|
الحركة السياسية
الكردية في سوريا: إلى أين؟
هوشنك أوسي
على الرغم
من سيل المقالات والدراسات والأبحاث التي تناولت
نشأة النظام السوري وطبيعته، من حيث بناه الفكرية
ومنطلقاته النظرية ومقوماته التاريخية، وآليات
عمله، وماهيته الذهنية، والظروف والمناخات التي
خلقته، والتي خلقها، بدوره، في كافة المجالات:
السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية
والأخلاقية والقانونية...إلخ، إلا أنَّ هذا
النظام، والنظم التي على شاكلته، لا يزال بحاجة
إلى الكثير من التدقيق والتمحيص والمراجعة،
للإحاطة به وتسليط الضوء على مفرزاته وتبعاته
ونتائجه والآثار العميقة التي خلّفها في بنى
المجتمع والدولة في سوريا على مدى عقود. والأهم من
كل ذلك؛ هو البحث الجاد في كيفية التغيير وآلياته
النظرية والعملية، والتي تشكل المعارضة السياسية
والاجتماعية والثقافة المدنية السلمية أهم دعائمه
وأبرز ركائزه. ولا بدَّ، هنا، من معرفة أنماط
وأشكال المعارضة ومستويات وعيها وأنساق تفكيرها
وخطابها النظري وممارساتها العملية ومدى حضورها
وفاعليتها في المجتمع وتأثيرها على الحراك السياسي
والثقافي والاجتماعي، واستجابتها لنبض الشارع
وعكسها وترجمتها لمزاجه العام. ولن يكون ذلك إلا
بإعادة النظر في تجاربها ومراجعتها نقدياً وتسليط
الضوء على نقاط الخلل ومواطن الضعف الكامنة فيها.
ولعل الجزء
الأكثر حضوراً وفاعليةً ومظلمةً في المعارضة
السورية هي الحركة السياسية الكردية في سوريا،
فبعد تجربة تمتد قرابة نصف قرن من النشاط والنضال
السياسي السلمي –السري والعلني- لهذه الحركة،
أعتقد أنه قد حان الوقت لتضع النخب السياسية
والثقافية الكردية، داخل الحركة وخارجها، هذه
التجربة تحت المجهر، وذلك من خلال إجراء مراجعة
نقدية جادة ومتأنيَّة لها, بغية الكشف عن مكامن
الخطأ فيها, لتصحيحها وتقويم المعوجّ فيها. وصولاً
إلى ترتيب البيت الداخلي الكردي سياسياً وثقافياً،
والارتقاء بالنضال السياسي الديمقراطي الكردي
وتفعيله وطنياً وإقليمياً ودولياً، لتشكيل رأي عام
محلي ووطني وعالمي يفهم ويتفهم مطالب الكرد
السوريين، وطبيعة حقوقهم ومظالمهم السياسية
والثقافية والاجتماعية...إلخ، فيكون هذا الرأي
مسانداً للكرد وضاغطاً على النظام داخلياً
وخارجياً لحثّه على الاعتراف بحقوق الكرد وإزالة
الظلم والغبن عنهم.
والجدير
ذكره، هنا، أن أحداث انتفاضة 12 آذار العفوية وضعت
الحركة السياسية الكردية قيد المساءلة الشعبية
كردياً وعربياً، وربما الأسئلة الأكثر إلحاحاً هي:
ما حجم الإنجازات السياسية والاجتماعية والثقافية
التي حققتها وطنياً وقومياً، بعد هذه المدة
الطويلة نسبياً على نشأتها؟ وما حجم المعطى
الثقافي الذي أفرزته هذه الحركة؟ وهل خلقت رجال
فكر وثقافة رفدوا الثقافتين الكردية والعربية
السورية بنتاجاتهم ورؤاهم؟ هل كان الخطاب السياسي
لفصائل هذه الحركة، وعلى اختلاف تلاوينها وأسمائها
ومشاربها الفكرية، واقعياً وعقلانياً، ويتماشى
ومعطيات الواقع الوطني والإقليمي والدولي؟ وربما
السؤال الأهم هو: لماذا لم تحرك الحركة الكردية
ساكناً حتى الآن، على طريق تحريك الملف الكردي من
أجل تدويل القضية الكردية، وصولاً لحلّها في
سوريا، باعتبارها قضية وطنية ديمقراطية حيوية
وعاجلة الحلّ بامتياز؟ وهل يتطلب الموضوع نصف قرن
آخر حتى ينال الكرد حقوقهم في سوريا, بقدرة قادر؟
ضمن هذا
الفضاء المعلوماتي المفتوح، والتحولات والمتغيرات
الإقليمية والعالمية المتسارعة، علاوةً على
التقلبات والانقلابات الفكرية والعلمية التي خلقت
قفزات ونقلات نوعية هائلة في المنظومات القيمية
السائدة، كان لها مضاعفات وتبعات سياسية اقتصادية
واجتماعية وثقافية كبرى أثّرت على إعادة النظر في
حركة التاريخ، وصياغة حاضر ومستقبل العالم. ضمن
هذا الفضاء العولمي واستحقاقاته على صعيد الحضور
والمواكبة والإصلاح والانفتاح ...إلخ، ما هو موقع
الحركة السياسية الكردية السورية؟ وإلى متى ستبقى
هذه الحركة ممنوعة من الصرف سياسياً وثقافياً في
المجالات الوطنية والإقليمية والعالمية؟ ومتى
ستصبح هذه الحركة رقماً واحداً موحداً صعباً
وفاعلاً ومؤثراً، لا يمكن تخطيه أو تجاهله في
المعادلة السياسية الوطنية السورية؟ بدلاً من أن
تكون اثنا عشر رقماً هشاً هامشياً قابلاً للانشطار
والتكاثر كالخلايا السرطانية، وكل رقم منها يعتبر
نفسه الرقم الواحد الأوحد بلا منازع؟
لا شكّ أن
تجربة الحركة السياسية الكردية، بشكلٍ أو بآخر،
باتت قيد المناقشة وتتصدر صفحات الإعلام الكردي
المرئي والمقروء التقليدي والإلكتروني على منحنيات
شبكة المعلومات العالمية "الانترنت". وأخذت هذه
المراجعات عناوين هامة ومانشيتات عريضة ذات طابع
نقدي وموزعة على منحنيين رئيسيين.
الأول،
يدعو إلى الدخول في حالة صِدامية عنيفة مع النظام
السوري، وذلك برفع مستوى وتيرة النضال، تزامناً مع
رفع سقف المطالب وتغيير نبرة الخطاب السياسي
الكوردي، بجعلها أكثر راديكالية، بالتعويل، بشكل
غير مباشر، على المتغيرات الإقليمية المتسارعة
والقوى الكبرى الفاعلة والمؤثرة فيها.
