالى مخطوطاً هناك ( ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب ) تحوطه شعارات النظام المعروفة "أمة عربية واحدة . ذات رسالة خالدة " !
      دخلنا الباب ونحن نقرأ على الدنيا وراءنا السلام ! ووجدنا أنفسنا في باحة اسمنتية تحيطها المهاجع التي أمرونا أن نصطف على جدرانها مُسْلِمين للوحوش رجال السَرِيَة كلهم ظهورنا بالإختيار ! ولم يلبث الزبانية أن بدأوا يسحبون الواحد منا تلو الآخر فيعرونه من ثيابه إلا الشورت ، ويفتشونه مرة أخرى من باب الإحتياط . وفي الوقت الذي يتولى قسم من الشرطة الإخوة المتجهين إلى الجدار بالضرب والجلد والركلات ، وبينما يعلو الصياح وترتفع أصوات الإستغاثة ولا مغيث ، تجذب الأيدي القاسية الأخ الذي تجرد من ثيابه وبات جاهزاً أو تدفعه فيختل توازنه ويقع على الأرض ، ليكون الدولاب في استقباله واثنان من الشرطة العسكرية على جانبيه ينزلانه فيه . فترتفع الرجلان في الهواء .. ويفقد واحدنا القدرة إذ ذاك على التحرك . لكن الجلادين ولزيادة الإحتياط وتحقيق مزيد من الإتقان يربطان الرجلين بجنزير من الحديد تعدم أية فرصة لهما للتحرك قيد أنملة .
      ويبدأ الضرب من غير رحمة ومن غير عد .. فإشارة الإنتهاء لدى الوحوش أولئك أن تتفتح بطن الرجل وتسيل منها الدماء . فإذا تم ذلك فكوا القيد عن الرجلين وأخرجوا المعتقل من الدولاب وأمروه أن يفتح كفيه ليتلقى هدية أخرى . وتنهال على الراحات سياط من الجلد العريض سمعنا أنها صنعت من حزام مروحة الدبابات ! حتى إذا حل بالأيدي مثل الذي حل من قبل بالأرجل وتأكد الجلادون أن الدم الآن يسيل أمروا ضحيتهم بالإنبطاح . ولا يكون المسكين بحاجة لسماع الأمر لأنه منهار ومُنْتَهٍ بذاته ، فيستقبل الأرض لا حول له ولا قوة .. وتلحق به السياط والعصي تأكل الآن ظهره وجنبيه : خمسون .. مائة .. وربما مائتا جلدة قبل أن يتوقف الزبانية .
       ويدخل الحفل مرحلته الأخيرة ، فيقفز أحدهم فوق ظهر الضحية ويلحقه ثان فيقلبه ويعلو صدره .. ويأخذ كلاهما يعفسانه ويركلانه ويمسحان به نعالهما العسكرية الغليظة .. حتى تتكسر الضلوع وتتهتك بقايا الجلد السليم . وتكون الدائرة قد مرت على الدفعة كلها ، وسالت دماء الإخوة جميعاً ونال كل واحد منهم نصيباً من العذاب غير موصوف . ولكم فُقِدَ في حفل الإستقبال ذاك من إخوة وماتوا من غير أن يأبه أحد . ولكم خرج من هذا الجحيم من خرج كسيراً أو صاحب عاهة من غير أن يزيد ذلك الزبانية إلا سروراً وغروراً .
المهجــع 26

