صفحة البداية | من نحن |  اتصل بنا | مواقع مختارة | بحث 

 
حقوق الإنسان

دراسات

مقالات

من أعلام الكرد

من اللغة الكردية

من الأدب الكردي

جغرافيات

من المكتبة الكردية

تقارير إخبارية

صوتيات

المكتبة الإلكترونية

عالم المرأة


 

 
 

 
 
 
 
 
 

 

المعارضة السورية (1)
جماعات حقوق إنسان - أحزاب - منتديات - مفكرون - جماعات إسلامية سرية *

بقلم :جوشوا لاندس وجو بايس
(مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية ومعهد ماساشوستس
للكتنولوجيا)

18/08/2007

         على مدى عقود، كانت السياسة الأميركية تجاه سوريا مركزة بكل قوة على الرئيس السوري حافظ الأسد، وذلك منذ عام 1970 وحتى عام،2000 ليعقبه ابنه بشار. ولأنهم اعتبروا المعارضة السورية ضعيفة للغاية ومعادية لأميركا، فقد فضل المسؤولون الأميركيون العمل مع نظام الأسد، وبذلك لم يكن لواشنطن علاقات مع المعارضة السورية إلى حين غزوها للعراق في عام 2003 وحتى في ذلك الحين، فان إدارة بوش لم تتواصل سوى مع معارضي النظام السوري المتمركزين في واشنطن. وكانوا يفتشون عن نظير سوري لأحمد الجلبي، زعيم المعارضة العراقية الموالي للأميركيين والذي ساعد على إنشاء قضية لغزو العراق.
         ولم تكن واشنطن مهتمة بالحوار مع الإسلاميين الذين يعتبرون المعارضة الوحيدة ذات القاعدة الشعبية المؤكدة في سوريا. أما بما يعود للمعارضة العلمانية في سوريا، فقد اعتبر مسؤولو السفارة الأميركية في دمشق بأنها لا تملك سوى 'قاعدة ضعيفة'، إذ لا قاعدة جماهيرية شعبية لها أو ارتباط بالشباب السوري. كما أن الاتصال بين أعضاء المعارضة ومسؤولي السفارة يمكن أن يكون خطرا على معارضي النظام ويتركهم عرضة لتهم الخيانة، ولهذه الأسباب، لا تزال الأرض المعقدة والمبهمة لشخصيات المعارضة داخل سوريا منطقة عذراء.
         وبالرغم من أن وزيرة الخارجية كونداليسا رايس كانت قد أصرت على أن واشنطن لا تسعى إلى تغيير النظام في سوريا، وإنما إلى تغيير سلوكه فحسب، فان دمشق لم تكن واثقة مطلقا بأن إدارة بوش لا تخطط لتغيير النظام. وكانت العلاقات السورية - الأميركية قد بدأت بالتدهور بسرعة عقب الغزو الأميركي للعراق، الذي عارضته سوريا بعنف.