والثاني،
يدعو إلى الهدوء وضبط النفس والتروي والتريث،
وبالتالي، إلى التغاضي عن مظاهر الاستبداد السياسي
والثقافي والاقتصادي بحق الكرد السوريين، وعدم
الوقوف في وجه هذا الاستبداد بشكل عملي، والدخول
في مغازلة النظام بشكل غير مباشر، والتطبيل
والتزمير لبعض الإشارات الصادرة من النظام،
وتضخيمها وتفخيمها والتعويل على هذه الإشارات
الباهتة، وتدعو إلى التخفيف من إيقاع النضال -
الخفيف أصلاً- بدعوى العقلانية والواقعية
والليبرالية ...إلخ، وبالتالي، فقد سقط أصحاب هذا
المنحى في فخ تمييع الخطاب السياسي الكوردي،
وتحجيم النضال الديمقراطي الكردي السوري، وجعله
رهين الانتظار. ولسان حاله السياسي هو الاستجداء
والتوسّل والتسوّل على أبواب الدوائر الأمنية
ومؤسساتها.
قد لا
يكون لأصحاب هذا المنحى حضورهم اللافت في أروقة
الإعلام الكردي، إلا أنهم يؤثرون في شريحة لا بأس
بها من المهتمين بالشأن الكردي.
المنحنيان
الآنفا الذكر يتزاحمان، بشكل عملي، في المسلك
السياسي والإعلامي للأحزاب الكردية السورية. عبر
تعاطيهما مع أحداث 12 آذار في الآونة الأخيرة. فمن
الأحزاب من اشتطت به (راديكاليته) إلى حدّ الهروب
إلى "القمة"، وأخرى أخذتها (عقلانيتها) المفرطة
إلى حد الميوعة السياسية، وأعتقد أن كلا الطرفين
قدّما خدمات جمّة للشوفينية العربية الحاكمة
والمعارضة في سوريا، وأعطتها مبررات ومسوغات
لسياساتها المريضة، وغذّت أنماط وآليات تفكيرها
وعملها السلبي إزاء الحالة الكردية وقضاياها
وإشكالياتها العالقة. وبالتالي، فقد تقاسمت معظم
أحزاب الحركة السياسية الكردية مع النظام الحاكم
ترك الشارع الكردي، الذي ينوء تحت أعباء استبداد
النظام منذ أربعة عقود. ولعلّ أهم مظاهر مراوحة
الحركة السياسية الكردية في مكانها وعجزها عن
تغيير الواقع الكردي السوري المأساوي قيد أنملة،
هو تشظيها وتشرذمها وتفتتها - غير المبرر وغير
المعقول - إلى هذا الحد. وإن دلَّ ذلك على شيء,
فإنما يدلُّ على سيطرة الذهنية العشائرية على
أدائها السياسي والتنظيمي والجماهيري ...إلخ.وسأحاول
في هذا المقال تسليط بعض الضوء على بعض النقاط
والمحاور التي أراها هامة في تجربة الحركة
السياسية الكردية السورية. وإثارة بعض الأسئلة
التي تؤرّق الشارع الكردي، لعليّ أنجح في إماطة
اللثام عن بعض الحقائق والوقائع التي يتم تجنب
التطرق إليها، والعمل على القفز فوقها, بقصد أو
بدونه.
الخطاب السياسي
الكردي في سوريا..؟
قبل الخوض
في هذا المضمار، لنحاول أولاً، ضبط مفهوم الخطاب
للتعرف على ماهيته وما ينطوي على مضامين وأبعاد
وأشكال ...إلخ.
الخطاب هو
نص، أو رسالة محررة أو شفوية موجهة من مرسل إلى
مستقبل، الهدف منها خلق حالة تواصلية بينهما، تهيئ
الأجواء والمناخات المناسبة للتحاور والتداول حول
بعض المسائل والإشكالات العالقة بين الطرفين بغية
حلها وإزالتها، بصرف النظر عن طبيعة وماهية المرسل
والمستقبل" أشخاص، أحزاب، هيئات، شرائح اجتماعية،
طبقات، دول، شعوب ...إلخ".
يحاول
المرسل عبر خطابه تقديم فكرة أو وجهة نظر معينة
واضحة إزاء وضع معين أو حالة معينة، على أن تكون
هذه الفكرة أو وجهة النظر هي خلاصة تحليل وتشخيص
معمّق لهذه الحالة. وطرحها على المستقبِل للمشاركة
في حلّها معاً. أو وضع حلول ناجعة لقضايا ومسائل
هذه الحالة التي يكون المستقبل طرفاً في وجودها
وبقائها دون حلّ. ويبقى تفاعل وانسجام المستقبِل
مع الخطاب الموجه له مشروطاً ومتوقفاً على طبيعة
الخطاب" عنفي أو لاعنفي، واقعي أو طوباوي". فضلاً
عن صياغته ومدى وضوحه وتجاوبه مع مصالح الطرفين:
المرسل والمستقبِل, بحيث يضمن مصلحة الطرفين.
فالخطاب هو الحاضنة اللغوية لجملة من الرؤى
والآراء والمطالب التي يطرحها المرسل على
المستقبِل، بصرف النظر عن ماهية تفاعل الأخير
سلباً أو إيجاباً معه.
وكل
خطاب، سواء كان سياسياً أم ثقافياً أم فنياً، لا
بدَّ أن يستند إلى منظومة قيمية وأخلاقية وفكرية
تؤدلج طبيعته وتحدد مساره وأهدافه، كالخطاب الديني
السلفي أو التجديدي، والخطاب العلماني: القومي أو
الماركسي أو الليبرالي أو الراديكالي ...إلخ.
تعرّض
الخطاب السياسي الكردي في سوريا – موضوع مادتنا-
لتعرجات ومنعطفات حادة وهامة، شكّلت علامات فارقة
في تاريخ الحركة السياسية الكردية السورية. فغني
عن البيان القول إنَّ معظم مؤسسي الحركة الكردية
في سوريا كانوا من كرد تركيا كالراحل نور الدين
ظاظا، والراحل عثمان صبري، والراحل الشيخ محمد
عيسى ...إلخ، ومعظم هؤلاء عاصروا وشاركوا في
الانتفاضات الكردية في كردستان تركيا، كانتفاضة
الشيخ سعيد بيران عام 1925، وانتفاضة آغري
(1924-1930) بقيادة الجنرال إحسان نوري باشا،
وانتفاضة ديرسم بقيادة سيّد رضا عام 1938، ناهيكم
عن مشاركتهم في تأسيس بعض الجمعيات الثقافية
والسياسية الداعمة لهذه الثورات، ومن أبرزها
جمعيتي "آزادي" و"خويبون"، وهذا ما يفسّر الزخم
الثوري الحاضر بقوة في الشعار الذي تبناه أول
تشكيل سياسي كردي في سوريا عام 1957، وهو شعار
"تحرير وتوحيد كوردستان". فما لم يستطع الكرد
تحقيقه في تركيا، أرادوا إنجازه من سوريا، ولكن
هذا الحزب الفتي (الحزب الديمقراطي الكوردي في
سوريا- البارتي) سرعان ما اصطدم، بشعاره الكبير،
مع معطيات الواقع وحقائقه، بدخوله في المحك
والامتحان العملي أوائل الستينيات من القرن
المنصرم، على خلفية حملة الاعتقالات الواسعة التي
طالت الغالبية العظمى من قيادته، الذين تمت
محاكمتهم وسجنهم. حيث تبنّى الدكتور نور الدين
ظاظا وجهة النظر القائلة: إن التنظيم لم يكن سوى
جمعية ثقافية، وليس حزباً سياسياً، على العكس من
عثمان صبري، الذي أصرّ على الهوية السياسية للحزب
وشعاره وأهدافه، وبذلك بدأ الشرخ، أو الصدع الأول
والحادّ في بنية التنظيم وخطابه باكراً. ولقد
تعمّق هذا الصدع تحت تأثير الصدع الذي حدث في
الحزب الديمقراطي الكردستاني في العراق، على خلفية
الخلاف الناشب بين الزعيم الراحل الملا مصطفى
البارزاني والمكتب السياسي بقيادة المرحوم إبراهيم
أحمد وصهره جلال الطالباني، واستمرت هذه الشروخ
حتى وصلت الحركة إلى ما هي عليه حالياً.
