صفحة البداية | من نحن |  اتصل بنا | مواقع مختارة 

 
حقوق الإنسان

دراسات

مقالات

من أعلام الكرد

من اللغة الكردية

من الأدب الكردي

جغرافيات

من المكتبة الكردية

تقارير إخبارية

صوتيات


 

 
 
 
 
 
  
 

 ملف
تركيا ومحيطها الاقليمي
بحث
الدكتور عبدالله التركماني
كاتب وباحث سوري مقيم في تونس

 

 تركيا ومحيطها الإقليمي ( 1 / 3 ) *
تتوقف مكانة القوى الإقليمية في المنطقة على وعي مراكز الثقل الإقليمية بالتحولات الاستراتيجية التي بدأت بالتشكل منذ سقوط جدار برلين في العام 1989، وعلى سعيها لتعزيز مصالحها بالشراكات الإقليمية، والأهم من هذا وذاك التوظيف العقلاني المجدي لمواردها الاقتصادية والبشرية ولموقعها الجغرا - سياسي.
وفي محاولتنا مقاربة دور تركيا في محيطها الإقليمي يجدر بنا أن نلاحظ:
(1) – السياسة الدولية لا تعرف حدودا لحركة الدول
المهم فيها هو الإرادة والتصميم والهدف الواضح، والرؤية الثاقبة والتوظيف الأمثل لعوامل القوة المتاحة.
(2) - الشراكة العالمية ومسؤولية النخب الحاكمة
على درجة المسؤولية التي تظهرها النخب الحاكمة، وعلى القدرة التي تبديها في جعل مصالح شعوبها في اتساق وتطابق مع مصالح المجموعة الدولية عموما والشعوب المحيطة بها بشكل خاص، تتوقف فرصتها في الحصول على موقع في هذه الشراكة. وبقدر ما يكون للدولة من مشاركة إيجابية في بناء إطار فعّال وناجع للتعاون الإقليمي، وبالتالي بقدر ما تساهم في تحسين فرص التنمية عند المجتمعات المحيطة بها وليس فقط داخل حدودها، تحظى بقدر أكبر من المصداقية ، وتزداد فرص حصولها على الشرعية العالمية.
(3) – توازنات القوى في الشرق الأوسط الكبير
منذ أن وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها لم تكن منطقة الشرق الأوسط متأججة فيها حمَّى الجغرافيا السياسية مثلما هي عليه الآن، فالمشهد السياسي لم يعد مقتصرا على قضية الصراع العربي – الإسرائيلي فقط، وإنما طفت على السطح مسائل أخرى ذات أهمية، مثل: " المسألة اللبنانية " و " المسألة العراقية "، وصار لدينا الآن " المسألة اللبنانية – السورية " و " المسألة الإيرانية ". ولم يعد الأمر يقتصر على ذلك، فالكلام مشْرَعٌ على " مسألة سنية " و " مسألة شيعية ".
ويعرف الشرق الأوسط الكبير سبعة مراكز للثقل: الهند وباكستان وإيران وتركيا وإسرائيل ومصر والسعودية. وهي تمتلك عناصر القوة، أو أغلبها، اللازمة للدور الإقليمي: الموقع الجغرا - سياسي، الكثافة البشرية، الإمكانات التسليحية، ديناميكيات الاقتصاد، الدور التاريخي، شبكة العلاقات الدولية.
محددات السياسة الخارجية التركية
يعتبر المستشار أحمد داوود أوغلو المنظّرالأهم للاستراتيجية التركية التي قوامها إخراج تركيا من بلد " طرف " عضو في محاور وعداوات، إلى بلــــد " مركز " على مسافة من الجميع، وفي الوقت نفسه إلى بلد ذي دور فاعل ومبادر في كل القضايا الإقليمية والدولية. وقد وردت ملامح هذه الاستراتيجية في كتابه الأشهر " العمق الاستراتيجي ".
‏‏لقد شهدت السياسة الخارجية التركية، خاصة منذ وصول حزب " العدالة والتنمية " إلى الحكم، تغيّرات عدة في التوجهات والتحركات، إذ باتت تعتمد على تعدد العلاقات وعدم حصرها في محور واحد، الأمر الذي حوّل تركيا إلى مركز في السياسة الدولية، بعدما كانت تعتاش على أطراف حلف " الناتو ". فوسط العواصف المندلعة قرب حدودها تحتفظ تركيا بهدوئها وحساباتها الواقعية، تسعى إلى إبعاد النار عن داخلها، وتحاول لعب دور الإطفائي حيث تستطيع، وتقدم نفسها كقوة استقرار في المنطقة، محاولة توظيف قدرتها على التحدث إلى الجميع.
المسعى التركي إلى تعزيز الدور الإقليمي
يبلغ عدد سكان تركيا حوالي 70 مليون نسمة ومساحتها 700805 كلم2، وهي أشبه بجسر يربط بين خمسة عوالم جغرافية - أتنية: العالم الأوروبي، والعالم الروسي، والعالم التركوفوني، والعالم الإسلامي، والعالم العربي. وقد جمعت تاريخيا بين الحضارتين الهيلينية والإسلامية، وفي حال تحولها نحو تطوير دورها الإقليمي فقد تستطيع زيادة فرص التفاعل بين العالم الخارجي والشرق الأوسط، لأنها دولة كبيرة وتشغل حيزا استراتيجيا مهما يطل على رقعٍ استراتيجية هامة: أوروبا والبلقان والبحر الأبيض المتوسط والعالم العربي من جهة، وروسيا وآسيا الوسطى ومنطقة القوقاز من جهة ثانية.
وقد سجل الاقتصاد التركي نموا معدله 5.9 % في عام 2003، وبلغ إجمالي الدخل القومي 240 مليار دولار، أما فيما يتعلق بالتجارة الخارجية فقد بلغ حجمها 116 مليار دولار في العام نفسه.