         مضت ثلاث أو أربع ساعات على حفل استقبالنا هذا وسطعت علينا الشمس فهالنا أن نبصر أنفسنا وكأننا سرب طيور منتوفة الريش ! ومن قبل أن نلتقط أنفاسنا صاح بنا أحدهم أن نلبس ثيابنا ونمشي . ومشينا .. نازفي الجروح مطأطئي الرؤوس . لكن السياط والكبلات لم ترحمنا . ووجدنا أحدهم يهوي علينا بعصا لا أظنها والله إلا جذع شجرة .. إذا هوت على الظهر فلقته . فإذا أصابت الرأس أو الصدغ فالواحد ميت لا محالة !
       وكان معنا أخ من ادلب اسمه نديم منصور أصيب أثناء اعتقاله بطلقات رصاص في ساقه وساعِدِهِ ولم يكن يستطيع السير . فتقدمت أنا وأخ من حلب اسمه جمال عيار وحملناه . أنا أمسكه من كتفيه وجمال يرفعه من رجليه . وركضنا وركض الشرطة وراءنا يضاعفون علينا العذاب .. وكدنا مرات عديدة أن نقع ويقع الأخ معنا . ولم نكن ندري إلى أين سينتهي هذا الجري بنا .
      وجعلنا ندخل من باحة إلى أخرى ونعبر من باب إلى باب حتى وصلنا آخر الأمر إلى الباحة السادسة من السجن ، ووجدنا أنفسنا نساق إلى مهجع كبير فيها هو المهجع السادس والعشرون . وهناك وبعد أن اكتمل وصولنا وجدناهم يصفوننا على الجدار من جديد ، ومضى الشرطة فختموا لكل منا بضربة عصا على ظهره الدامي لتهد ما يمكن أن يكون تبقى من جََلَدٍ فيه . حتى إذا هدأت الأصوات وسكنت الحركات دخل المساعد أبو جهل المهجع .. وافتتح كلمة ترحيب جديدة حافلة بأقذع المسبات وألفاظ الكفر بالله .. وزف إلينا وسط عباراته الناضحة بشرى وصولنا سجن تدمر .. تدمر التي ستكون فيها نهايتنا .. نحن الخون العرصات العملاء ال.... .
        وانتهت الكلمة الترحيبية بنا ، وخرج أبو جهل يتبعه الزبانية ، ووجدنا الباب يغلق علينا ، وصمت كصمت القبور يلفنا . وسرعان ما ألقى كل منا بدنه المنهك على الأرض .. يود لو أن مال الأرض كله بين يديه فيفتدي به ساعة من غير عذاب !
في انتظـار المجهـول
!
     أغلق الباب وظننا أننا نلنا اليوم نصيبنا كاملاً من العذاب ولن يكون هناك مزيد . غير أن الأمل تبخر لحظة أن نادى علينا صوت أجش من فوقنا يصيح :
الكل لم عالزاوية ولا .
      أفزعتنا المفاجأة .. فلم نكن نتصور أن فوقنا داخل المهجع زبانية من الشرطة العسكرية أيضاً . وعندما رفع أحدنا رأسه يستطلع من أين جاء الصوت ناداه الشرطي وهو يشتمه :
أنت يا .. علّم حالك ولا . ولما أقول وين المعلّم بتطلع لبرة ..
وكالقطيع المرعوب انكمشنا نحن في زاوية من زوايا المهجع حيث أمر ، وأطرقنا برؤوسنا نترقب المجهول . وأخذنا نحاول بحواسنا المتوترة أن ندرك معالم هذا المهجع الذي ضمنا من حيث لم نحتسب . ولقد أدركنا لاحقاً أن البناء عبارة عن غرفة كبيرة مستطيلة ، ثمة دورة للمياه على يسار الداخل من الباب ، فيها حمامان تتوسطهما مغسلة وحوض . وأما بقية المهجع ففي حجم ثلاث غرف متتالية ، تحيط زاوية التقاء جدرانها الأربعة بالسقف نوافذ مفتوحة على الدوام ، عليها قضبان من الحديد وحسب ، غير أنها من العلو بما يكفي لمنع وصولنا إليها أو مشاهدتنا لما يجري في الخارج عبرها . وفي السقف نفسه هناك فتحتان مساحة كل منهما متر بمتر تغطيهما قضبان من الحديد الغليظ أيضاً ، يستطيع عناصر الشرطة الذين يتناوبون فوقنا أربعاً وعشرين ساعة في اليوم أن يروا كل ما يدور بيننا من تلك النافذتين ، أو الشراقتين كما تسميان باصطلاح السجون .
الســخـرة