وإذا
أجرينا قراءة موجزة وسريعة للبرامج والنظم
الداخلية وأهداف الأحزاب الكردية وشعاراتها، نجدها
متشابهة، بل ومتطابقة إلى حدٍّ كبير؛ فكل الأحزاب
الكردية مجمعة على تبني «الحقوق القومية والسياسية
والثقافية» للكرد في سوريا. وثمّة مفارقة كبيرة
بين ما تردده الفصائل الكردية مراراً وتكراراً حول
كونها أحزاباً وطنية سورية، ولا تدعو إلى
الانفصال، وتطالب، في الآن نفسه، بالحقوق القومية
للكرد (في) سوريا.
أولاً،
حرف الجرّ (في) الموجود في أسماء غالبية الفصائل
تجعل من الكرد ضيوفاً طارئين على سوريا، كأنهم
جالية، فهم، بالتالي، ليسوا شركاء أصلاء في
التكوين السكاني والثقافي والاجتماعي التاريخي
لسوريا.
ثانياً،
الحقوق القومية لشعب معين تتضمن، قبل كل شيء، حق
تقرير المصير في الاستقلال أو الحكم الذاتي ...إلخ،
وهذا حق مشروع، ومنصوص عنه في كافة المواثيق
والشرائع الدولية، ولكن المشكلة تكمن في ما تروج
له الحركة الكردية من نبذها للانفصال وتمسكها
بالوحدة الوطنية ..إلخ، وبالتالي فهي أمام خيارين،
لا ثالث لهما: إما الإصرار على الحقوق القومية
–بما فيها حق الانفصال- بشكل واضح في الخطاب
السياسي والإعلامي، انسجاماً مع برامجها وأهدافها
وشعاراتها؛ أو التخلي عن المطالبة بالحقوق القومية
للكرد في برامجها، ليتجاوب خطابها السياسي مع
معطيات الواقع الوطني السوري والقومي الكردي.
وبما أن
عبارة "الحقوق القومية" شعار فضفاض وضبابي قابل
للتأويل وخاضع لتفسيرات متعددة ومختلفة، في حين أن
الخطاب السياسي يتعامل مع معطيات الواقع بدقة
ووضوح تامين، سعياً لتعديل الواقع أو تغييره، فمن
المستحيل أن يقتنع الآخر العربي (النظام أو
المعارضة أو الإنسان العادي) بصدق نوايا الحركة
الكردية التي تنبذ الانفصال، في الوقت الذي تستمر
فيه بالمطالبة بالحقوق القومية. خصوصاً إذا كان
هذا الآخر لا يرغب في الاقتناع (أصلاً) بصدق نوايا
الكرد السياسية. أما الحقوق السياسية فهي تضم
طيفاً واسعاً ومتشابكاً ومعقداً من الحقوق في جميع
مناحي إدارات الدولة وسلطانها، ابتداءً بمجالس
الإدارة المحلية ومروراً بالسلطة التشريعية وحجم
التمثيل النيابي وانتهاءً بالسلطة التنفيذية وحجم
المشاركة فيها، ناهيكم عن نيابة رئاسة الدولة،
اعتماداً على نظام المحاصصة المتبعة في الوزارات
والشركات ومؤسسات الدولة ...إلخ، فما هو حجم، أو
مساحة الحقوق السياسية التي تطالب بها أحزابنا
الكردية من النظام الحاكم في سوريا؟
لا أحد يعلم؛ حتى
الأحزاب نفسها!!!
أما
بالنسبة للحقوق الثقافية، فعلى الرغم من كونها أخف
وطأة على أسماع الذات العربية السورية: الحاكمة أو
المعارضة، وقد تكون أكثر استساغةً لديها من الحقوق
القومية والسياسية التي برفضها الكثير, ويتحفظ
عليها البعض من الأخوة العرب الأكثر ديمقراطيةً و
ليبراليةً، ويضعون تحتها عشرات الخطوط الحمراء
و(الزرقاء). فهي، كذلك، تشتمل على طيف واسع من
الممارسات والتطبيقات ذات المنحى الثقافي
والإعلامي والفردي والجماعي ضمن أطر وهيكليات
يحددها الدستور. والجدير ذكره هنا، أن الحقوق
الثقافية والمطالبة بها وممارستها تنطوي على أبعاد
ودلالات سياسية قومية ووطنية، يمكنها أن تكشف
حقيقة الهامش الديمقراطي في سوريا.