كما وفرت السياسة التركية أسسا داخلية مهمة لدور إقليمي، من خلال المضي في طريق الديمقراطية عبر نظام انتخابي تمثيلي، وكسر حدة التطرف سواء من جانب ذوي النزعة الطورانية أو من جانب جماعات الإسلام السياسي، كما عملت باتجاه إيجاد أسس لمعالجة مشاكل الأقليات القومية. إضافة إلى تحريك الواقع الاجتماعي في الداخل، بما يعطي فرصة أفضل لتعبّر مكونات المجتمع التركي عن نفسها وتطوير أوضاعها نحو الارتقاء والتقدم. وكلها تجعل تركيا في إمكانية أفضل للعب دور إقليمي مهم.
وتهتم تركيا في توجهاتها، وخصوصا تلك المتعلقة بالمنطقة العربية، بثلاث مسائل رئيسة: الأمن والاقتصاد والمياه. وهي المسائل التي تفتح مجالا جديدا لقراءة أكثر عمقا للخارطة السياسية في منطقة الشرق الأوسط عموما، وفي التوجه التركي تجاه هذه المنطقة على وجه الخصوص.
فالأمن، من وجهة النظر التركية، لا يعني فقط مقولة مكافحة " الإرهاب "، وإنما تحديد وسائل ضمان إزالة المخاطر التي تهدد السلام.
والمياه، إحدى أهم الأوراق الرابحة في اليد التركية، خصوصا بعدما دخل تنفيذ مشروع جنوب شرقي الأناضول " مشروع الغاب " مرحلة حاسمة ( يتمثل المشروع في إنشاء 22 سدا على نهري دجلة والفرات)، ووضع اليد التركية - بالتالي - على الموارد المائية الحيوية الخاصة بكل من سورية والعراق. وتتبدى أهمية المياه، كورقة رابحة في المنظور التركي، عبر المشروع المتعلق بتصدير المياه إلى دول المنطقة.
أما الاقتصاد، الذي يخضع بدوره إلى مفهوم يربطه بجملة التطورات الممكنة والمتمحورة حول الترتيبات الإقليمية في المنطقة، في إطار تسوية الصراع العربي – الإسرائيلي، فإنه تأكيد على مقدرة تركيا على دعم جميع المشروعات الاقتصادية المشتركة.
وإضافة إلى ماذكرناه، فإنّ المساعي التركية إلى دور إقليمي مؤثر له عدة مرتكزات:
أ - الانتماء لـ " الناتو "، كعضو نشط في ذلك الحلف.
ب - التحالف الوثيق مع الولايات المتحدة الأمريكية.
ج - الفضاء الحضاري - الإسلامي في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى.
وقد تكون تركيا أدركت أخيرا أنّ إهمالها لعلاقاتها شرقا، وتجاهلها لحقائق التاريخ والجغرافيا، وتعاميها عن موجبات المستقبل تجاه الجوار، قد أوصلتها إلى وضع أعاد إيقاظ كل هواجسها ورواسبها.
وفي هذا السياق، تشعر تركيا بأنّ المساهمة في مشروع الشرق الأوسط الكبير تشكل مدخلا لمرحلة جديدة، من شأنها فتح الباب واسعا أمام التحرك التركي في الاتجاهات كافة:
(1) - تجاوز الجفاء الناشئ في العلاقات التركية – الأمريكية، إثر الموقف التركي من الحرب على العراق واحتلاله، أي العودة إلى العلاقات الجيدة بين البلدين.
(2) - دفع أوروبا إلى تفهم الحقيقة الجغرافية الحضارية لموقع تركيا ودورها في السياسات الأوروبية المستقبلية، لا أن تكون مجرد دولة هامشية تحس بوطأة هويتها الإسلامية وهي دولة عضو في الاتحاد الأوروبي.
(3) - أن يتيح مشروع الشرق الأوسط الكبير لتركيا الفرصة تجاه دول الجغرافيا الإسلامية، انطلاقا من تقدمها الصناعي والعلمي في العديد من المجالات، ومستفيدة في الوقت نفسه من العوامل التاريخية والقومية والثقافية، والمعروف في تركيا بـ " العثمانية الجديدة ".
وترى أنه من شأن مشاركتها في مشروع الشرق الأوسط الكبير إعطاء دور لسياستها في رسم التطورات المتعلقة بمستقبل العراق وتحديدا شماله، سواء لجهة التخفيف من مخاوفها إزاء إقامة دولة كردية هناك، أو لجهة تحقيق دور تركي إقليمي في التطورات المقبلة، وهو الأمر الذي يعني لها الظهور بمظهر الدولة الإقليمية القادرة على رسم التصورات المستقبلية للمنطقة في إطار المشروع الأمريكي.
‏نقاط قوة وضعف تركيا
تملك تركيا نقاط قوة تؤهلها لدور هام في الشرق الأوسط، من أهمها:
1 - الثروة المائية، خاصة أنّ المنطقة مقبلة على نقص كبير في المياه لدرجة العطش.
2 - تملك قوة عسكرية لا يستهان بها، تسمح لها بالانتشار السريع وبشكل تقني وفعّال.
3 - تملك الديمغرافيا ( ما يزيد عن 70 مليون نسمة )، وهناك تركمان في العراق وبعض جمهوريات آسيا الوسطى الإسلامية.
أما نقاط ضعف تركيا فهي:
1 - عانت من محاولات فصلها ثقافيا عن المنطقة، وربطت نفسها بمعاهدات مع دول خارج هذه المنطقة، ولذلك فهي بحاجة إلى عودة ثقافية إلى روح وتاريخ هذه المنطقة.
2 - لتركيا ارتباطات مع إسرائيل، وهي ارتباطات ليست ديبلوماسية فقط، وإنما عسكرية، قد تكون محل نزاع بين تركيا وبعض دول الجوار.
3 - لتركيا مشاكل مع الأقليات الدينية والعرقية لهذه المنطقة: أكراد، وأرمن، وطوائف دينية غير سنية.
(*) – في الأصل ورقة قُدمت في إطار ندوة " تركيا والعرب والرهانات الاستراتيجية " بدعوة مشتركة من " منتدى الجاحظ – من أجل تنوير عربي إسلامي " في تونس و " مركز العادل للدراسات الاستراتيجية والتخطيط " في تركيا، خلال الفترة من 8 – 10 تشرين ثاني/نوفمبر 2006 في تونس.