      ومضيت أتحسس جراحي وألملم بدني المنهك في سكون .. وانشغل كل منا بحاله فلا تسمع إلا اضطراب الأنفاس وأنات الألم تنطلق بين تارة وأخرى فلا يلبث صاحبها أن يكتمها ويشد على الجراح بصمت .
     وانقضت ساعتان أو أكثر بقليل ، وفتح الباب فجأة ودلفت دفعة جديدة من المساجين الجدد تجاوز السبعين أغلبهم شباب في مقتبل العمر من طلاب الثانوية العامة أو الجامعة .. علمنا لاحقاً أنهم كلهم من مدينة حمص ، وأنهم نالوا مثل العذاب الذي نلنا ، ولكننا لم نسمع أصواتهم لأن إجراءات الإستقبال تمت كذلك بعيداً في الباحة الأولى مثلنا . غير أن الشرطة لم يحرمونا من أن نتنعم بسماع صيحات الألم والعذاب ، فلم يلبث أحدهم أن فتح الباب ونادى فينا وكأن له ثأر قديم يريد أن يشتفي منه :
وين المعلّم ولا ؟
       فعلمنا أن الأمر جد إذاً ، وأن الأخ لا بد وأن ينال عقوبة تلك النظرة الخاطفة . وخرج المسكين وكان اسمه صالح الوقـاع أستاذاً لمادة العلوم من مناطق دير الزور . وانهال عليه الشرطي لطماً وصفعاً وجلداً ، وصراخه يصم آذاننا ويشوي قلوبنا ولكننا لا نملك له إلا الدعاء.  
     ولم يكد هذا المشهد أن ينتهي حتى فتح الباب مرة أخرى ونادى عنصر من الشرطة فينا: من كان منكم عسكري ولا .
       غير أن أحداً منا لم يجب . أعاد السؤال فسكت الجميع . وفي المرة الثالثة رفع أحدنا يده وكان اسمه وضاح الـدن من قرى حلب وقال :
أنا سيدي .
قال الشرطي : أنت عسكري ولا ؟
أجاب نعم سيدي .
قال الشرطي وهو يرمقه بقرف : ماشي الحال .. قدم الصف لأشوف .
فوقف الأخ وفق الإجراءات العسكرية ونادى فينا :
انتب......ه . است......رح . است......عد .
وفي الوقت الذي لفنا الإضطراب ولم نعلم بم نتصرف صاح الشرطي فيه :
بتقول استرح استعد المهجع جاهز للتفتيش حضرة الرقيب . تفعل ذلك كل ما سمعت أي حركة على الباب يا ...
فطـور بالإكـراه
!
      وخرج حضرة الرقيب .. وجعلنا نحوقل في سرائرنا ونسأل الله اللطف والستر .. ولم يلبث أن فتح الباب من أجل إدخال الفطور . وقفز الأخ من مكانه وصاح بنا اللازمة التي تعلمها :
انتب......ه . است......رح . است......عد .
      ولكنه تلعثم قبل أن يعلن جاهزية المهجع للتفتيش فلم نكن قد عرفنا بعد كيف يكون ذلك أو كيف ننفذ هذا الأمر في هذه الظروف . ونادى الرقيب وهو يكاد يزمجر :
السخرة .. وين السخرة ولا ؟
      ولم يكن قد مضى على وجودنا في المهجع وقت يكفي لنلتقط فيه الأنفاس فكيف لنا أن نفكر بالسخرة وبالطعام ! فلما وجد الرقيب الحالة لم تنضبط والأمر لم ينفذ سحب الأخ وضاح إلى الخارج وانهال عليه صفعاً وركلاً ، فلما انتهى رمى به إلى الداخل ونادى من جديد :
من كان منكم عسكري يا ...... ؟
في تلك المرة خرج الأخ جمال عيار وأجاب . وكان جمال أو أبو الفضل كما كنا نناديه خريج المدرسة الشرعية بحلب يخدم الجندية الإلزامية حين اعتقل . وكان رحمه الله ممتلىء الجسم قصير القامة ، فناداه الشرطي سائلاً :
انت عسكري ولا ؟
قال بثبات واحتراف : نعم سيدي .
قال له : أدخل الفطور الآن .
      ودخل علينا جمال بطشت بلاستيكي فيه بعض قطع الجبن وأرغفة الخبز العسكري الجافة ذاتها . تبعها بسطل من الشاي يبعث منظرة على القرف . ولم يكن لأحد لا قدرة وقتها ولا شهية لتناول شيء ، لكننا وجدنا الشرطي ينادي من فتحة السقف فوقنا ويصيح :
الكل واقفاً ولا .
فانتفضنا وقوفاً كلنا .
وجهك عالحيط ولا .
       استدرنا من غير أن ننسى هذه المرة أن نغمض أعيننا ونخفض رؤوسنا نحو الأرض .
رئيس المهجع . شيل قطعة الجبنة وطعميهن هالعرصات واحد واحد .
فأخذ أبو الفضل يطوف علينا ويدس في فم كل منا قضمة جبن . فلما انتهى ناداه الشرطي من جديد :
املأ قصعة الشاي وشرّب هال... بالتناوب .
ونفذ جمال ما أمر الشرطي به . وجلسنا من ثم في أماكننا صامتين واجمين . وقتذاك كانت الشمس قد سطعت وتسللت أشعتها الدافئة من نوافذ المهجع العليا فنشرت فينا الدفء والإرتياح لبرهة . غير أن الباب لم يلبث أن فتح من جديد فقفز جمال ونادى باللازمة . ودخل هذه المرة أبو جهل وبعض الزبانية حوله ونادى :
رئيس المهجع . ضب كل المساجين لجوه .
      فاجتمعنا كلنا في زاوية داخل المهجع ، فيما دخل عدد من عناصر "البلدية" وفق مصطلح السجن الذي تعلمناه لاحقاً ، وهم المساجين غير السياسيين من العساكر الذين يقضون عقوباتهم في السجن . وأدخل أولئك كوماً من البطانيات المنتنة فكدسوها على مقربة من أقدام المساعد والشرطة العسكرية وخرجوا . فنادى أبو جهل من جديد :
الكل في صف واحد ولا .
       فانتظمنا في صف واحد أخذ يمر أمامه وقد أغمضنا أعيننا كلنا وخفضنا هاماتنا . فجعل الشرطة يسلمون كلاً منا بطانيتين وكل اثنين منا عازلاً مشتركاً . والعازل عبارة عن خيمة بالية من خيام الجيش مغطاة بالبطانيات العتيقة . فلما تم الإستلام وفوق البَيْعَة ما لا يعد من اللعنات والشتائم قال أبو جهل يخاطب رئيس المهجع وبقية السامعين :
هذه البطانيات والعوازل عهدة .. وكل واحد مسؤول عن عهدته ولا .
       وتلقينا العهدة والتعليمات والشتائم ونحن لا نزال مغمضي العيون خاشعي الحركة . وسمعنا المساعد وأزلامه ينسحبون ويغلقون الباب علينا .. فألقينا عهدتنا الثمينة تلك وألقينا فوقها أجسادنا المنهكة .. لا ندري ماذا نفعل أو نتوقع في الخطوة التالية .
       هذه صور من الحريـة التي نادى بها حزب البعث العربي الاشتراكي ، والتي أراد أن يعممها في الوطن العربي كله ، فسلط الله قيادته القطرية على قيادته القومية ، وأنهت دور حزب البعث منذ منتصف السبعينات أو قبل ذلك بقليل ... وبقي النظام الاستبدادي يحكم سوريا بالحديد والنار باسم حزب البعث ... يجمع وينهب خيرات سوريا ولبنان ، ويسود صفحة حزب البعث في العالم أجمع ... فأين أنتم أيها البعثيون الشرفاء الذين تغارون على حرمـة حزب البعث العربي الاشتراكي !!!؟ أين أنتم !!! ماذا تنتظرون !! التحقوا بالمعارضة السورية الداخلية والخارجية ، لنقف جميعاً من أجل إعادة الوحدة الحقيقية والحرية الصحيحة والاشتراكية العادلة لسوريا المغتصبة من قبل هذه ( المافيا
.( ...

التعــذيب في سـجن تـدمـر /الحلقة 6

     ويتابع الأخ محمد سليم حماد عرض مشاهد من التعذيب التي صبت عليه وعلى إخوانه في سجن تدمـر ، في دولة النظام الاستبدادي الأسدي ، هذا النظام الذي قتل قرابة مائة ألف مواطن من خيرة المواطنين ، وسجن عشرات الألوف ، وشرد خارج سوريا مئات الألوف أيضاً ...

التـفقـد  

وبلغت الساعة حوالي الثانية بعد الظهر . ووجدنا الباب يفتح من جديد . وانتفض الأخ جمال فقدم الصف . ودخل الرقيب وصاح فيه :

صفهم خمسة خمسة للتفقد .