فالحقوق
الثقافية، التي هي ثالث الأولويات التي ينبني
عليها الخطاب السياسي الكردي السوري، كذلك يشوبها
الغموض، وتفتح الأبواب أمام جملة من التفسيرات
والتأويلات المتعددة، كونها غير محددة الملامح،
وغير مضبوطة ضمن إطار واضح من المطالب المذكورة
بدقة. فهل المقصود من الحقوق الثقافية جعل اللغة
الكردية اللغة الرسمية الثانية في البلاد؟ أم
جعلها تدرّس في جميع مدارس ومعاهد وجامعات سوريا؟
أم أن يقتصر تدريسها على المناطق الكردية فقط،
بدعمٍ حكومي من وزارتي التربية والتعليم العالي؟
أم الاكتفاء بإقامة مدارس ومعاهد أهلية خاصة تقوم
بهذه الوظيفة بعد منحها تراخيص قانونية؟ أم أن
المقصود بالحقوق الثقافية –لدينا طبعاً- هو تأسيس
وإقامة جمعيات وروابط ثقافية أو نوادي وصالونات
أدبية تعنى بإحياء ونشر الثقافة الكردية داخل
وخارج سوريا؟فهل تطالب الأحزاب الكردية بهذا كله،
أم ببعض منها، أم ماذا؟
وهناك كمّ
كبير من الأسئلة التي تطرح نفسها بإلحاح على
الأحزاب الكردية:
فمن يطالب بحق
تقرير المصير للكرد السوريين؟ هل باستطاعته تنظيم
وإدارة دولة مستقلة؟ وما هو حجم الكفاءات السياسية
والاقتصادية و الثقافية الموجودة لديه، لكي يكون
مؤهلاً للقيام بذلك؟
وإذا
افترضنا –وافتراض المحال ليس من المحال- حدوث
انقلاب (كوني) في بنية العقل القوموي البعثي
الحاكم والمعارض، وآمن بحق تقرير الكرد السوريين
لمصيرهم بحرية واستقلالية، وقبل بانفصال جزء من
سوريا ليقيم عليها الكرد دولتهم – طبعاً بعد
موافقة الدول الإقليمية والأسرة الدولية بذلك-
وبالتالي، يتحقق ما يرمي إليه هؤلاء، فهل لديهم
تصور واضح أو يمتلكون مشروعاً متكاملاً ومخططات
مدروسة بعناية لإدارة الدولة الكردية المفترضة:
كيف سيكون شكلها؟ ومن سيتولى إدارتها؟!
من المعروف
أن الجغرافية الطبيعية الكردية في سوريا هي عبارة
عن منطقتي الجزيرة و عفرين اللتين يفصل بينهما
امتداد جغرافي عربي. فهل سيتخذ المطالبين باستقلال
كردستان سوريا النموذج المستقبلي للدولة
الفلسطينية؟! بمعنى, هل سيوصلوا بين هاتين
المنطقتين بجسر يمر فوق الأراضي العربية, أو بنفق
يمر من تحتها؟ و كيف؟!
وإذا ما فتح
النظام السوري قلبه وذراعيه للكرد السوريين، وتفهم
مطالبهم وحقوقهم والسياسية كاملة – وهذا أيضاً من
رابع وخامس وعاشر المستحيلات, حالياً على أقل
تقدير- التي من ضمنها أن يكون أحد نواب رئيس
الجمهورية أو رئيس الوزراء من الكرد، كما في
العراق حالياً، فضلاً عن المسائل الأخرى، التي
تشتمل على كامل الحقوق؛ فبالله عليكم! مَنْ مِنْ
رموز وزعماء وقيادات الأحزاب الكردية الحالية مؤهل
لتبوّأ المناصب الآنفة الذكر؟ في حين أنها غير
قادرة على إدارة أحزابها المتواضعة، كماً وكيفاً،
والإيفاء باستحقاقات النضال السياسي وتفعيله، فكيف
لها أن تكون مهيئة للعب دور هام في صياغة المعادلة
السياسية السورية وضبطها وصيانتها، ناهيكم عن
صناعة القرار السياسي والاقتصادي في سوريا، ضمن
مناخ ديمقراطي مفترض (يخلقه) البعث الحاكم.
ثمّ إذا
كانت الحركة السياسية الكردية في سوريا حركة
وطنية، وهي كذلك برأيي، فلماذا تتحسس من النشيد
الوطني السوري في المناسبات والحفلات والأعياد
القومية التي تشرف عليها، كعيد نوروز مثلاً؟
ولماذا لا ترفع العلم السوري في نشاطاتها
الجماهيرية داخل سوريا وخارجها، وتمنح، بالتالي،
للشوفينية العربية السورية المبررات الكافية للطعن
في مصداقية وولاء الحركة السياسية الكردية الوطني
لسوريا؟ . فعلم سوريا ليس علم البعث..؟ وشتَّان ما
بين حمل العلمين.
وماذا إذا
وافق النظام السوري على منح الكرد حقوقهم الثقافية
قائلاً: "تعالوا ومارسوا حقوقكم الثقافية، وسنقوم
بسنّ التشريعات والقوانين التي تضمن لكم هذه
الحقوق دستورياً، وسندعم المشاريع التي ترونها
مناسبة"؛ فهل تمتلك الحركة الكردية كفاءات وخبرات
قادرة على الإعداد لهكذا مشاريع و إدارتها؟ وما
حجم الدعم المادي والمعنوي الذي وفرته هذه الحركة
لتنشيط الحياة الثقافية الكردية السورية؟ ترى، كم
من رموز وقيادات الحركة الكردية، حالياً، يجيدون
القراءة والكتابة باللغة الأم، بطلاقة؟
على ضوء ما
تقدّم، يتضح أن الخطاب السياسي الكردي السوري قائم
على شعارات ضخمة وفضفاضة ومطاطية، مبهمة وغير
واضحة الملامح. وبالتالي، فالخطاب غير مضبوط
بمطالب محددة و واضحة و واقعية، تتماشى وتنسجم مع
واقع الحركة الكردية ورصيدها العملي والعلمي
والخبراتي الهزيل، مع الأسف الشديد. وهذا ما يتيح
للشوفينية، داخل النظام والمعارضة السورية على حد
السواء، الاستخفاف بمعاناة الكرد السوريين والقفز
على حقوقهم ومطالبهم الديمقراطية المشروعة.
بالتالي, التهرب والتنصّل من أي دعم ديمقراطي
يقدمونه لمطالب الكرد السوريين، ناهيكم عن
القطاعات والشرائح الواسعة التي لم يستطع الخطاب
السياسي الكردي الوصول إليها، بحيث بقيت جاهلة
تماماً بحقائق الحالة الكردية. لتستمرّ بتبني
الفكرة المشوهة التي كوَّنها النظام لديهم حيال
الكرد بشكل عام، والكرد السوريين على وجه الخصوص.
أو أن تخضع لذهنية النظام إزاء الواقع الكردي
السوري ومفرزاته وقضاياه وإشكالاته، لتبقى بعيدة،
كل البعد، عما يمارس بحقّ الكرد منذ عقود. وهنا
نصل إلى عدة نتائج، لعلّ أبرزها:
أولاً- ما تطالب
به الحركة الكردية السورية في خطابها السياسي من
النظام السوري، لا ينسجم مع ما تمتلكه من كفاءات
وخبرات تؤهلها لإدارة هذه المطالب في حال تحققها،
وبالتالي، فهذه المطالب تتجاوز، بكثير، المقدرات
الفكرية والسياسية والثقافية والعلمية لهذه
الحركة.
ثانياً- لا يزال
الخطاب السياسي للحركة الكردية السورية رهين
النزعة الطوباوية والارتجالية والانفعالية،
البعيدة عن معطيات الواقع وتحدياته، وطنياً
وإقليمياً. هذه النزعة التي وسمت الحركة الكردية،
بشكل أو بآخر، منذ بداياتها وحتى الآن.