         وباتهامها سوريا بدعم الإرهاب في العراق وأماكن أخرى، قامت واشنطن بفرض عدد من العقوبات على سوريا في مايو 2004. وبعد ثلاثة أشهر، ضغطت سوريا على البرلمان اللبناني لكي يتجاوز بنود دستوره ويعيد تعيين اميل لحود، وهو حليف سوري، لثلاث سنوات إضافية كرئيس للبنان. وفي رد على ذلك، تعاونت الولايات المتحدة وفرنسا على رعاية إصدار قرار مجلس الأمن الدولي رقم ،1559 الداعي لانسحاب جميع القوات الأجنبية من لبنان، من ضمنها سوريا، ونزع سلاح الميليشيات، الذي يشمل حزب الله، الحليف الشيعي اللبناني لسوريا، وإجراء انتخابات رئاسية لبنانية خالية من الضغط الخارجي. وكانت واشنطن مصممة على كسب لبنان وإخراجه من نطاق النفوذ السوري كجزء من سياستها لإعادة تشكيل الشرق الأوسط الكبير، كما كانت سوريا مصممة تماما هي الأخرى على عدم السماح بخروج لبنان عن سيطرتها.
         وقد اغتيل رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري في بيروت، وذلك في14 فبراير ،2005 ولمحت الولايات المتحدة فورا إلى أن اللوم يقع على دمشق بخصوص جريمة القتل، وذلك بسحبها سفيرها في اليوم التالي على الاغتيال. لكن ذلك تم فقط بعدما قامت بتسليم ملاحظة للأسد تعبر فيها عن 'استيائها العميق' بخصوص اغتيال الحريري.
          أما في لبنان فقد خرجت تظاهرات ضخمة معادية لسوريا تطالب بانسحاب الجيش السوري والتي أصبحت تعرف لاحقا بثورة الأرز، وبغضون شهر واحد ومع ثورة لبنان الشعبية المتزامنة مع الضغط الخارجي أجبرت سوريا على سحب جيشها من لبنان، ما أنهى 30 عاما من الوجود العسكري السوري هناك. وفي سبتمبر 2005 أصدرت الأمم المتحدة تقريرها الأولي الذي يزج بسوريا في جريمة القتل ويسمي أقارب للرئيس الأسد نفسه. وجعل التقرير الجريء القصر الرئاسي في دمشق بحالة من الإرباك ما جعل القادة الغربيين يتوقعون التفاف الحبل حول عنق النظام السوري.
           أما المعارضة السورية فلم ترد تفويت اللحظة التاريخية إذا ما كان ذلك سيؤدي إلى سقوط النظام وبسبب تشجعهم وحماستهم من نتائج ثورة الأرز والضغط الخارجي على دمشق بدأ قادتها بمحاولة جعل أنفسهم بديلا قابلا للحياة عن النظام، حيث كافح قادة اليسار الماركسي واليمين الإسلامي للعثور على أرضية مشتركة تتعلق بالحرية والديمقراطية  لإنشاء ائتلاف واسع بقصد مكافحة النظام. واتصلت المعارضة داخل سوريا بالجماعات المنفية في سلسلة من التسويات التاريخية المصممة لتوحيد صفوفها وزيادة الضغط على النظام وإقناع الشعب السوري بأنها بديل جدير بالثقة.
           أما الأمل بأن السلطات السورية قد فقدت مرساها وعناصر ثباتها وأمانها، وبأن النظام سرعان ما سوف ينهار فقد كان لا أساس له. فالأسد لم يتحول فقط ليكون خصما عنيفا وحاد الذكاء على غير ما كان متوقعا، وإنما بدأ الضغط على سوريا بالتضاؤل، أيضا خلال عام 2006 ولا تزال هناك أسئلة عدة: من أين أتت المعارضة؟ هل تشكل تهديدا جديدا للنظام في دمشق اليوم؟ ماذا يجب أن تفعل واشنطن الآن؟