ولم يكن علينا إلا التنفيذ . لكن الفزع الذي غمرنا جميعاً جعلنا نتدافع مضطربين كل منا يتحاشى أن يأتي إلى طرف الشرطي ، فلما طال الأمر ولم ينتظم الصف دخل الشرطة علينا وأوسعونا ضرباً وجلداً ، وجمال رحمه الله يجهد في أن يساعدنا على الإنتظام في الصف قدر الإمكان . وتم الأمر أخيراً ، وعَدُّونا فكان العدد فوق المائة . وصار واضحاً لدينا الآن أن هناك جزءاً أساسياً في البرنامج اليومي يسمى التفقد ، الجلد والضرب والشتائم لوازم ضرورية لا بد وأن تلازمه .. مثلما هي لوازم لا تنفصل عن أي مناسبة أخرى تتاح للشرطة فيها أن يسفكوا دماءنا !

وخرج الشرطة .. وعدنا كل إلى ذاته مطرق الرأس مشتت الفؤاد . لا يكاد واحدنا يسمع أدنى حركة حول المهجع أو فوقه حتى ينتفض كالمحموم ! وكلما ود أحدنا أن يرفع الطرف لينظر حوله تذكر ما حل بالأخ صالح فيرتد إليه طرفه وهو حسير !

وهكذا مضى اليوم .. ومرت أيام أخر ، لا يجرؤ أحدنا أن يكلم جاره الذي ينام معه على عازل واحد ، أو يهمس حرفاً لأقرب الناس إليه . والبرنامج اليومي يتكرر كاللازمة : نستيقظ في السادسة ، فنضب العوازل والبطانيات ونقبع فوقها صامتين واجمين .. ولا يلبث أن يفتح الباب فننتفض جميعاً ونقف في حالة الإستعداد . وتخرج مجموعة منا لاستلام حفنة الطعام التي يعتبرونها الفطور مجازاً . فنزدردها بلا شهية ، أو نجمعها في ركن الحمام من غير أن يقربها أحد . وربما مرت على الواحد منا الوجبة والوجبتان والخمس وهو لا يمس من الطعام من قلة الشهية شيئاً . ولكم اضطر رئيس المهجع إلى رمي الطعام في الحمام لأن أحداً لم يأكله خشية أن يكتشف الشرطة ذلك فننال ما نحن بغنى عنه !

فإذا انتهى الفطور من غير مشاكل حان وقت التفقد . فنستعد ونأخذ حسبنا الله لساعة تعذيب لازم . وينال كل منا نصيبه المقدور .. ونعود إلى جلستنا مترقبين حذرين . ولا يلبث الشرطة أن ينادوا علينا للتنفس هذه المرة . فنخرج إلى الساحة مطرقي الرؤوس مغمضي العيون .. يمسك واحدنا أخاه الذي أمامه من وسطه ويتبعه كالأعمى .. لتتلقانا الكبلات والعصي فتقودنا بالإكراه إلى حيث يشاؤون . وترانا كقطيع مسعور نجري حول الساحة والكرابيج والكبلات والضربات تلاحقنا أنى اتجهنا . فإذا زلَّ أحدنا أو وقع تعثر به البقية وتكوم فوقه المتساقطون .. فتزداد فرصة الشرطة لزيادة الضرب ومضاعفة العذاب . ويعلو الصياح وأصوات الإستغاثة ، فتعلو عليها عبارات الكفر والشتائم البذيئة .

فإذا انتهى وقت التنفس وقادتنا الكَبْلات صوب المهجع من جديد ، تكون على الباب ملحمة أخرى دامية . فمائة ونيف من هؤلاء البؤساء ليست أمامهم إلا فتحة هذا الباب لينفذوا منها . عيونهم مغمضة فلا يستطيعون مشاهدة موطىء أقدامهم ، والسياط والهراوات تلاحقهم من كل حدب وصوب . فتنحشر الأكتاف والرؤوس ، ويسقط من يسقط تحت الأقدام ، ويشج البعض بعارضة الباب الحديدية . فلا تنتهي حفلة التنفس تلك إلا وقد دمي من بيننا أكثر ممن سلم ، وأصيب أضعاف من نجا .

طعــام ومنــام !  

      وهكذا كنا نعود إلى المهجع لنلعق جراحنا بصمت ، ونتأوه تخنقنا الحسرات والعبرات .. ويحين موعد الغداء بعد حين .. ولا يلبث أن يأتي من ثم العشاء . ونحصي إذا قدرنا نصيبنا الذي نلناه على مدار اليوم من الطعام فلا نراه يكفي لأن يسد رمق طفل صغير : صمونتان صغيرتان جافتان للوجبات الثلاث . ورشفة شاي على الفطور مع بضع حبات زيتون أو لحسة مربى أو حلاوة لا تملؤ ملعقة واحدة . ومرق أحمر للغداء لا يكاد يكفي لكي يبلل الصمونة التي فتتناها فيه . وبعض حبات الحمص المسلوق أو أجزاء من البطاطس المسلوقة للعشاء .. وحسب ! ولربما استُبْدِلَ البيض بالبطاطس مرات ، أو شوربة العدس بالحمص المسلوق . لكن قلة الكمية وسوء النوعية كانت تثير فينا الشعور بالجوع أكثر من أن تلبي حاجتنا إلى الشبع ! فنصيبنا من البيض إذا حضر لم يكن يتجاوز البيضة الواحدة لستة أشخاص . ومن الأرز ملعقة صغيرة واحدة للشخص . ومن اللحم أقل من رأس العصفور في المناسبات . وإذا أحضروا دجاجاً كان نصيب المهجع كله خمس أو ست دجاجات مقابل أكثر من مائة فم ! حتى أننا بتنا نعتبر الطعام نوعاً إضافياً من العذاب ليس إلا ! وصار اعتيادياً بيننا أن نأكل قشر البرتقال وقشر البيض والبطيخ ولا نرمي من الفضلات في القمامة شيئاً . ولكن النهار لا بد وأن ينتهي ، ويحل موعد النوم في السادسة ، لكنه النوم الذي يحرم على صاحبه أن يتنعم بالنوم فيه ! فالضوء داخل المهجع لا يطفؤ ليل نهار ، والشرطة على السطح يراقبوننا باستمرار . ولو نمى إلى سمعهم صوت همس أو حس حركة من بيننا علّموا صاحبها على الفور فكان نصيبه من العذاب في الصباح ما لا يسر !