ثالثاً- لا يزال
الوعي السياسي لدى الساسة الكرد السوريين، داخل
الحركة وخارجها، والتوجه العام لأنساق وأنماط
تفكيرهم، هو كردستاني أكثر منه سوري. وبالتالي،
يستشفُّ من خطاب الحركة الكردية ونشاطها السياسي،
أنها ترى عمقها الاستراتيجي في كردستان وليس في
سوريا.
والسؤال الذي
يتبادر إلى الذهن، هنا، والمطروح على كافة الساسة
والمهتمين بالشأن السياسي الكردي السوري: ماذا لو
تحقق لكرد العراق دولة مستقلة بمباركة إقليمية
ودولية؟ هل ستدافع هذه الدولة الوليدة، ونظامها
الحاكم، عن حقوق الكرد السوريين بكل الإمكانات
المتاحة، مضحيةً بعلاقاتها مع النظام السوري في
هذا السبيل، كما تفعل تركيا فيما يخصّ حقوق
التركمان في العراق، أو وفق النهج الباكستاني في
قضية كشمير؟
بل حتى إن
تمّ استقرار الوضع الحالي –الفيدرالي- لكرد
العراق، فما هو حجم الدعم السياسي الذي سيقدمونه
للكرد السوريين؟
وربما
السؤال الأكثر إرباكاً وإحراجاً، لي ولغيري، هو:
هل يبادلنا الكرد في تركيا وإيران، والعراق خاصةً،
المشاعر نفسها، والانتماء الوجداني الكردي نفسه؟
أعني؛ هل يشعر الكردي العراقي والتركي والإيراني
بالانتماء المشترك مع الكرد السوريين؟
الحركة الكردية
السورية و المعطى الثقافي لها:
بعد مرور
قرابة نصف قرن على انطلاقة الحركة الكردية في
سوريا، ما هو حجم الإرث الثقافي الذي خلّفته هذه
الحركة؟ هل أنجبت رجال فكر؟ وما هي الأسماء المهمة
في حقول الفن والفكر والإبداع، باستثناء الشاعر "جكرخوين"،
الذي كان "جكرخويناً" قبل ولادة الحركة الكردية؟هل
يمكن اعتبار اليوميات التي يعكف عليها الرعيل
الأول (المؤسس)، والثاني، للحركة الكردية، منتوجاً
ثقافياً ذا عمق فكري؟ هل يعدّ فكراً سياسياً؟
أعتقد أن
الإجابة على هذه الأسئلة لا تحتاج إلى الكثير من
التعمق والتدقيق والتمحيص والمراجعة. فمجمل نتاج
رموز الحركة، يوصلنا إلى نتيجة مؤداها: أنه لا
يوجد فكر سياسي كردي سوري، بكل المقاييس المعرفية
والعلمية الأكاديمية.
ربما
الاسم الأكثر حضوراً، من بين الساسة الكرد، على
الساحتين الثقافية والإعلامية، هو الأستاذ صلاح
بدر الدين، ولكن، على الرغم من جهوده الكبيرة في
هذين المضمارين، فلا يمكن – في أحسن الأحوال-
اعتباره مشروع مفكّر.
كتب الأستاذ
بدر الدين في العولمة، ونقد الحركة الكردية من
الداخل، وها هو الآن، ينظّر في "البارزانيزم"،
التي كان على خلاف وعداء شديدين معها إبان منتصف
الستينيات والسبعينيات!!!
كما أن
حضوره اللافت، وشبه اليومي، على صفحات الإعلام
الكردي المقروء: التقليدي والإلكتروني، جعلت
كتاباته ذات طابع صحفي- استهلاكي. و بالتالي,
تفتقر إلى العمق الفكري، البحثي، التحليلي
والمنهجي. فلم تخرج مقالاته، وكتاباته الأخيرة
خاصةً، من إطار مقالات "الإكسبرس" و"الآكشن"
كالوجبات السريعة، المناسبة للاستهلاك اليومي.
كما لا يمكن
أن نعتبر نتاج كل من المناضلين الراحلين: الدكتور
نور الدين ظاظا وعثمان صبري تأسيساً لمشروع فكري.
لا شك أنهما يمتلكان رؤى فكرية متضادة، حيث أن
الدكتور ظاظا كان ليبرالياً، وعثمان صبري
راديكالياً، ولكن لا يمكن أن نجازف بالقول عنهما
أنهما مفكران، بما تحمله الكلمة من استحقاق معرفي
أو أكاديمي.
كما أننا لم
نسمع، حتى الآن، أن الأستاذ عبد الحميد درويش قد
أضاف للمكتبة الكردية أو العربية مؤلفاً ذا صبغة
فكرية، عدا عن مذكراته وكراسه عن الجزيرة السورية،
والأمر نفسه ينطبق على كل من الأساتذة إسماعيل عمر
وفؤاد عليكو وخير الدين مراد وجمال محمود ومحمد
موسى ونصر الدين إبراهيم ...إل
والسؤال
الذي يطرح نفسه، بإلحاح، هو: لماذا أتت الأسماء
الهامة في حقول الإبداع والفن والبحث النقدي، مثل:
سليم بركات، بشار العيسى، أحمد الحسيني، إبراهيم
محمود، محمد شيخو ...إلخ، والذين كان لهم بصمتهم
وتأثيرهم في الثقافتين العربية والكردية، من خارج
إطار الحركة السياسية الكوردية؟
أعتقد أن
نتاج الأستاذ إبراهيم محمود –بغضّ النظر عن
الاختلاف أو الاتفاق معه- من بحثٍ وتأليف وترجمة،
يشكل بداية حقيقية، تؤهله ليكون مشروع مفكر وباحث
مهم في النقد الأدبي والفكري. كما يمكن اعتبار
نتاجه متجاوزاً ومتخطياً لمجمل ما أنتجه أعلام
ورموز الحركة السياسية الكردية السورية، عمقاً
وتأثيراً، على الثقافتين السوريتين الكردية و
العربية، منذ تأسيس الحركة الكوردية السورية وحتى
الآن.
وأعزو هذا
الضمور الفظيع للمعطى الثقافي للحركة الكردية
السورية لعدة أسباب أهمها:
1- ثقافة الشقاق
المتفشية فيها، والناجمة عن الذهنية العشائرية
المسيطرة على آليات تفكيرها ومسلكها السياسي.
2- انعدام النقد
السياسي للحركة الكردية من داخلها وخارجها. هذا
النقد الكردي- الكردي، الذي من شأنه تقييم التجربة
وتصحيح وتقويم مسارها النظري والعملي على الصعيدين
القومي والوطني.
3- افتقار قطاعات
واسعة من كوادرها القيادية المتقدمة إلى الوعي
السياسي، المستند إلى أسس علمية ومعرفية تؤهلهم
للقيام بأعمالهم ومهامهم، وبالتالي، ولادة شخصيات
قيادية مبدعة في الفكر والسياسة.
4- سيطرة طبقة
سياسية تقليدية على الحركة الكردية، تكبح وتصادر
الرأي الآخر داخل الحركة.