 تركيا ومحيطها الإقليمي ( 2 / 3 ) *
أهم الأزمات التركية مع دول الجوار

تواجه تركيا جملة أزمات مع دول الجوار والمحيط، في مقدمتها:
1 - استمرار الأزمة القبرصية دون حل يرضيها، رغم مرور أكثر من ربع قرن على نزول القوات التركية على أراضي الجزء التركي من الجزيرة القبرصية وفرض تقسيمها، ورفض المجتمع الدولي الاعتراف بالجمهورية القبرصية التركية. وما يزعج تركيا هو اشتراط الاتحاد الأوروبي عليها وجوب تسوية الأزمة القبرصية وانسحاب القوات التركية من هناك، للقبول بها عضوا في هذا الاتحاد.
2 - الأزمة مع اليونان، التي تتخذ من الاختلاف على تعيين الحدود البحرية عنوانا علنيا لها، والتأييد الأوروبي لوجهة النظر اليونانية.
3 - الأزمة المتمثلة بفشل تركيا في استقطاب دول ما يوصف بالعالم التركي، عبر ما أُطلق عليه " الجامعة التركية " أو غير ذلك من أطر، وتفضيل غالبية هذه الدول التعامل المباشر مع الولايات المتحدة الأمريكية بعيدا عن تركيا.
4 - الأزمة الكردية النشطة في تركيا، والاشتراطات الأوروبية لحلها كمقدمة لقبول عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي.
5 - الأزمة العراقية بمختلف تشعباتها وانعكاساتها على تركيا آنيا ومستقبليا.
العلاقات التركية – الأمريكية – الأوروبية
قد يكون من أصعب الأمور على الإدارة الأمريكية، بعد احتلال العراق، هو كيفية تحقيق التوازن في علاقاتها مع كل من حليفتها التاريخية تركيا وحلفائها أكراد العراق. إذ أنّ الولايات المتحدة الأمريكية، التي تريد وضع الجميع في خدمة استراتيجيتها في المنطقة، بدأت تحس بوطأة افتراق أو تضارب أولوياتها مع الأولويات التركية إزاء العراق.
أما المفارقة الصعبة، بالنسبة لتركيا، أنه كلما ساءت علاقاتها مع الإدارة الأمريكية تحسنت علاقة الأخيرة بأكراد العراق، وكلما تحسنت العلاقات الكردية - الأمريكية كانت على حساب العلاقات الأمريكية – التركية. وقد تمثلت رؤية الحكومة التركية للموقف الأمريكي في‏:‏
‏1‏ - أنه لا ثوابت أمريكية محددة سوى الحفاظ علي مصالحها التي تبدو متحركة وغامضة‏،‏ بل ومثيرة للشكوك‏.‏
‏2‏ - أنّ الإدارة الأمريكية قد تقدم على مغامرات جديدة في المنطقة‏،‏ تضر بمصالح تركيا المباشرة‏.‏ وعلى سبيل المثال،‏ فإنّ أي تهديد أمريكي لإيران أو سورية أو كليهما سيكون له أضراره الخطيرة على المصالح الوطنية التركية‏.‏
‏3‏ - أنّ العلاقات الأمريكية - التركية تعرضت لهزة عميقة‏،‏ بسبب رفض البرلمان التركي السماح بنشر الآلاف من الجنود الأمريكيين في تركيا عشية الحرب ضد العراق‏.‏
وبدافع هذه الرؤية،‏ تحركت تركيا للعمل علي مسارين‏:‏ أولهما، الحفاظ على علاقاتها مع الإدارة الأمريكية والنهوض بها‏،‏ وفق ضوابط لحدود الاستقلال والتبعية‏، بمعيار المصالح الوطنية التركية‏.‏ وثانيهما، تطوير منظومة جديدة من العلاقات الإقليمية‏، وبالذات مع سورية وإيران بخصوص الأزمة العراقية‏،‏ ومع مصر والسعودية وسورية والسلطة الوطنية الفلسطينية بخصوص السلام العربي - الإسرائيلي‏.‏
أما العلاقات التركية – الأوروبية فيبدو أنهما " قطاران يسيران في اتجاه التصادم " حسب تعبير وزير خارجية ألمانيا السابق يوشكا فيشر: في الوقت الذي تتضح فيه أزمة الخاصرة الشرقية لأوروبا ( إيران، العراق، سورية، صراع الشرق الأوسط، آسيا الوسطى، وجنوب القوقاز) وتبرز فيه الأهمية القصوى التي تتمتع بها تركيا بالنسبة للأمن الأوروبي، فإنّ أوروبا تظهر عدم اهتمامها بالعلاقات التركية- الأوروبية.
ويبدو أنّ قبرص يمكن أن تكون بوابة تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، فقد كان رئيس وزراء تركيا رجب طيب أردوغان أول مسؤول تركي يبدي مرونة ويعرب عن إصراره على حل القضية القبرصية سريعا، إذ اعتبر " أنّ السياسة هي فن الممكن وحصد النتائج، وماذا يفيد التعنت والتشدد وكوننا صقورا أو حمائم في حال لم نحصل على نتيجة ؟ ". حيث أعلن موافقته على حل يقوم على النموذج البلجيكي، وعلى اعتبار ما تقدم به الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان أساسا لبدء مفاوضات الحل ( ما طرحه أنان من حل للقضية القبرصية يقوم على أساس تشكيل دولة قبرصية اتحادية جديدة بين دولتين قبرصيتين مؤسستين). وفيما يعتبر الأتراك أنّ الحل المطروح سيقدم اعترافا بجمهوريتهم القبرصية التركية كدولة مؤسسة، ونهاية لجمهورية قبرص اليونانية، فإنّ اليونانيين يقرؤون الحل من زاوية أنّ جمهورية قبرص، التي يمثلونها اليوم، ستتغير وتتوسع لتكون الدولة الجديدة امتدادا لها.