ولقد كانت الصلاة وسط هذا الظرف نوعاً من التهلكة بالطبع ، ولكم أخرج الشرطة رئيس المهجع وانهالوا عليه ضرباً يسألونه عمن يصلي عنده من المساجين ليدلهم عليه . ولذلك كنا نصلي إيماء من أول يوم . كل بسرّه وحده من غير ركوع أو سجود . لكن النعمة التي وجدناها في ذلك المهجع كانت في الحمام . فلم يكن من رحمة الله للحمام شراقة تكشفه ، ولذلك كنا نتوضأ آمنين ، وننسحب إلى بطانياتنا فنستلقي تحتها ونصلي موميين بسكون وهدوء . [ أذكر مرة أخرى بأن النظام السوري يمنع السجناء من الصلاة ، ويمنع العسكريين من الصلاة في الجيش ..وقد لايصدق القارئ غير السوري هذا الكلام ، لكنه الحقيقة المـرة ... التي لايعرفهاأعضاء مؤتمر الأحزاب العربية الذين مجدوا بشار الأسد ، والنظام السوري ، ولايعرفها المحامون العرب الذين أعجبتهم فنادق خمس نجوم في دمشق ، وأثاثـها .... فراحوا يكيلون المديـح للنظام السفاح ( نظام المافيا الأسدي ] ..

إلى الـــحلاق !

     وانقضى قرابة أسبوع على هذه الحال .. وبدأنا نألف الوضع الجديد ونتأقلم معه . وأخذنا نجرؤ على النظر إلى بعضنا البعض والهمس فيما بيننا ولو بكليمات . وقام الأخ جمال رئيس المهجع فقسمنا إلى مجموعات صغيرة للسخرة ، فساعدنا ذلك على الخروج من حالة الوجوم تلك ، وبدأنا نتعرف على الأفراد المحيطين بنا من غير أن نجانب أقصى أسباب الحذر . لكننا وبعد أن ظننا أن البرنامج استقر على هذه الحال فوجئنا بهم ينادوننا للخروج من المهجع مرة واحدة في غير موعد التنفس . ووجدناهم يسوقوننا مغمضي العيون إلى زاوية من زوايا الباحة تلاحقنا الجلدات والسياط كالعادة . وهناك صفونا على الجدار وجعلوا يخرجوننا خمسة وراء خمسة في صف واحد ، لنجد في انتظارنا ثلاثة من السجناء العسكريين الذين يسمون "البلدية" بلغة السجن يقومون بدور الحلاقين . وغالباً ما يتم اختيار أولئك من أبناء طائفة النظام الذين يقضون عقوبة ما في سجن تدمر ، فلا يقلون حقداً ومكراً عن بقية السجانين من الشرطة العسكرية . وعندما يصل واحدنا إلى أول الحلاقين يأتيه الإيعاز بلهجة الأمر :

وراء دُرْ .

فيستدير .

ارفع راسك .

فيرفعه من غير أن يفتح عينيه . ويمر الحلاق بالفرشاة والصابون على الذقن فيطريها . ويرسله إلى الحلاق الآخر فيفعل ما فعل الأول . وينتهزها "البلدية" فرصة لينفثوا فينا أحقادهم الطائفية . فشتيمة من هنا ، ودس للفرشاة في الفم أو الأنف من هناك ، ولطمة أو صفعة هنالك .. وأما المسبات فكلها بالمجان وعلى الحساب ! وعندما نصل للحلاق الثالث على الشاكلة نفسها ، يمر بالموس على الذقن فيحلقها ، والشرطة من ورائنا يصيحون فيه :

اذبحه هذا الكلب .. أو اسلخه هالعرص .

فيلبي الحلاق الطلب بكل امتنان ، فيضيف على الوجه جرحاً أو أكثر . ولا يبخل بمزيد من الصفعات والمضايقات . فإذا انتهى انتقل الصف إلى حلاقة الشعر ، فيجثو السجين على ركبتيه ، يداه وراء ظهره وعيناه مغمضتان . وأؤكد هنا أنني طوال السنوات التي أمضيتها في تدمر لم أشاهد وجه الشخص الذي كان يحلق لي قط إلا خلسة .. وكنت دائماً مثل الآخرين مغمض العينين مطبق الجفنين ! وعندما تنتهي حلاقة الرأس واللحية والشاربين التي تستخدم بها ماكينة يدوية بالطبع ربما انتزعت الشعر بدل أن تحلقه ، أو أصابت الوجنات فأدمتها لتبهج الحلاق .. عندما تنتهي يأتي الإيعاز من الشرطة خلفنا :

منبطحاً .

فننبطح .. ويتقدم واحد منهم أو أكثر ليقدموا لنا ما كنا نسميه "نعيماً" الحلاقة ! فيبدأوا بالقفز فوق ظهورنا ، أو يوسعونها جلداً وركلاً ، ولا ينسوا نصيبنا وافراً من الشتائم والمسبات . فإذا انتهوا وقت أن يحلو لهم الإنتهاء ، عدنا محطمين إلى الجدار من غير أن يكف الشرطة عن جلدنا وضربنا وركلنا ونحن ننتظر أن ينتهي المهجع كله من الحلاقة .