تحليل مفصل لمعارضة انشقاقية

          في 10 يونيو عام 2000، وبعد 30 عاما من الحكم مات الأسد، وقد عبر منشق سوري عن المزاج عندما علق بالتالي: 'لقد مات الرجل القوي الآن لدينا فرصة'. أما ارتقاء ابنه للسلطة فقد أنعش الآمال بمباشرة القيادة بإصلاح سياسي ضروري جدا ما أدى إلى ما أصبح يعرف ب 'ربيع دمشق'.
          وفي الواقع كانت الأشهر القليلة الأولى من حكم بشار ناجحة ومزدهرة، ففي خطاب تنصيبه أمام البرلمان كان متألقا بسبب 'تفكيره الخلاق'، كما اقر ب 'الحاجة الملحة' للانتقاد البناء، الإصلاح والحداثة. وفي تحرك لترقيع العلاقات مع الجماعة الإسلامية وإنهاء الحرب المريرة بين النظام والأصوليين قام الأسد بإغلاق سجن 'المزة' السياسي الذائع الصيت الذي أصبح رمزا لوحشية النظام. وقدرت منظمة حقوق الإنسان بأن سوريا احتجزت حوالي 400 سجين سياسي في عام 1993. أما الأسد فقد خفض عدد المحتجزين السياسيين المعروفين إلى 300 - 1000 شخص بغضون السنوات الأولى من حكمه.
          وبشكل فوري تقريبا بدأ المفكرون السوريون، الذين كانوا يعتبرون من المخبولين سابقا، بإظهار إشارات حياة كما بدأت منظمات حقوق الإنسان ومنتديات النقاش بالانتشار عبر البلاد وبتجرئهم بما بدا انه أساس اجتماعي حقيقي للاختلاف بالرأي، بدأ عدد من شخصيات مؤسساتية بارزة - برلمانيين رجال أعمال أكاديميين وقادة معارضة سابقين - باتخاذ الخطوات والدخول إلى دائرة الوهج الإصلاحي. واصدر ناشطو 'ربيع دمشق' بيانا رسميا عن طبيعة السياسات والأهداف لإعطاء التوجه مظهرا خارجيا وحدويا بشأن فيض المطالب الإصلاحية الصادرة عن الشعب السوري المقموع طويلا ، ووقع أكثر من 1000 ناشط اجتماعي بيان ال 1000 توقيع وذلك في يناير 2001 الداعي إلى إصلاحات سياسية شاملة. وفي الأسبوع التالي أعلن البرلماني رياض سيف المنتقد الصريح للنظام عن تشكيل حركة الحزب السياسي للسلام الاجتماعي. وقد أثبتت هذه التطورات أنها أكثر مما يطيق النظام.
           أما المتشددون، القلقون من تصاعد الانتقاد وعدم القدرة على السيطرة عليه، فقد باشروا باتخاذ إجراءات صارمة وهو ما أصبح معروفا ب'شتاء دمشق'. وأطلق النظام كلابه الهجومية، طاعنا علنا بمصداقية قومية المعارضين، حتى انه قام بالاعتداء جسديا على منتقديه. وكان نائب الرئيس السوري، عبد الحليم خدام، قد حذر قائلا بأن الدعوات للتغيير قد ذهبت بعيدا، وادعى بأن النظام لن يتساهل مع التهديدات التي يمكن أن تقود سوريا إلى حرب أهلية. ومع نهاية الصيف، سجن ثمانية من ابرز قادة المجتمع الأهلي، كما أغلقت كل منتديات المجتمع الأهلي ما عدا منتدى واحد.
وعلى الرغم من قصر عمرها، كان لحركة 'ربيع دمشق' انجازات عديدة دائمة، حتى ولو كانت متواضعة. فللمرة الأولى منذ السبعينيات، كان بإمكان الأفراد التعبير صراحة عن وجهات نظر انتقادية للنظام في الاجتماعات العامة. وأخرجت الحرية الجديدة ناشطين منتشرين وسريين من الظل إلى العلن. فحتى ولو استمرت الخلافات الايديولوجية، فقد أصبح المنشقون والمخالفون بالرأي أو المعتقد، على الأقل، واعين للوجود الآخر، ودخلت لغة الإصلاح في المناقشات السياسية.
             وعلى الرغم من هذه النجاحات، فقد فشل 'ربيع دمشق' بإنتاج أي شيء مشابه أو مماثل لمعارضة موحدة. فقد وافقت كل مجموعات المعارضة، تقريبا، على مجموعة مطالب أساسية، ومع ذلك فقد أثبتت حتى هذه الالتزامات المشتركة بأنها ضعيفة وقليلة الأهمية. إن تسخيف الخلافات الإيديولوجية، ونزاعات الشخصيات الشهيرة، والتدخل الحاصل من القوى الأمنية التابعة للدولة، كلها أمور شكلت خلافات أساسية حول كل شيء، بدءا من السؤال عن حقوق الأكراد إلى دور المساعدات الخارجية. وأنتجت هذه المشاكل معارضة منقسمة، غير كفؤة تتألف من رابطات لحقوق الإنسان، أحزاب سياسية، منتديات ولجان مجتمع أهلي، ناشطين ومفكرين مستقلين، وجماعات إسلامية سرية.