أما جمهوريات آسيا الوسطى، فقد جربت تركيا، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، أن تنظر شرقا نحو جذورها الطورانية في هذه الجمهوريات ، ولكنها اكتشفت أنّ تلك المنطقة مجرد وهم قومي زائف غير ذي جدوى على كافة المستويات. إذ بدا أنّ المشكلات الرئيسية التي اعترضتها في مناطق آسيا الوسطى وما وراء القوقاز، لم تكن متمثلة بالمحاولات الإيرانية فقط، بل بمحاولات روسيا أيضا الرامية إلى إعادة فرض سيطرتها على المنطقة، وضمان حصة كبيرة في عملية تسويق ثروات الطاقة الموجودة في حوض بحر قزوين.
أما العلاقات التركية – الإيرانية، فبالنظر إلى تاريخ العلاقة، نجد أنّ الخط البياني لها كان متعرجا، مر بمحطات ثلاث: صدام في العهد الصفوي - العثماني، ثم خصام في العهد الشاهنشاهي - الأتاتوركي، ثم وئام حذر في السنوات الأخيرة. وقد كان محور الصراع بين هاتين الدولتين يرتكز على محاولة بسط النفوذ والسيطرة على المنطقة، بالاعتماد على الموقع الجيو - استراتيجي لكل منهما، وثقلهما الطائفي " الشيعي، السني ".
إنّ اتخاذ إيران موقفا مماثلا لموقف تركيا من الوضع في العراق، يوفر قاعدة متينة لتعاونهما في المستقبل. ومن الممكن أن تتيح السياسة المعتدلة، التي تنتهجها الحكومة التركية الحالية، الفرصة لتطوير العلاقات الاقتصادية بين البلدين على نحو يؤدي إلى تدعيم اقتصاديهما.
أما الأجندة الخفية للوئام الحذر التركي - الإيراني، فلكل طرف مآربه ورسائله التي يود إرسالها لجهات معينة: بالنسبة لإيران، الهدف هو الإبقاء على قناة اتصال حيوية مع الأمريكيين، عبر تركيا، واتخاذ الأخيرة جسر عبور نحو الغرب الأوروبي. وتاليا، تغدو تركيا عقدة اتصال أمريكية - أوروبية، وربما إسرائيلية لإيران، ما من شأنه كسر طوق العزلة الذي تفرضه الإدارة الأمريكية على إيران، وتعيدها لواجهة التوازنات الإقليمية والعالمية، وخاصة بعد اشتداد هذا الطوق على إيران، على خلفية تفاعل المخاوف من ملفها النووي إقليميا ودوليا.
أما تركيا، فلعل أهم ما تنطوي عليه أجندة تحالفها مع إيران هو استفزاز وابتزاز الغرب الأوروبي، بأنه في حال وجود أية ممانعة أو رفض للمسعى التركي في الانضمام لأوروبا، فإنّ ذلك سيعيد تركيا إلى ماضيها الإسلامي، بما ينطوي عليه ذلك من تغذية الأصولية والتطرف المجاور لأوروبا. كما تنطوي هذه الأجندة على استفزاز وابتزاز للأمريكيين أيضا، وإفهامهم بضرورة الاستجابة للمطالب التركية، لجهة لجم الطموح الكردي العراقي في إقامة دولة مستقلة عاصمتها كركوك، وإتاحة المجال للآلة العسكرية التركية لملاحقة حزب العمال الكردستاني في العراق. ولكي تعزز تركيا ابتزازها للإدارة الأمريكية، قامت بتحسين علاقاتها مع سورية بالتوازي مع إيران، في محاولة لتنبيه الأمريكيين إلى خطورة تجاهل الضغوطات التركية المهددة بالدخول في الخندق السوري - الإيراني.
ومن جهة أخرى، كان هناك نصح تركي واضح لإيران بعدم التحرك في الموضوع النووي منفردة، والتفاهم حول ذلك مع المجتمع الدولي. ويبدو أنّ للمسألة الإيرانية، بالنسبة لتركيا، خصوصيات متعددة: فالمسألة ممتلئة بالحراك، وستبقى مدار نقاشات لأشهر طويلة، ومع تفاقم هذه الأزمة سيكون خيار تركيا أمام ازدواجية مواجهتها للتداعيات التي قد تنجم عن هذه المسألة على الداخل التركي. فالخاصية المعقدة للمسألة الإيرانية تجعل من غير الممكن التوصل إلى حل لها في المدى المنظور، لهذه الأسباب فإنها، بالنسبة لتركيا، تأتي بمعنى " الأزمة المستمـرة ".
إنّ تأثيرات المسألة الإيرانية على تركيا تتمثل في ثلاثة مجالات: اقتصادية، وسياسية، وأمنية. وكلما ارتفعت العصا الدولية في وجه إيران كلما كبر حجم المأزق التركي في التعرض لضربات مجانية، لمجرد كون تركيا جارا تاريخيا لإيران. فإذا تعمقت الأزمة وصدر قرار دولي بعقوبات، فإنّ تركيا ملزمة بالانسجام معه، لكنّ هذا الانسجام سيؤثر على قطاعات المواصلات والسياحة والتجارة الخارجية والطاقة.
ومن جهة أخرى، يبدو أنّ تركيا استفادت من الأزمة الإيرانية لتحولها مناسبة لتذكير إسرائيل بالفرصة التاريخية التي سنحت لها اليوم لمراجعة حساباتها وسياساتها النووية، أكثر من التوقف عند نصائح ودروس تعطى لإيران بهذا الشأن، والغاية هي طرح فكرة التوافق الشرق أوسطي، والترويج لضرورة ترجيح التعامل السلمي على موضوع استخدام التكنولوجيا النووية.
وفي كل الأحوال، يجدر بنا إدراك مدى الأهمية التي تتمتع بها تركيا لدى الاستراتيجية الأمريكية الخاصة بمنطقة الشرق الأوسط، إذ نلاحظ أنّ الإدارة الأمريكية هي اليوم تحتاج إلى تركيا أكثر من أي وقت مضى، لكي تلعب دورا في سلسلة من الأدوار في الشرق الأوسط الكبير.
ويؤكد ذلك، كمثال، الدور الاستراتيجي التركي الحيوي للولايات المتحدة الأمريكية في آسيا والبلقان، في ظل المشاريع الخاصة بنقل النفط: خط النقل النفطي من أذربيجان عبر جورجيا إلى ميناء جيهان التركي بطول 1750كم، بدعم أمريكي مباشر، وذلك لحرمان روسيا وإيران من المرور عبرهما.