5- ضعف الوعي
السياسي على حساب تنامي الشعور القومي لدى شرائح
واسعة من الشعب الكردي في سوريا، وهذا بدوره،
تتحمل مسؤوليته الحركة الكردية مناصفةً مع النظام
السوري.
الدور
السلبي الذي قام به النظام السوري في تدمير مكونات
وبنى المجتمع والدولة في سوريا، وما أحدثه من
إتلاف وتشويه في الفكر والسياسة والثقافة
والاقتصاد ...إلخ، في المجتمع الكردي خصوصاً،
والسوري عموماً، إلى درجةٍ أصبحت فيها المعارضة
السياسية للنظام الحاكم –ومنها الحركة الكردية-
صورة مستنسخة ومصغرة للنظام، وبالتالي، تحولها إلى
صدى أو رد فعل عكسي للنظام. فليس غريباً أو
مستبعداً أن نعثر على الموروث البعثي في فكر وعمل
الأحزاب الكردية.
الحركة السياسية
الكردية السورية وثقافة الشقاق:
إذا تتبعنا
تجربة الحركة السياسية الكردية السورية، وخصوصاً
منذ سبعينيات القرن المنصرم وحتى الآن، نخلص إلى
نتيجة مفادها: أنَّ حالة الانشطار العشوائي
والتشظي السياسي –إن صحَّ التعبير- التي تعاني
منها الحركة الكردية، إنما ناجمة عن عجزها عن
إدارة أزماتها الداخلية، وبالتالي، فما حالة
الشقاق المعششة حتى النخاع، إلا ترجمة لحلولها
(المنطقية) لخلافاتها السياسية البسيطة، والشخصية
عموماً. وما يؤكد هذه النتيجة هو التشابه، بل
التطابق، بين برامج ونظم وأهداف كافة الفصائل
المشكلة للحركة الكردية، فضلاً عن أسمائها
وتوجهاتها العامة.
لقد اعتدنا
أن يفسّر بعض رموز الحركة الكردية السورية هذه
الحالة الكارثية، بأنها نتيجة المناخات والأجواء
الحرة التي تتميز بها الحركة، وكونها تعكس النَفَس
الديمقراطي لها!!
كيف يمكن اعتبار
التشرذم والشقاق والتآكل الداخلي من تجليات
الديمقراطية، وعلى أنها حالة صحية: سياسياً
وثقافياً، مع انعدام وجود أي نوع من التباين
والاختلاف الفكري الجوهري بين السياسات والأهداف
والبرامج التي تتبناها الأطراف المنشقة على
بعضها؟!
لأن
الاختلاف الشرعي والصحي، سياسياً وفكرياً، والذي
يعكس وجود حالة ديمقراطية، مشروط بوجود اعتراف
كامل بين الأطراف، ببعضها بعضاً، لكي لا يتحول
الاختلاف إلى خلاف، كما يحصل في الحركة السياسية
الكردية السورية. والأكثر إثارةً للدهشة
والاستغراب والأسف في آن، هو أنَّ كل حزب كردي
يدعو إلى وحدة الحركة الكردية، ورصّ الصفوف، وحشد
الطاقات، فور انشقاقه!!!
تضم
الحركة الكردية حزبين يساريين وحزبين [بارتيين]
وحزبين تقدميين وأربعة أحزاب وحدوية: الاتحاد
الشعبي، الاتحاد الديمقراطي، حزب الوحدة- يكيتي،
حزب يكيتي الكردي. يبلغ تعدادها 12 حزباً موزعة،
بالتساوي، على تشكيلين سياسيين، حيث توجد أربعة
أحزاب في التحالف الديمقراطي الكردي في سوريا،
وأربعة أخرى في الجبهة الديمقراطية الكردية في
سوريا، وأربعة أخرى خارج التشكيلين.
ثمانية
أحزاب تحمل في مسمياتها كلمة "ديمقراطية"، وتشترك
الأخرى، التي لا تحوي أسماءها هذه الكلمة، في
مطالبة النظام بتحقيق الديمقراطية والعدالة
والانفتاح والإصلاح والحوار والاعتراف بالآخر ...إلخ.
ومعظم هذه الأحزاب –إن لم يكن كلها- لا تمتلك أي
إرث ديمقراطي أو ثقافة ديمقراطية، يخولها توجيه
النقد إلى النظام السوري، واتهامه بالشمولية أو
الديكتاتورية أو الاستبداد، من باب أن «فاقد الشيء
لا يعطيه».
ولو لم تأتِ انتفاضة آذار
وتبعاتها لبقيت أحزاب الجبهة الكردية ترفض
الاجتماع بأحزاب التحالف الكردي أو حتى التوقيع
على بيان مشترك، ولبقي الحزب اليساري الأول يرفض
الاعتراف بيسارية الحزب اليساري الثاني، مدعياً
أنه يمثل اليسار الشرعي، متهماً الآخر باللاشرعية،
والعكس صحيح. ولبقي (بارتي) الأول يهاجم (بارتي)
الثاني، ويزاحمه على كسب صك شرعيته من الحزب
الديمقراطي الكردستاني العراقي، والعكس صحيح كذلك.
ولبقي حزب (يكيتي) يزداد (براديكاليته) على حساب
(إصلاحية) حزب الوحدة...يكيتي، الذي انشق عنه. و
لاستمرت كل الأحزاب في رفض حزب الاتحاد
الديمقراطي، لكونه قادماً من خنادق
PKK،
متهمةً إياه باللاوطنية واللاسورية، مرتبطاً مع
الخارج، ويقصدون هنا مؤتمر الشعب الكردستاني (Kongera
Gel).
ثمة نقطة
هامة ينبغي الإشارة إليها، لكونها توحي بوجود
إشكالية في أسماء بعض فصائل الحركة الكردية
السورية، مثل: (حزب "يكيتي" الكردي في سوريا)، فمن
المعروف أن كلمة "يكيتي" هل كلمة كردية صرفة،
وتعني "الوحدة" أو "الاتحاد" بالعربية، فهل
استُخدِمت الكلمة الكردية في اسم الحزب للدلالة
على كرديته؟ فلماذا، إذاً، تمّ إرفاقها بكلمة
"الكردي"؟ أزيادةً في تأكيد كردية الحزب؟ وماذا لو
كان اسم الحزب "حزب يكيتي السوري"، فهل ستتبخر
كردية الحزب في هذه الحالة؟ أو لو كان الاسم هو
(حزب الوحدة "أو الاتحاد" الكردي السوري)، فهل
سيقلل ذلك من كردية الحزب؟ فما هو السرّ الكامن
وراء الجرعة الكردية الزائدة عن الحد المطلوب في
انتقاء هذا الاسم من قبل القيمين على تأسيسه
وإدارته؟! والأمر نفسه ينطبق على حزب الوحدة
الديمقراطي الكردي في سوريا (يكيتي).