جماعات حقوق الإنسان:

           تعمل في سوريا 10 منظمات لحقوق الإنسان، ومركزان لدراسات حقوق الإنسان، وكذلك سلسلة من الروابط الصغيرة ذات القضية الواحدة، مثل لجنة تحرير السجناء السياسيين. ولأن ليس هناك من مؤسسة داخل الدولة مستوعبة لهواجس هذه المنظمات، فإن وظيفتها (المنظمات) الأساسية هي جمع المعلومات حول انتهاكات حقوق الإنسان وإصدار نشرات مع إدانات أو دعوات لإطلاق سراح المحتجزين. فهذه المجموعات هي، وبشكل مثير للجدل، الأجزاء الأكثر فعالية من المعارضة السورية. فتقارير الملفات العائلية المتكررة والمتزايدة مع هذه المنظمات هي مؤشر عن الثقة التي بنتها هذه المنظمات مع شرائح مستهدفة من الأهالي. وأصبحت هذه العائلات أكثر تفهما لعمليات التواصل، مغذين المعلومات المتدفقة والمستمرة للمنظمات الدولية غير الحكومية، لتردع بذلك اشد الانتهاكات سوءا.
           ولسوء الحظ، فإن هذه الجماعات لا تخلو من حصتها من المشاكل. فالعضوية مسألة تافهة وغير جدية. ومن بين المنتمين إليها رسميا، هناك قسم واحد فقط يشارك بنشاط. فعلى سبيل المثال، كانت كل أبحاث وتقارير ومراسلات، لرابطة حقوق الإنسان السورية، في عام ،2004 من نتاجات امرأة واحدة. فمنظمة حقوق الإنسان السورية منقسمة، إن الجزء المركزي للمجموعة مؤلف من 10 أعضاء فقط، ولدى المنشقة عنها، عضو واحد مشتبه به، إلى حد واسع، كعميل امني للدولة. فحتى المنظمات المجهزة بفريق عمل أفضل لا تعمل إلا بموازنات ضئيلة بالكاد تكون كافية، معتمدة على رسوم العضوية التي نادرا ما يتخطى مجموعها بضع مئات من الدولارات شهريا، او على الثروة الشخصية لمؤسسيها.
           وقد قوضت الأزمة المستمرة الممارسات الديمقراطية داخل هذه المنظمات، فالملكية المؤسساتية الحقيقية الوحيدة، غالبا، تكون لمكتب الناشط الشخصي، الأمر الذي يعطيه، أو يعطيها، نفوذا مفرطا وغير شرعي بما يتعلق بالعمليات الداخلية للمنظمة. وقد رثى احد الناشطين من الذين قطعوا علاقتهم مع رابطة حقوق الإنسان قائلا بأن مؤسسها ومالك مكتبها 'أدار الرابطة وكأنها إقطاعية شخصية له'. إذ ليس هناك من مجال لاجتماع محايد، فإذا ما انفجر صراع شخصي بين المالك وناشط آخر، فإن الأخير مجبر على الإذعان أو الانفصال عن الرابطة.
           كما أن هناك صراعات شخصية مختلفة بين المنظمات، وما يثبت ذلك هو قرار منظمات حقوق الإنسان المتعددة مقاطعة التظاهر أمام المحكمة الأمنية الوطنية العليا خلال محاكمة أكثم نعيسة، إذ ليس هناك من مجال، ولو ضئيل، لمجتمع ما كي يظهر أقصى تكاتفه عندما يواجه أعضاؤه محاكمات سياسية مزيفة. فهذه المشاجرات تحد من مسألتي التعاون وتقاسم المعلومات، الأمر الذي يقود إلى استخدامات زائدة عن الحاجة وغير كفؤة للموارد المؤسساتية.