العلاقات التركية – العربية
مرت العلاقات العربية - التركية بمراحل مختلفة ومتنوعة، اتسمت بالصراع والتعاون والاتفاق والاختلاف، وكان القرن العشرون قرن المشكلات والشكوك بالنسبة لهذه العلاقات. لكنّ نهاية الحرب الباردة أثّرت على نظرة تركيا إلى العالم العربي، إذ " تغيّر العالم كما تغيّرت المقاييس، ودخلنا عالما تسيطر فيه علاقات التبعية المتبادلة، وهذا ما يحتم إعادة تحليل العلاقات التركية - العربية ".
ففي خضم الهجمة الأمريكية على المنطقة، وقفت حكومة حزب " العدالة والتنمية " التركية مع جوارها العربي، فرفضت دخول الحرب على العراق، كما رفض الرئيس أحمد نجدت سيزار ضغوطا أمريكية لتأجيل زيارته الرسمية لسورية. وأوضحت هذه الحكومة، بما لا يدع مجالا للشك، بأنها خلقت لسياساتها الخارجية هامش حرية كبيرا، بعيدا عن علاقاتها مع الإدارة الأمريكية، تبدي فيه أولوية لمصلحة علاقاتها مع دول الجوار.
وتأتي أهمية دراسة العلاقات العربية - التركية من طبيعة الظروف الراهنة، التي تمر بها المنطقة التي تتسم بالاختلال في الموازين الإقليمية لغير صالح العرب، ويمكن لتركيا أن تلعب دورا مؤثرا فيها. ذلك أنّ تركيا تبدو من أكثر دول الجوار حضورا، والأكثر قدرة على التأثير في اتجاهات وخيارات النظام العربي.
وتعتبر الدول العربية ثالث شريك تجاري لتركيا، بعد الاتحاد الأوروبي ومجموعة الكومنولث، كما يمثل العرب ثاني أهم مورد سياحي لتركيا بعد السياحة الأوروبية. ويزيد حجم التبادل التجاري بين تركيا والدول العربية على خمسة مليارات دولار، كما أنّ هناك مجموعة من الاستثمارات العربية في تركيا، تقابلها استثمارات تركية في عدة دول عربية.
وفي الحديث عن دور تركيا الاستراتيجي الإقليمي، خصوصا تجاه العالم العربي، لا يمكن إغفال أهمية المياه في تحديد مسار العلاقات التركية - العربية. فتركيا هي الخيار الوحيد لتزويد دول المشرق العربي بالمياه، وهذه الطاقة المائية الحيوية، قد تكون عاملا مساعدا لدور تركيا الإقليمي وذلك ضمن الاعتبارات الآتية:
- أن تشكل مؤشرا لتعاون مائي بين تركيا والمنطقة العربية.
- أن تسهم في إضعاف العلاقة السلبية التركية – العربية، فلا تعود تركيا تستخدم المياه كقوة ضغط حياتي وسياسي على العرب، ولا يبقى العرب أسرى الحساسيات التاريخية فيرفضون فكرة أن يكونوا رهينة لتركيا، وذلك في إطار سياسة بنّاءة للإعمار والسلام.
ومما لا شك فيه أنّ أمام القيادات العربية فرصة تاريخية لإعادة النظر في علاقاتها المتقلبة مع تركيا، والسعي بجدية لكسبها كحليف إقليمي قوي. فتركيا سوق كبيرة وفعّالة، وقريبة من أسواق أوروبا وروسيا ووسط آسيا، ومن الممكن أن يجد العرب في هذه السوق التركية مجالات واسعة للاستثمارات في مختلف المجالات، كما أنّ تركيا بحاجة للأسواق العربية في مجالات اقتصادية عديدة، وهناك أيضا التراث الثقافي بين تركيا والعالم العربي الذي يعطي فرصة كبيرة لنمو التعاون الثقافي بين الجانبين.
وفي المقابل، فإنّ أهم حدث، بعد نهاية الحرب الباردة، بالنسبة إلى وضع تركيا في المنطقة، هو التطورات الكبيرة التي شهدتها العلاقات التركية - الإسرائيلية، حيث وضعت تركيا نصب عينيها مدى تأثير إسرائيل على الولايات المتحدة الأمريكية. إذ أنّ " اللوبي اليهودي " يعتبر عنصر توازن لمصلحة تركيا مقابل " اللوبي اليوناني " و " اللوبي الأرمني ".
لكنّ التعاون العسكري التركي مع إسرائيل وصل إلى مراحل متقدمة، خاصة منذ إبرام اتفاق شباط/فبراير 1996 للتعاون العسكرى والاستراتيجى بين البلدين، وما تبعه من اتفاقات لاحقة شملت التعاون في الصناعات العسكرية والمشروعات العسكرية المشتركة، والتعاون بين القوات الجوية والبحرية، والمناورات العسكرية المشتركة، والتعاون الأمني والاستخباري، إلى جانب العلاقات الاقتصادية. مما دعا البعض إلى القول - صراحة - أنه تحالف استراتيجي يتجاوز التعاون العسكري ويهدد الأمن القومي العربي.
وفي إطار هذه المحددات، فإنّ التحالف الاستراتيجي بين تركيا وإسرائيل مرشحا للتصاعد، في إطار أدوار محددة ووظائف جديدة لهما تحت المظلة الأمريكية، وفى خدمة أهدافها الاستراتيجية في إطار إعادة تشكيل البنية الأمنية والاقتصادية للشرق الأوسط.
ففي الرؤيا التركية، أنّ لتصدير المياه إلى الشرق الأوسط أهمية كبرى في المنظور الاستراتيجي والسياسي، وأنّ تحقيق صفقة المياه التركية – الإسرائيلية سيؤدي إلى توثيق العلاقات السياسية، ويبرز الاحتمالات الكامنة في التعاون الاقتصادي في الشرق الأوسط في عصر السلام. كما أنّ صفقة المياه ذات أهمية أيضا لأنها ترتبط، من ناحية الأتراك، بتنفيذ المشاريع الإسرائيلية ـ التركية في منطقة جنوب شرق تركيا.