ولقد كانت مفاجأة لنا أول مرة حينما عدنا بعد هذه المعمعة إلى المهجع وأقفلوا علينا الباب ، فوجدنا أنفسنا بالقرعة تلتمع رؤوسنا كثمر البطيخ .. فلم نتمالك أنفسنا من الضحك رغم الألم . ثم وجدنا أنفسنا بعد ذلك لا نألف إلا هذا الشكل فينا ، ولا نعرف إلا هذا النوع من الوجوه !

حمــام الـــدم !

وانتهت الحلاقة ، لكن البرنامج لم ينته . ولم يلبث مناديهم أن نادى فينا :

الكل برة بالشورت ولا .

فظننا أنها حفلة تعذيب جديدة . وبدأنا نراجع أنفسنا علنا ندرك ما حدث . ووجدتنا نساق مغمضي الأعين عاريي الصدور مكشوفي الظهور حفاة نتبع واحداً من الشرطة كالنعاج لا صول لنا ولا قوة . تتناوشنا السياط من كل اتجاه ، وتهوي علينا الصفعات والركلات في كل خطوة . وعندما صادفنا "البلدية" الذين كانوا يوزعون الطعام على إحدى الباحات في طريقنا وجدناهم يهجمون علينا فكأننا الطريدة العاجزة أمام كلاب الصيد ! وانتهت بنا المسيرة بعد قرابة الربع ساعة إلى الباحة الأولى ليعلموننا هناك أنها ساعة الحمام أتت .

وعندما يذكر الحمام عادة يتبادر إلى الذهن الماء الدافىء أول ما يتبادر .. والصابون والطيب والإسترخاء .. لكن الأمر لم يطل بنا لنعرف الحقيقة . ووجدناهم يقسموننا قسمين : أبقوا الأول في الباحة وأمروهم أن يجلسوا جاثياً ، رأسهم إلى الأرض وظهرهم العاري مكشوف للشرطة ، وساقوني مع القسم الثاني إلى الحمام .

ودلفنا أكثر من خمسين شخصاً على عدد من المقصورات لايتجاوز عدد أصابع اليدين ، وجاءنا الإيعاز بالدخول تحت الدشات ، فكنا ستة أو سبعة أو ربما أكثر كلنا تحت دش واحد ! وانصب علينا الماء البارد مرة واحدة ، لكن صوت السياط التي أخذت تجلد ظهور إخواننا الذين في الخارج أنستنا وكأنها طلقات الرصاص أحاسيس التجمد ، وأبدلت قشعريرة البرد التي سرت فينا رجفة الخوف من المصير المرتقب ! وجعل بعض أفراد الشرطة يدخلون وراءنا فينعمون علينا بلسعات الكرابيج مقدماً . وأمرنا بعضهم أن نخلع سراويلنا ونكشف عوراتنا زيادة لنا في الإهانة والعذاب .. ولم نجد بداً إلا أن ننفذ .. والزبانية بين ضاحك وساخر وشاتم .

وانتهى الأمر خلال خمس دقائق .. وخرجنا تتقاطر منا المياه لتتلقانا السياط التي سبق ونالت من ظهور الإخوة قبلنا . وزادنا ألماً وعذاباً أن عبرنا فوق مجاري الحمام المفتوحة فتعثر فيها من تعثر وارتطم بحوافها القاسية من كان له نصيب لم ينته من البلاء .. فلما انتهت الدفعة الثانية خلنا أن دهراً بأكمله انقضى .. ومضينا تدفعنا السياط والصفعات إلى المهجع مغمضي العينين كما أتينا . وتدافعنا على الباب ككل مرة ، فتعثر من تعثر .. وشج من شج .. وارتض من ارتض . وكان الحمام حقيقة الأمر حمام دم بكل معنى الكلمة .

وارتمينا بعدما أغلق الباب علينا كالقتلى على الأرض . ما منا إلا من يئن أو يتأوه .. وليس فينا إلا جريح أو معنّى . لكن المأساة لم تكن انتهت بعد .. والمهزلة كانت تنتظر فصلها المضحك للختام . فما هي إلا دقائق حتى فُتِحَ الباب ، ودخل الشرطة فأبلغوا رئيس المهجع أن علينا أن ندفع أجرة الحلاقة والحمام .. فوراً وفي الحال !

وأتى الأخ ينتظر منا الجواب .. وليس لدينا من جواب إلا التسليم في كل مرة .. وتقدم من سَلِمَتْ نقوده في الأمانات فدفع .. واندفعنا بعدما هدأ الحال إلى حمام مهجعنا لنغسل ما كسى أجسادنا من دم وشعر وتراب ، فما كدنا ننتهي حتى كان اليوم قد انتهى .. وانتهت فينا كل ذرة من طاقة وجَلَد .. فارتمينا على بطانياتنا الرثة نلتمس ساعة نوم هادئ قبل أن تدهمنا مفاجأة جديدة .. أو تحل علينا من القوم نازلة لم تكن في الحسبان !

ولقد استمر نظام الحمام البئيس هذا مرة كل أسبوع حتي عام 1984 حيث صدرت الأوامر وقتها بأن يتم الإستحمام في حمام المهجع نفسه . وأما الحلاقة فاستمرت حتى عام 1986 حيث انتشر مرض اليرقان - كما سيأتي بأذن الله - فكان ذلك البلاء سبباً في رفع هذا البلاء !