أما بالنسبة
لاسم الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا (البارتي)،
فما الذي تضيفه كلمة "البارتي" التي تعني "الحزب"،
إلى توجه الحزب وهويته القومية والوطنية؟ فلو
وضعنا ترجمة كلمة "البارتي" في مكانها، لحصلنا على
الاسم التالي: الحزب الديمقراطي الكوردي في سوريا
(الحزب)، فلو حذفنا الكلمة الأخيرة، هل سينتقص ذلك
من هوية الحزب القومية والوطنية؟ فما السرّ الكامن
وراء الإبقاء على هذه الكلمة اللاحقة، والتي ترافق
اسم الحزب لمدة نصف قرن تقريباً؟ هل هو نوع من
الفلكلور السياسي المتوارث والمعتمد، والذي لا
يجوز تجاوزه؟ أم هو وشم سياسي للتمايز عن الأحزاب
الأخرى، فلا يمكن إزالته؟ أم ماذا؟؟
كما أن هنالك
إشكالاً في اسم حزب الاتحاد الديمقراطي. و هي عدم
وجود كلمة تحدد هوية الحزب القومية أو الوطنية.
بمعنى حزب الاتحاد الديمقراطي...الماذا؟. ألم يكن
أجدى أن يكون الاسم: الاتحاد الديمقراطي السوري,
أو الكوردي. كي ينسجم اسمه مع برنامجه، فلا يبقى
الاسم معلقاً مفتوحاً على الاحتمال والتأويل..؟
ثمة نقاط
ينبغي التطرّق إليها، ولو بإيجاز، لعل أبرزها هي
إشكالية التأبيد والتوريث في قيادات الأحزاب، فمنذ
أربعين عاماً، أو يزيد، مازال أحد قادة الحركة
الكردية يترأس حزبه. وبحسب ما يتسرب من معلومات عن
هذا الحزب، فإنه - أي الأمين العام - بصدد تهيئة
ابن أخيه لتولي خلافته في قيادة الحزب، نظراً لعدم
وجود أولاد ذكور للزعيم العتيق العتيد. والأمر
نفسه بالنسبة للأساتذة الآخرين الذين ما زالوا
أمناء عامين لأحزابهم لعدة مؤتمرات متتالية.؟؟!
أما بالنسبة لاستقالة أحدهم من أمانة حزبه, في
الوقت بدل الضائع (المستقطع)، نسأل: لماذا تأخرت
استقالته عن رئاسة حزبه كل هذه العقود المتتالية؟
أم أن النخوة والمروءة السياسية واتته فجأةً، لكي
يترك المجال لغيره؟
أما ما
يشاع، هنا وهناك، عن أن زيداً أو عمراً، من قيادات
الحركة الكردية، قد قدّم استقالته، ولكن مؤتمر
الحزب رفضها، مجدداً بيعته (للزعيم) بإجماع 99.99
صوتاً، فلا يعدو عن كونه مجرد افتراء على الواقع،
وسيناريو مبتذل لمسرحية هزلية تبكي أكثر مما تضحك
الحركة السياسية
الكردية وضرورات الإصلاح
لعل موضوعة
الإصلاح والتغيير هي الأكثر تداولاً في الأوساط
السياسية الكردية السورية، والأكثر تناولاً على
صفحات وجرائد ومجلات الحركة الكردية بحيث خصصت لها
أعمدة وزوايا متعددة. وما تزال هذه الموضوعة هي
الشغل الشاغل للحركة الكردية على الصعيد النظري
كنوع من التماشي والتماهي مع روح العصر
واستحقاقاته، وكنوع من أكثر تقليعات الموضة
السياسية رواجاً هذه الأيام. والحقّ أن معظم رموز
الحركة الكردية السورية ينبرون متبارين في التنظير
عن الإصلاح وضروراته الحيوية والتاريخية والحضارية
وتجلياته ونتائجه، وبالإضافة إلى ذكر مخاطر ومهالك
العزوف عن القيام بعملية الإصلاح التي يتهرب منها
النظام السوري, أو تبعات تأجيل الإصلاح محلياً
وإقليمياً ...إلخ. وكأن بي, أن الحركة السياسية
الكردية السورية قد أنجزت إصلاحاً جذرياً، أو قطعت
شوطاً كبيراً في ذلك: سياسياً وفكرياً وإدارياً
وإعلامياً، وقد سبقت النظام السوري في عملية
الإصلاح، وباتت حركة معافاة سياسياً وإدارياً
وذهنياً، حتى تعطي الدروس والمواعظ في هذا
المضمار.
من
المعروف أن هذه الحركة، ومنذ تأسيسها عام 1957
وحتى الآن، لم تخطُ أية خطوة جدية نحو الإصلاح
والتغيير والتجديد على كافة الصعد، ولم تحرك
ساكناً، بل على العكس من ذلك، فهي تسير من سيئ إلى
أسوأ، ولسان حالها التخبط والمراوحة في المكان
والدوران في حلقة مفرغة ...إلخ، لأنه لا يمكن
اعتبار بعض النشاطات العملية الزهيدة والخجولة
والمتأخرة (مظاهرات، اعتصامات)، والتي تبنتها بعض
الأحزاب، ولم تجمع عليها الأحزاب كلها، نوعاً من
الإصلاح السياسي، لأن هذه النشاطات هي من صلب
أولويات واستحقاقات النضال السلمي الديمقراطي،
الذي تتشدَّق به الحركة الكردية منذ نصف قرن. كل
ما في الأمر هو أن الحركة الكردية قد أخرجت بعض
أهم وأنجع أساليب النشاط السلمي السياسي من بين
ملفات النسيان، ومن غرفة الإنعاش بحذر وبتخوف
شديد، لا على الشارع الكردي، بل على نفسها. فحتى
منظمات المجتمع المدني المدافعة عن حقوق الحيوان
والبيئة، أو المناهضة للعولمة هي أكثر نشاطاً من
أحزابنا الكردية ذات الرصيد الزهيد، غير المتناسب
مع وتيرة خطابها السياسي المطالب بالحقوق القومية
والسياسية والثقافية للكرد السوريين.
أعتقد أن
حركتنا السياسية الكردية أمام استحقاقين يخلصانها
من حالة ازدواجية الفعل السياسي بين النظرية
والتطبيق:
الأول- تخفيض سقف
أهدافها ومطالبها، المدرجة في برامجها، والمعبَّر
عنها في خطابها السياسي إلى حدٍّ يتناسب وحجم
نشاطاتها الجماهيرية المناسباتية المحدودة كماً
ونوعاً.