وباعتبار أنّ تركيا تتمتع بعلاقات وثيقة مع كل من إسرائيل والسلطة الوطنية الفلسطينية، منذ السنوات الأولى على تأسيسهما، فإنها تكرر رغبتها في أن تكون عاملا مساعدا في المسيرة السياسية، ويعود الأمر إلى علاقاتها الطيبة مع كل الأطراف، ومع الرغبة الحقيقية في المساعدة لإيجاد حل، وبالطبع انطلاقا من المصالح الداخلية والإقليمية لديها أيضا.
وفي هذا السياق، فضلت تركيا أن تنظر إلى فوز " حماس " بعيون أمريكية وأوروبية، وهو موقف سُجل كدلالة على دعمها توسيع رقعة الحريات والديمقراطية والشفافية، كما سُجل كنقاط لحساب صورة تركيا التي تنتمي إلى الغرب وتشاركه قلقه مما يسميه " الإرهاب ". وهنا كان يمكن لحكومة " العدالة والتنمية " أن تلعب دور الراعي أو الكفيل، من خلال مد يدها إلى الحركة وتشكيل جسر بينها و بين أوروبا. لكنّ انعطافة قيادة " حماس " نحو الإسلام السياسي الراديكالي الإيراني، بدلا من الإسلام السياسي المعتدل التركي، قد فوّت الفرصة أمام تركيا.
ولكنّ التطورات التي تشهدها المنطقة، بعد احتلال العراق والمساعي الأمريكية والإسرائيلية الجارية لإعادة ترتيب المنطقة من جديد، أدت إلى بروز مجموعة من المتغيّرات التي لها علاقة بطبيعة ومسار العلاقات التركية – الإسرائيلية، ولعل من أهم هذه الوقائع والمتغيّرات :
1 - انتفاء " العدو المشترك - العراق وسورية "، وانطلاقا من هذا المعطى الجديد تسعى تركيا إلى تحسين علاقاتها مع الدول العربية، خلافا لرغبة إسرائيل والإدارة الأمريكية.
2 - المتغير الداخلي التركي، الذي تمثل بوصول حكومة حزب " العدالة والتنمية " إلى الحكم. فمنذ وصول هذه الحكومة إلى سدة الحكم تشهد العلاقات التركية - الإسرائيلية تراجعا كبيرا في الجانب السياسي، ومؤخرا في الجانبين العسكري والأمني، فقد ألغت تركيا أخيرا مجموعة من العقود العسكرية مع إسرائيل.
3 - أنّ تركيا، التي تعاني من مشكلة كردية متشعبة ومعقدة، تنظر بعين الشك والقلق إزاء الدور الإسرائيلي في العراق، ولا سيما في مجال النفط، وسط حديث عن احتمال إعادة العمل بخط أنبوب كركوك - عكا القديم.
4 - أنّ تركيا تطمح إلى إعادة ترتيب علاقاتها مع الدول العربية، بما يعزز مكانتها لدى كل من أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، من خلال تأكيد مقولتها التاريخية: تركيا تشكل جسرا حضاريا بين الغرب والإسلام، على أسس سياسية معاصرة، تمتزج فيها المصالح بالأمن والجغرافيا والعوامل الثقافية والسياسية.
وبالرغم من كل ذلك، لا يبدو أنّ هناك مجالا للشك في حقيقة أنّ كلا من إسرائيل وتركيا تنظر إلى التحالف القائم بينهما باعتباره ركنا ثابتا في استراتيجيتيهما السياسية والعسكرية على الصعيد الإقليمي، كما أنّ الجانبين يعتبران أنّ هذا التحالف يشكل تجسيدا لمصالح حيوية مشتركة، ومصدرا لأفضليات عدة، على صعيد التوازنات الاستراتيجية في المنطقة، وإلى حد يجعل من الصعب على أي منهما التخلي عنه، مهما كانت الدوافع الجانبية التي قد تستدعي ذلك.
وفي هذا السياق، يبدو أنّ التحرك التركي تجاه لبنان سيمنحها فرصة التدخل المباشر على خط إقليمي ساخن آخر، يحمل لها فرصة العودة إلى الساحة الإقليمية، التي أهملتها لسنوات طويلة، ويمكّنها من حل العديد من قضاياها العالقة مع العديد من اللاعبين المحليين والإقليميين، ويسهّل لها جمع المزيد من النقاط وتسجيل أهداف غير متوقعة في مرامي الكثيرين. إذ يبدو أنّ مجموعة أمور درستها القيادة التركية، بتأنٍ، قبل إقرار المشاركة في " اليونيفيل " ومنها: أنّ ما يحصل اليوم هو تحول كبير، باعتبار لبنان نقطة الصدام والحسم، الأولى والأبرز، في نوعية الشرق الأوسط الذي سينشأ لاحقا. وباعتبار هذا التحول الكبير، الذي عكس جانبا منه العدوان الإسرائيلي على لبنان، ودور " حزب الله " كذراع إيرانية على شاطئ المتوسط، جعلت دول الغرب كلها تصر على ضرورة مشاركة تركيا في القوة الدولية:
- فهي الوزن السني المقابل لإيران الشيعية.
- وهي الوزن والدور المقبول من الغرب وإسرائيل والعرب السنة.
- وهي الوزن القابل للعب دور إقليمي حيوي، قد لا تتهيأ له تركيا مرة أخرى، وقد ينعكس سلبا عليها في حال بقائها محايدة ومتفرجة.
- وهي الوزن الذي قد يلعب دور " القابلة القانونية " لولادة سلام عربي –إسرائيلي في المستقبل المنظور.
(*) – في الأصل ورقة قُدمت في إطار ندوة " تركيا والعرب والرهانات الاستراتيجية " بدعوة مشتركة من " منتدى الجاحظ – من أجل تنوير عربي إسلامي " في تونس و " مركز العادل للدراسات الاستراتيجية والتخطيط " في تركيا، خلال الفترة من 8 – 10 تشرين ثاني/نوفمبر 2006 في تونس.