من رحــمات الله

      ومرت أيام أخر .. نزداد اقتراباً من بعضنا وائتلافاً بمقدار ما يزداد الهم وتتنامى المعاناة . ومع تقادم الخبرة بدأنا ندرك كيف تمضي الأمور حولنا .. وتعلمنا أن الشرطة يتعاقبون على حراسة سطح المهجع . فصرنا ننتهز فرصة انشغالهم بالإستلام والتسليم لنتحدث بحرية أكثر أو نتحرك من غير خوف . ومع اعتياد المكان والحال بدأنا ومن نعمة الله علينا نسمع صوت الأذان الآتي من مدينة تدمر المجاورة . فلم يكن من أنيس لنا مثله أبداً . وكأنما أحس الزبانية بأثر هذه النعمة علينا ، فكان بعضهم إذا ارتفع الأذان علانا وأطل علينا من الشراقة وجعل يتبع كل تكبيرة بكلمة الكفر .. وكل تهليلة بمسبة فاحشة واستهزاء بالله تعالى . وكنا علاوة على الأذان تبلغنا حتى أصوات السيارات العابرة على الطريق في بعض الأحيان .. فنغتم من ذلك ونتحسر .. لا نتخيل كيف تسير الحياة طبيعية على بعد خطوات منا ونحن في هذا الجحيم لا يدري منهم بحالنا أحد !

ولقد كان من رحمات الله بنا أن أحضروا لنا في بدايات الأسبوع الثاني ممرضاً مجنداً طاف على المهاجع وسجل احتياجاتنا الضرورية من العلاجات . ووجدناه يحضر لنا بالفعل بعض ما طلبنا .. وكان أكثر ماكنا نريد مراهم الجروح والإلتهابات .. فمن بين هذا الجمع من البؤساء كان ثمة من هو في أمس الحاجة لها قبل أن يصل هذا المكان .. مثلما كانت الحاجة إلى العلاجات متجددة على الدوام لدوام الضرب الوحشي والتعذيب والتشنيع .

جــروح وقــروح

       ولقد كان من أكثر سكان مهجعنا سوءاً في حالته الصحية الأخ نديم منصور الذي حملته أنا وجمال عيار ساعة وصولنا كما ذكرت . وكان المسكين قد أصيب أثناء اعتقاله برصاصة في ساقه وأخرى في يده . وكان ثمة أخ آخر هو هيثم ملا عثمان مصاباً بالرصاص أيضاً في رجله . وهو أحد الإخوة السبعة عشر الذين هربوا من سجن كفر سوسة ثم اعتقل من جديد وأصيب أثناء ذلك . وتنقل الأخَوَان من فرع مخابرات إلى آخر حتى وصلوا تدمر من غير أن ينالا من العلاج شيء ! وكان أمراً عجيباً أن ظلا على قيد الحياة فعلاً . فالرصاصات التي مزقت اللحم وهشمت العظام استقرت هناك . وتقطعت كما يبدو أعصاب المنطقة فلم تعد الأعضاء تتحرك . ونمت العظام من جديد والتأمت بقدرة الله ولكن على غير وضعها السوي . ولذلك فلم يكن نديم أو هيثم يقدران على السير مطلقاً . وكنا نتعهدهما بأنفسنا في الحركة والسكنة . ولم يكن أمامنا ساعة التنفس أو الحمام إلا أن نتركهما في المهجع بعد الإستئذان من الرقيب . فإذا تلاءم ورفض حسب المزاج كان علينا أن نحملهما حملاً . وظل المسكينان في معاناة دائمة حتى كان إعدامهما عام 1984 .

كذلك لم تكن معاناة الأخ حسين عثمان نتيجة تعذيبه بالكرسي الألماني أخف كما ذكرت . وكان رحمه الله دائم الإستلقاء منعدم الراحة . ولم يسلم برغم ذلك من التعذيب كما سيأتي .. حتى اختاره الله إليه ونال شرف الشهادة عام 1982 .

وأما بقية الإخوة ، ورغم أنهم كانوا في حالة أفضل أو إصابات أخف ، إلا أن آلامهم لم تكن لتكف ، وجروح بعضهم التي خلفتها حفلات التعذيب الأولى في فروع المخابرات أو تلك التي زادت عليها في حفل الإستقبال بتدمر لم تشف إلا بعد شهور . وزاد علينا القمل الذي حملناه في أجسامنا من فروع المخابرات إلى تدمر ، فانتشر في المهجع وتفشى بين الجميع .. ولجأنا إلى نظام التفلية ( وهو البحث عن حشرة القمل بين الشعر أو في ثنايا الثياب وقتلها باليد ) من جديد كإجراء وحيد نخفف منه من شر هذا البلاء !

كعبــة الزبــانيـة !

     وبدأت نفوسنا تعتاد هذه الحياة القاسية يوماً بعد يوم . وجعلنا في حسابنا أمر التفقد وما يصاحبه من عذاب الإستفتاح كل يوم .. والتنفس والحلاقة والحمام . وجعل الإخوة الشباب الأصحاء يحرصون أن يقفوا من ناحية الشرطة ليفتدوا إخوانهم المسنين والضعفاء ويحمونهم من أن تطالهم سطوة الظالمين . وكان معنا عدد من المعتقلين ممن جاوزوا الستين والخامسة والستين ، أذكر منهم شريف البعث والحاج محمد غرير وكلاهما من ادلب ، وابراهيم طوبل وعمر حيدر الذي توفي رحمه الله بالسكتة القلبية عام 1986 والرجلان من المعرة . كذلك كان معنا الحاج أحمد البربور من أريحا . وكان الزبانية يحرصون على تعذيب هؤلاء الرجال أكثر ويظنونهم لكبر سنهم ولإصابة بعضهم بالصلع الطبيعي أنهم من قيادات الإخوان ! فكنا نجنبهم التعرض للعذاب قدر الإمكان ، ونأخذ عنهم دورهم في سخرة الطعام . فينال الأخ المتطوع الجلدات واللطمات ويضحي بما قد يكون حياته ذاتها فداء لإخوانه .