الثاني- رفع
مستوى ووتيرة النشاط الجماهيري العلني الديمقراطي،
وتوسيع دائرتها وعدم اقتصارها على العاصمة،
وإقامتها بشكل دوري مستمر، لكي يصبح نشاطها
مساوياً وموازياً لخطابها السياسي، ولتشكل، بذلك،
ثقلاً ووزناً سياسياً كردياً على الساحة السورية
والعالمية، وبالتالي إحراج النظام السوري أمام
الرأي العام العالمي وجعله يراجع حساباته إزاء
الحالة الكردية من جهة. و من جهة أخرى اعتبار
الحركة السياسية الكردية مخاطباً رسمياً للكرد
السوريين، وشريكاً يناصفها حل المسألة الكردية في
سوريا. طبعاً، لن يحدث ذلك إلا بعد أن يجري
الطرفان: النظام السوري والحركة الكردية، ثورةً
ذهنية تشمل كافة مؤسسات ومكونات الدولة والمجتمع
السوري، وطي صفحة الماضي، والدخول في مرحلة دولة
المؤسسات والقانون لكل أبنائها.
على ضوء ما
تقدم، نخلص إلى عدة نتائج مهمة تحدد وتشخص الحالة
المتأزمة التي تعانيها الحركة السياسية الكردية
السورية:
1- ما تزال الحركة
السياسية الكردية السورية رهينة الماضي، بحيث أن
النسق التقليدي الانفعالي من التفكير والسلوك
السياسي الكردي يسيطر على الخطاب السياسي والنشاط
العملي المحدود، كماً ونوعاً.
2- عدم امتلاك
الحركة الكردية السورية ثقافة النشاط العلني أو
خبرة الأداء السياسي المدني، التي يمكن أن تؤهلها
للقيام بنشاطات واسعة النطاق ومتعددة الأشكال،
بغية تشكيل جبهة جماهيرية واسعة فاعلة ومؤثرة،
قادرة على الضغط على النظام داخل سوريا وخارجها،
للإسراع في حلّ القضية الكردية.
3- تفشي الفساد
الإداري والمحسوبية ضمن مؤسساتها وفصائلها إلى
درجة أن تحديد المناصب وتوزيع المهام الحزبية:
المكتب السياسي، اللجنة المركزية ...إلخ، لا يتم
وفق الكفاءة والأهلية السياسية والمعرفية ودرجة
الاحتراف.
4- إهمالها الكبير
لقضايا المرأة، فضلاً عن انعدام الحضور النسائي في
الهيئات الإدارية العليا للحركة الكردية. وإن دلَّ
هذا على شيء، فإنما على الذهنية القبلية
والعشائرية المؤثرة في الحياة الحزبية للحركة
الكردية.
5- ضعف الاهتمام
بقضايا الشباب، وعدم إقامة مؤسسات ترعى نشاطهم
وتفعّل دورهم في الحراك السياسي الكردي السوري.
6- تفشّي الوثنية
السياسية والولاءات الشخصية والحزبية العمياء على
حساب الإجماع الوطني والقومي. إلى جانب انتشار
ذهنية الإقصاء وثقافة النفي والشقاق السياسي في
الحركة الكردية.
7- افتقار الحركة
الكردية لمراكز أبحاث ودراسات، تقوم بإجراء
الدراسات والأبحاث الأكاديمية التي يمكن أن تساهم
في مراجعة تجربة الحركة الكردية السورية، من أجل
تقييمها وإماطة اللثام عن أخطائها. فضلاً عن وضع
الخطط والمشاريع الاستراتيجية لها، والتي من شأنها
تنظيم وتفعيل أدائها السياسي والدبلوماسي، بغية
تشكيل رأي عام عالمي، ولتقوم بإدراج حل المسألة
الكردية في سوريا على أجندات أعمالها السياسية،
مثل وضع الملف الكردي على طاولة مفاوضات الشراكة
الأوروبية السورية.
مجمل هذه
النقاط تؤكد وتحدد حجم المأزق السياسي والدبلوماسي
والثقافي والإعلامي الداخلي والخارجي، الذي تعاني
منه الحركة السياسية الكردية السورية حالياً. وعلى
ضوء ذلك، تبرز أهمية الإصلاح وضروراته السياسية
الحيوية والأخلاقية التي تلقي بظلالها على الحركة
السياسية الكردية السورية.
في
اعتقادي، تواجه هذه الحركة تحديات الإصلاح
واستحقاقاته النظرية والعملية، وطنياً وقومياً،
لكي تتخلص من حالة العطالة السياسية والثقافية
والركود السياسي الذي تعانيه، والذي أدى بها –
طوال هذه السنين- إلى ما هي عليه من تصدّع وترهّل
وشيخوخة سياسية. ولن يكون هذا الإصلاح ممكناً، إلا
بعد أن تتنحّى الطبقة السياسية الكلاسيكية الجاثمة
على قيادة الحركة الكردية السياسية جانباً، متيحة
المجال والفرصة للكفاءات الشابة لقيادة الحركة،
بفتح الباب أمام دماء جديدة، تكون قادرة على إنقاذ
الحركة من حالة التخبط والارتباك والفوضى والعطالة،
وصولاً لتشكيل إطار جامع محدد وموحد يجمع كل
الطاقات البشرية الكردية المبعثرة على اثني عشر
حزباً. يكون بمثابة المرجعية السياسية الديمقراطية
القومية والوطنية للكرد السوريين.
مما لا شكّ
فيه أن تجربة الحركة السياسية الكردية السورية
تحتوي على نقاط مضيئة ومحطات إيجابية, حيث لا
يمكننا رؤية الشجرة دو رؤية الغابة التي تحتويها.
لكن، من الأهمية بمكان التطرّق إلى الجوانب
السلبية، لأنها الأكثر فساداً وإفساداً في جسد
الحركة الكردية وفعلها السياسي.
ربما أكون
قد أسهبت أو اختزلت في تشخيص ما تعانيه الحركة
الكردية السورية من أزمات ومآزق، وبصرف النظر عن
مدى نجاحي أو إخفاقي في الإحاطة والإلمام بكافة
الجوانب المتعلقة بواقع الحركة الكردية وتجربتها،
فضلاً عمّا يحمله هذا التشخيص من الخطأ والصواب،
أعتقد أني طرحت بعض الرؤى والأسئلة التي من شأنها
فتح محاور هامة للدرس والبحث والنقاش، بغية الحصول
على تصور أشمل وأوضح وأكثر دقةً للمشهد السياسي
الكردي السوري، للسير به نحو غدٍ أفضل، كي تصبح
أفضل الأيام للحركة الكردية هي تلك التي لم تعشها
بعد.
عن موقع الثروة
وبعد: قد يكون
تشخيص السيد هوشنك مبالغاً فيه،وقد لايوافق عليه
أو على بعضه كثيرون أو قليلون،وقد يكون هذا
التشخيص قاسياً أو جارحاً،لكن علينا أن نوطّن
أنفسنا على سماع الرأي الآخر،فربما فيه الخير لنا
ولشعبنا،وربما كان فيه تنبيه لنا على أمور طالما
غفلنا عنها...وفي كل الأحوال فإنها دراسة نجد بين
ثناياها أسئلة يجب علينا الإجابة عليها بصدق
وجرأة،على طريق السداد والرشاد وتلافي التقصير
والسعي إلى ما يقرب الكمال.
إبراهيم درويش |