 تركيا ومحيطها الإقليمي (*) ( 3 / 3 )
تركيا – سورية
يدخل تحسن العلاقات بين البلدين في سياق تفاهم النظامين، السوري والتركي، المرتبط بعملية إعادة تعريف كل دولة لوزنها ولدورها الإقليمي في المنطقة. إذ هناك إجماع في تركيا على أنه في عالم ما بعد الحرب الأمريكية على العراق، تقف البلاد في وسط معطيات جيو - سياسية واستراتيجية جديدة. كما يدرك أيضا النظام السوري أنه لا يمتلك أسباب القوة السياسية والاقتصادية والاستراتيجية التي تمتلكها تركيا، وبالتالي فإنّ المطلوب منه هو تغيير النهج والتوجهات، بما يتوافق مع المستجدات الجديدة في المنطقة، وبما يعود إلى تعزيز البيت السوري وتحصينه من آثار تدخلات الخارج.
لقد تركزت العلاقات التركية - السورية على امتداد العقود الماضية في ثلاثة عناوين:
1- اختلاف موقع كل بلد من العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية: فسورية كانت، في العين الأمريكية، بلدا يدعم " الإرهاب "، ويتعاون مع دول " محور الشر ". في حين أنّ تركيا لم تكن في هذا الموقع، بل كانت ولا تزال حليفا للولايات المتحدة الأمريكية.
2- العلاقات التركية مع إسرائيل: كان هذا الموضوع خلافيا، ففي حين كانت سورية تواجه صراعا وجوديا مع إسرائيل، كانت تركيا تنسج أفضل العلاقات التحالفية معها، والتي تُوجت بالاتفاق العسكري في العام 1996.
3- مشكلات بنيوية ثنائية: في مقدمتها مسألة المياه ومشروع " غاب " التركي لبناء السدود، والذي ينطوي على إمكانات ضغط اقتصادية كبيرة على سورية، ولم يستطع البلدان - حتى الآن - التوصل إلى اتفاق نهائي بينهما، ومع العراق، لحل هذه المشكلة.
4- إنّ مستقبل الوضع في العراق يشكل محددا أساسيا للملامح التي سيتخذها التعاون التركي – السوري، فبقدر ما يشعر البلدان بأنهما مهددان استراتيجيا من الخاصرة العراقية بقدر ما سيتكثف هذا التعاون.
إنّ التقاء وجهة نظر سورية وتركيا حول ضرورة الحفاظ على وحدة الأراضي العراقية، هو أبرز ركائز التعاون بينهما. لكنّ تحولا آخر قد يتيح تجاوز العلاقات الثنائية عقبة أساسية أمام تطويرها، وهو تعزيز العلاقات بمعزل عن طبيعة العلاقات التركية مع إسرائيل، ما دامت هذه العلاقات لا تؤثر سلبا على العلاقات التركية - السورية، بل ربما تفتح هذه النقطة أمام اضطلاع تركيا بدور وسيط في جهود السلام بين سورية وإسرائيل.
5 - الدور الإيراني في المنطقة، إذ يشكل هذا الدور محددا في طبيعة التقرب التركي من سورية والعراق والدول العربية عموما، وينبغي القول هنا أنّ هذا البعد يأخذ طابع المنافسة على الدور والاقتصاد والتجارة والمشاريع الإقليمية الكبرى، في مجال التجارة والمواصلات والغاز والكهرباء والنفط والمياه، فضلا عن أنّ الإدارة الأمريكية تريد من الدور التركي هنا تحقيق التوازن في مواجهة الدور الإيراني.
ولعل السمة المميزة لهذه القضايا مجتمعة، هي أنه بقدر ما أنّ هذه القضايا هي قضايا مشتركة للنزاع والخلاف والتوتر بقدر ما هي قضايا للتعاون والحوار والتفاهم في الوقت نفسه.
ففي حين حققت سورية " الاختراق " من جانبها بزيارة الرئيس بشار الأسد إلى تركيا في كانون الثاني/يناير عام 2004، فإنّ زيارة الرئيس التركي أحمد نجدت سيزار لسورية في آذار/مارس 2005 جاءت تصميما على السير قدما نحو التنسيق بين البلدين.
ويمكن القول: إنّ الاتفاقات التي وُقعت بين تركيا وسورية ستعزز الترابط الاقتصادي بين البلدين، باعتباره وسيلة للتكامل الاقتصادي الذي يفيد من حدود مشتركة طولها يزيد عن 800 كيلومتر، تقيم فيها على الجانبين عائلات وعشائر تربطها وشائج وروابط قربى ضاربة الجذور في التاريخ العثماني، لذا كان مهما اتفاق الجانبين على إقامة مناطق للتجارة الحرة على جانبي الحدود، كما اتفقا على استثمار الأراضي الزراعية المتاخمة للحدود بعد نزع الألغام منها.
ومن جهة أخرى، يبدو أنّ ثمة مجموعة أسباب قد دفعت نحو التوافق بين الطرفين، إذ أنّ الاحتلال الأمريكي للعراق جعل حلم أكراد العراق بكيان مستقل أمرا أكثر واقعية، ولو ارتدى عباءة النظام الفيديرالي ضمن العراق الواحد. والخوف من مرحلة ما بعد الكيان الكردي عجل في الاندفاع السوري نحو تركيا والعكس صحيح، فالبلدان لهما مصلحة في الحفاظ على وحدة الأراضي العراقية. وإلى ثنائية الرفض السوري - التركي تنضم إيران، المعنية هي الأخرى بعدم قيام كيان كردي في العراق يدغدغ أحلام الأكراد الإيرانيين بالانفصال.
وفي الواقع، مثل هذا التطور الإيجابي في العلاقات لم يكن ممكنا لولا مجموعة من العوامل والمقدمات، التي حدثت في هذه العلاقات ومهدت الأرضية لإمكانية بناء علاقات إيجابية، ومن هذه المقدمات والعوامل:
* اتفاق " أضنة " الأمني الذي تم التوصل إليه في أعقاب أزمة صيف العام 1998، وكان الاتفاق بمثابة طي لملف حزب العمال الكردستاني وزعيمه عبدالله أوجلان، وفي الوقت نفسه جاء بمثابة الاتفاق على شكل " إعلان مبادئ " لبناء علاقات جديدة.
* الرغبة المتبادلة في إيجاد مصالح مشتركة، واقتضت هذه الرغبة زيارات متبادلة بين وفود عالية المستوى، أسفرت عن استئناف عمل اللجان والهيئات المشتركة بعد توقف دام اثني عشر عاما، وقد أدى استئناف عمل هذه اللجان إلى بلورة خيار التعاون الاقتصادي بين البلدين.
* توفر الإرادة السياسية والرغبة المشتركة لفتح صفحة جديدة بين البلدين.
وقد اختارت الدولتان ما يمكن تسميته بـ " المنهج الوظيفي" مدخلا لعلاقتهما، والافتراض، في إطار هذا المنهج ، أنّ التعاون في المجالات الاقتصادية والفنية، غير السياسية المباشرة، يمكن أن يفضي إلى درجة عليا من درجات التحالف السياسي، يضع العلاقات الجديدة في إطار استراتيجي، وليس مجرد لقاء تم على خلفية المخاوف المشتركة من المسألة الكردية في شمال العراق.
وفي سورية، فُهمت العلاقة الجديدة مع تركيا كـ " اختراق سياسي " لعملية الاحتواء الأمريكية ومحاولة عزلها عن محيطها الإقليمي، مع كل الرهانات على الجوانب الاقتصادية التي يفضي إليها نهج التعاون الوظيفي مابين البلدين.
ومن مظاهر ذلك، أنّ الرئيس السوري بادر بسؤال نظيره التركي، خلال إحدى الاجتماعات: " لماذا لا نجد إطارا خلاقا لمستقبل التعاون الاقتصادي بين بلدينا، يقوم على اعتبار لواء الاسكندرون، بما فيه مرافقه الاقتصادية، منطقة حرة مشتركة لكل من تركيا وسورية معا ؟ ويمكن أن تشكل المنطقة المذكورة رأس جسر بين سورية وأوروبا مستقبلا عبر البوابة التركية، وخصوصا في إطار التعاملات التجارية والصناعية مع أوروبا، الأمر الذي يجعل من تركيا نقطة متقدمة لأوروبا في الشرق الأوسط، ومفتاحا لتوسيع علاقات سورية بالاتحاد الأوروبي مستقبلا ".
ومن جهتها، تعتقد حكومة حزب " التنمية والعدالة " أنه من الطبيعي، بالنظر إلى البيئة الإقليمية المتعددة للسياسة الخارجية التركية، أن تتقاطع " علاقة الارتباط " بين تركيا وسورية مع ملفات أخرى تتصل بخيارات استراتيجية تركية، مثل السعي إلى عضوية الاتحاد الأوروبي، والتزام التوجهات الجديدة لمنظمة حلف شمال الأطلسي، وسياسة التعاون والتنسيق مع الولايات المتحدة الأمريكية.