وكان الأخ جمال رئيس المهجع قد قسمنا إلى مجموعات كما ذكرت ، فكان ذلك سبباً في ضبط المهجع وتقليل المشاكل مع الشرطة من جهة ، وعاملاً في تآلفنا وتعارفنا من جهة أخرى . حتى بتنا كأبناء أسرة واحدة يواسي بعضنا بعضاً ، ويساند أقوانا الضعيف فينا .. ويدخر كل منا وسعه للتخفيف عن أخيه . ولا أزال أذكر ممن كان في مجموعتي الأولى الأخ أبا رشيد حسين عثمان . وأخاً آخر من حمص اسمه أمجد طيارة . والأخوين ابراهيم أحمدو ومحمد طاهر مصطفى من أريحا .

وإذا كانت الأحداث المرة وتعاقب السنين قد أنستني من الأسماء والحوادث الكثير فإنه مما لا ينسى عن أحداث تلك الأيام وذكريات هؤلاء الإخوة المسنين يوم أن عرف واحد من الشرطة اسمه شحادة الذي ينتمي إلى طائفة النظام أيضاً أن الحاج أحمد غرير قد ذهب لحج بيت الله في يوم ما ، فمد الزنيم قدمه أمام الناس وقال لهم هذه هي الكعبة . وأمر الرجل أن يقبل حذاءه مثلما قبّل الكعبة هناك . ولم يكن للمسكين إلا أن يطيع خشية ما لا تحمد عقباه . ...

همجيــة التعــذيب

       وانقضى أسبوع آخر .. ودخلنا أسبوعنا الثالث على تلك الحال . وفوجئنا ضحى أحد الأيام بدفعة جديدة من السجناء تجاوز الستين تدخل إلى المهجع قادمين من حلب هذه المرة . يحضرني الآن من أسمائهم الإخوة رياض الشاوي وحسين ألطُنْجي وكلاهما من حلب . الأول مهندس مدني والثاني طالب ثانوي . وأحمد عنعن طالب هندسة مدنية ، وأحمد حمزة وهذان من من مدينة الباب . وكان الأخير مدرساً . فوصل عددنا الكلي قرابة المائة والثمانين .. وأصبحت حصة كل منا في النوم شبراً وأربع أصابع وحسب ! فكان الواحد منا إذا أراد التحرك في الليل أيقظ بحركته أكثر أهل المهجع . ولو أحس الشرطي فوقنا بأدنى حركة بيننا في الليل خاصة كان ذلك كافياً ليعلّم من يشاء ويخرجه في الصباح التالي لينال نصيبه من القتل والتعذيب .

      لكن وصول الإخوة الجدد كان نوعاً من التسرية المؤقتة لنا ، مثلما كان وجودنا من قبلهم عوناً لهم على تفهم الوضع وتعلم الأنظمة الجائرة تجنباً لأي مزيد من العذاب . وسرعان ما انضم القادمون إلى مجموعات السخرة والطعام .. وجعلنا نسمع منهم أخبار الحياة خارج هذه الأسوار .. ويسمعون منا ما وجدناه منذ وصولنا هنا .. فشغلتنا الأحاديث ونشطتنا .. ووثقت بيننا العرى وألفت بيننا . وكشفت لنا في نفس الوقت أوجهاً أخرى من جرائم النظام وممارسات مخابراته الوحشية ، وأطلعتنا على أساليب من التعذيب يمارسها أولئك الزبانية عافانا الله نحن منها وابتلى بها إخواننا في حلب . رأيت بنفسي نموذجين منها كان الأول هو الأخ حسين ألطنجي الذي استخداموا معه في فرع المخابرات بحلب الضرب المباشر بالبلطة على مشط قدمه لإجباره على الإعتراف السريع ، فكادت أن تقطعها ، وظل رحمه الله يتألم منها ولا يستطيع المشي عليها حتى إعدامه بعد عدة شهور . واستخدموا مع الآخر أسلوب الحرق بالمدفأة الكهربائية ، والتي بقيت آثارها محفورة على ظهره شاهداً على همجية هؤلاء الزبانية .. وكان طالباً اسمه مأمون كردي من حماة أعدم هو الآخر بعد مدة رحمه الله .

     هذه صور من الحريـة التي نادى بها حزب البعث العربي الاشتراكي ، والتي أراد أن يعممها في الوطن العربي كله ، فسلط الله قيادته القطرية على قيادته القومية ، وأنهت دور حزب البعث منذ منتصف السبعينات أو قبل ذلك بقليل ... وبقي النظام الاستبدادي يحكم سوريا بالحديد والنار باسم حزب البعث ... يجمع وينهب خيرات سوريا ولبنان ، ويسود صفحة حزب البعث في العالم أجمع ... فأين أنتم أيها البعثيون الشرفاء الذين تغارون على حرمـة حزب البعث العربي الاشتراكي !!!؟ أين أنتم !!! ماذا تنتظرون !! التحقوا بالمعارضة السورية الداخلية والخارجية ، لنقف جميعاً من أجل إعادة الوحدة الحقيقة والحرية الصحيحة والاشتراكية العادلة لسوريا المغتصبة من قبل هذه ( المافيا ) ...

 
 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع وحدة العمل الوطني لكرد سورية Copyright © 2006
 | اتصل بنا | صفحة البداية | مواقع مختارة