وفي إطار الحديث عن الظروف الإقليمية الجديدة، التي توفر فرصا جديدة لدفع العلاقات التركية - السورية نحو التحالف، يُشار إلى الرؤية المشتركة في شأن مضاعفات التطورات في العراق، حيث ظهر أنّ المنطقة ترتبط بمصير واحد وتواجه تحديات ومخاطر مشتركة، وأنّ تطور الأزمات في بلاد الرافدين يؤثر على البلدان المجاورة، وفي مقدمتها سورية وتركيا. والنتيجة، التي توصلت إليها النخب السياسية التركية بمختلف تلاوينها، هي أنّ علاقات طبيعية مع جارٍ يمثل بوابة جنوبية غاية في الاتساع، خيار استراتيجي، لا ينبغي التغافل عنه أو التقليل من شأنه.
وفي الواقع، لا يمكن النظر إلى مستقبل العلاقات السورية - التركية، على الرغم من الهدنة التي فرضتها الظروف القائمة، بما فيها مشكلة المياه، خارج إطار الأبعاد الإقليمية والدولية المستجدة. فالتحرك التركي باتجاه الشرق الأوسط، ولعبة تقاسم المياه، تتحكم به معادلات دولية والنظام العالمي الجديد، وتؤثر فيه عملية توزيع الأدوار في ظل هذا النظام. والفرضية التركية، التي وصلت بكل وضوح إلى سورية، تقوم على أنّ الوجه الأطلسي لتركيا وعلاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة الأمريكية، يجب ألا يؤثر سلبيا على العلاقات التركية - السورية في حال تعاظم الضغط الأمريكي على سورية، وأنّ التحالف التركي مع إسرائيل لن يكون على حساب التطلع إلى التحالف الجديد مع سورية.
إنّ الآفاق، التي فتحتها المناخات الإيجابية بين البلدين، أرحب بكثير من الانطباع المبدئي الذي كان سائدا أواخر التسعينيات. فسورية تستطيع أن تقدم لتركيا فرصة كبيرة للتفاعل الاقتصادي مع جميع دول المشرق العربي دون استثناء، عبر الطرق البرية السهلة، التي تنقل البضائع التركية إلى هذه الدول، وهي أيضا المكان الأمثل لخطوط الطاقة العربية الحاملة للنفط والغاز الضروريان لبلد يسير بخطى حثيثة على طريق التنمية والتصنيع والتصدير، إضافة إلى أنها أرض خصبة لاستثمار سوق مهمة للتبادل التجاري.
وطوال الأعوام التي أعقبت اتفاق " أضنة " تحسنت العلاقات السورية – التركية، وهذا ما عكسه تبادل الوفود على المستوى الرسمي ومستوى المؤسسات الخاصة بوتائر عالية. وإذا كانت الزيارات المتبادلة تعكس تطورا في علاقات الجانبين، فإنّ في " استراتيجية الجوار " السورية إزاء تركيا، ما هو أكثر من الزيارات، إذ يمكن ملاحظة ثلاث نقاط أساسية: أولاها، تبريد الخلافات السورية – التركية، وفي ملف هذه الخلافات موضوع " لواء اسكندرون "، وموضوع اقتسام مياه دجلة والفرات، التي تحاول سورية، منذ سنوات عديدة، التوصل لاتفاق دائم لاقتسامها بشكل عادل ووفقا للقانون الدولي بين تركيا وسورية والعراق.
وثانيتهما، تبدو في انفتاح سوري - تركي على حركة مرور البضائع والأشخاص عبر الحدود، حيث قامت السلطات السورية بتخفيف وتبسيط الإجراءات الحدودية، الأمر الذي قوبل من الجانب التركي بإجراءات مماثلة، مما رفع عدد عابري الحدود من الجانبين إلى أكثر من مليون شخص سنويا، وزاد في قيمة البضائع المتبادلة بين الجانبين إلى أكثر من مليار ونصف مليار دولار، حسب أرقام سورية.
وثالثتها، هي خلق علاقات تعاون مستقبلي من أجل ترسيخ مصالح الطرفين وتقوية علاقاتهما، وفي هذا يمكن النظر إلى مشروع الربط الكهربائي الإقليمي، الذي يجمع سورية وتركيا إلى جانب العراق والأردن ومصر ولبنان، ومثل ذلك مشروع أنبوب نقل الغاز الذي تشارك فيه تركيا وسورية.
هل يمكن العودة إلى سياسة الاختلاف ؟
يرى المحللون الاستراتيجيون أنّ مستقبل العلاقات التركية - السورية سيبقى مرهونا بمجموعة من المحددات، بعضها يرتبط بالدولتين، والبعض الآخر يرتبط بالظروف الإقليمية التي تشهدها المنطقة. ففيما يتعلق بالدولتين تمثل قضية المياه إحدى القضايا العالقة بين الجانبين.
أما على الصعيد الإقليمي، فيشكل التحالف التركي - الإسرائيلي العقبة الرئيسية في تطوير العلاقات بين البلدين، وبينما تؤكد تركيا أنّ علاقتها مع إسرائيل تمثل أهمية حيوية لها، ولمصلحتها الاستراتيجية، ترى سورية أنها تؤثر سلبا في العلاقات معها ومع الدول العربية، خاصة في ظل العاملين التاليين: الأول، اتجاه إسرائيل إلى شراء المياه التركية، وهو ما يشكل خطرا كبيرا على الأمن القومي العربي، مما سيؤدي إلى حدوث أخطار مائية في كل من سورية والعراق، حيث سينخفض نصيب الأولى من المياه بنسبة 40% والثانية بنسبة 80% ، وقد تستخدم إسرائيل هذا الاتفاق كورقة ضغط تفاوضية للضغط من أجل تحقيق أهدافها وأطماعها في بحيرة طبرية.
وفي هذا السياق، يجب ألا يغيب عن الحسابات أنّ تركيا، في خياراتها الاستراتيجية تجاه المنطقة، لا تتناقض كثيرا مع التوجهات الأمريكية والإسرائيلية.
ويبقى السؤال هنا: إلى أي مدى تستطيع تركيا تحقيق التوازن بين علاقتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة الأمريكية وسياستها الرامية إلى تحسين علاقتها بسورية ؟! وهل التوجه تجاه سورية هو تكتيك سياسي، بحثا عن الدور والنفوذ والأسواق والمكانة الإقليمية وتقوية الموقف في مواجهة استحقاقات السياسة الأمريكية، أم أنه خيار استراتيجي تركي ؟
في الواقع، إذ قرأنا السياسة وتحولاتها، ليس كمواقف أخلاقية وإيديولوجية فقط وإنما كمصالح وتحولات متزامنة ومترافقة للمتغيّرات والأولويات، فإنّ المحدد الناظم للسياسة التركية شرقا لا يبعد كثيرا عن الاستراتيجية الأمريكية، طالما أنّ هذه الاستراتيجية في إطارها الوظيفي تضمن الضرر الأقل للسياسة والمصالح التركية، وتحقق لها الدور والمكانة الممكنة. وعند هذه النقطة قد يفترق التوافق السوري - التركي إزاء العراق حاليا إلى حالة جديدة تسفر عن مفهوم تركي جديد لأمنها تجاه العراق والمخاوف من دولة كردية منتظرة، كما يبدو الحديث عن دور تركي في التوسط للسلام بين سورية وإسرائيل ليس أكثر من عنوان سياسي لمرحلة، يتم فيها إعادة ترتيب الأولويات والمصالح والعلاقات وحتى الجغرافيا السياسية ودور القوى الإقليمية فيها، وهو الأمر الذي يؤسس للسؤال عن العوامل والمصالح والقوى والأهداف من استمرار التوجه التركي لبناء أفضل العلاقات مع سورية، التي تريد الإدارة الأمريكية حصارها لتحقيق أهداف سياسية محددة.
(*) – في الأصل ورقة قُدمت في إطار ندوة " تركيا والعرب والرهانات الاستراتيجية " بدعوة مشتركة من " منتدى الجاحظ – من أجل تنوير عربي إسلامي " في تونس و " مركز العادل للدراسات الاستراتيجية والتخطيط " في تركيا، خلال الفترة من 8 – 10 تشرين ثاني/نوفمبر 2006 في تونس.

   عن مركز الميماس للثقافه والاعلام

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع وحدة العمل الوطني لكرد سورية Copyright © 2006
 | اتصل بنا | صفحة البداية | مواقع مختارة