المنتديات ولجان المجتمع الدولي:

           إن المجتمع الأهلي في سوريا عبارة عن أرض قاحلة، فحتى في ذروة الحمية الإصلاحية لبشار الأسد، رفض النظام إعطاء التراخيص للجماعات المعارضة، واختار بدلا من ذلك التساهل إزاء عملياتهم غير القانونية إلى حين تملي القناعة السياسية غير ذلك. أما الرابطات الأهلية القليلة التي تم إعطاؤها تراخيص، فهي إما مشاريع مدللة لشخصيات النظام، مثل رابطات التطوير الخاصة بزوجة الرئيس، أو النقابات المهنية، التي تعتبر قيادتها، بالقانون، مستمدة من الموالين لحزب البعث.
          وعدا رابطات حقوق الإنسان، فإن الرابطات الأهلية الوحيدة الناجية من إجراءات 'شتاء دمشق' الصارمة هي لجنة إحياء المجتمع الأهلي، ومنتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي. أما الأهداف المعلنة لهذه الرابطات، فمتعددة الأوجه. إذ من المفترض بها توفير منتدى للتعبير عن وجهات النظر الانتقادية، وان تكون أرضا مرحلية للتجمع معا وتشكيل منصة موحدة، والعمل كقوة موازنة للطائفية عن طريق تسهيل الحوار بين الجماعات الإثنية والدينية المختلفة.
           إن أوراق التقرير مختلطة. فمنتدى جمال الأتاسي للقاءات الشهرية يجتذب، وبانتظام، مئات المشاركين، الذين هم أكثر من مجرد تظاهرات، وهذا ثابت، لكنه لم تصدر عن هذه الاجتماعات نتائج حقيقية وملموسة. وبحسب كلمات لأحد الناشطين: 'يعبر الناس عن وجهات نظرهم، ويختلف الآخرون معهم، وعندما ينتهي المنتدى، يذهب الناس إلى بيوتهم من دون حل للجدال على الإطلاق، فثلاث ساعات من المحادثات، مرة كل شهر، لن ينتج معارضة موحدة'. فالكل الشيء نفسه، إذ يوفر منتدى الأتاسي مسرحا مهما لشخصيات المعارضة لإيصال صوتهم وصورتهم للعلن. إنها إشارة لليسار العلماني بأن الضمير والوعي الشعبي لم يتم محوه. كما أن المنتدى مفيد للرئيس كدليل على أنه ليس معارضا بالمطلق لحرية الكلام.
 

الأحزاب السياسية:

         إن الأحزاب السياسية هي الرابط الأضعف في المعارضة. وباستثناء الأحزاب الكردية، التي يشتهر أعضاؤها بأنهم قوميون، لم يقم أي حزب بزرع جذوره في المجتمع، وتبلغ عضوية الحزب اللا طائفي والأكثر شعبية اقل من 1000 شخص، ما يجعل عدد الأعضاء الفاعلين مبالغاً بهم بشكل ضخم من قبل العملاء الأمنيين.
          وبعكس الاعتقاد الشعبي، لا تعاني سوريا من نقص في الأحزاب السياسية المعارضة. وفي الواقع، المشكلة هي أن هناك وفرة بهذه الأحزاب، على الرغم من الحقيقة كلها غير مشروعة تقنيا. إن الأحزاب 'الفزاعة' المؤلفة من مقاولين أو ثلاثة، تم تشكيلها بتواتر كهذا بحيث توقف الناس عن السير بهذا المسار. وقد تسببت مسألتا الضغوط الأمنية والافتقار للديمقراطية الداخلية، معا، بهشاشة الأحزاب وميلها للتمزق والانشقاق. فعملاء الدولة يخترقون الأحزاب، بسهولة، ويثيرون الخلافات والنزاعات الداخلية، كما يشكلون أحزابا انفصالية بأعضاء غير فاعلين، وليس هناك مثال أفضل للمعارضة السورية الميالة للانقسام أكثر من كمية الأحزاب الكردية المذهلة، التي تتغير أعدادها بشكل متواتر للغاية، بحيث نادرا ما يذكر مراقبان للمعارضة في تقاريرهما العدد نفسه.
          وعلى الرغم من أن مؤشرات أخرى - التظاهرات الشعبية، تجمعات المجتمع الأهلي، حضور المعارضين في الإعلام - تعكس صورة النشاط المعارض المتزايد من عام 2002 حتى عام 2005 فإن عضوية الحزب قد انخفضت بالواقع خلال تلك الفترة. فالأحزاب أثبتت سخافتها وعدم كفاءتها، تحديدا في تجنيد الشباب. فرياض الترك، أكثر زعماء الحزبين المعارضين الحائزين على التقدير، جدد شباب حزبه في السنة الماضية، ووضع في ذهنه هذا المأزق المحير: 'ليس لدينا منصة عمل متناسبة والظروف الحالية التي يواجهها هذا المجتمع.. فطلاب الجامعات الشباب وأولئك القادمون من الأرياف، لا يجد أي منهم أي شيء يناسبهم داخل هذه المعارضة'. فالناصريون، الذين لا يزالون مؤيدين لقاعدة جمال عبدالناصر القومية العربية والاقتصاد الاشتراكي، واليساريون الذين يهيمنون على التحالف الحزبي المعارض الأكبر في سوريا، هو 'التجمع الوطني الديمقراطي'، يعتبرون والى حد واسع، شيئا من مخلفات الماضي، وبأنهم أشخاص متمسكون بإيديولوجيا انهارت مع انهيار الاتحاد السوفيتي. أما حزب الترك، ثاني اكبر حزب في 'التجمع الوطني الديمقراطي' فقد كان إحدى القصص القليلة الناجحة. فالحزب الشيوعي سابقا، أعيدت قولبته في حزب ليبرالي ذي قاعدة متجددة وقيادة احدث سنا وأكثر شبابا، ويعتبر هذا الحزب بكل الحسابات الحزب الوحيد الذي يمتلك عضوية مرتفعة باستمرار.
          وبحكم انقسام المجتمع السياسي السوري، أصبح العمود الفقري للمعارضة في فترة ما بعد الربيع (ربيع دمشق) مؤلفا من المفكرين والناشطين المستقلين الذين يمتلكون في أفضل الأحوال، قيادة من دون أتباع، وكما كان الناشط عمار قربي قد أشار 'حقا، لا يوجد شيء كالمعارضة.. فهناك ناشطون وكتاب مستقلون'.

 

الانبعاث الإسلامي:

           على الرغم من عفو الأسد عن مئات الأعضاء في حركة الإخوان المسلمين خلال سنواته الثلاث الأولى من حكمه، ورغم جهوده المتكررة رغم إخفاقها في الإصلاح، لم يكن هناك مؤشر على أن النظام قد بدأ يصبح أكثر تساهلا مع النشاط السياسي الإسلامي. فذكرى مجزرة حماه، التي سحقت ثورة الإخوان المسلمين في عام ،1982 والقانون 49 الذي يعاقب كل من هو عضو في الإخوان المسلمين بالموت، رغم أن معظم العقوبات قد تم تخفيضها إلى السجن مدة 12 عاما، قد أدت إلى كبح مسألة وجود إسلامي منظم داخل سوريا.
           وعلى الرغم من استحالة تبيان المدى الذي يتعاطف به الشعب مع الإخوان المسلمين، فإن التدين المتزايد وندرة التوجهات الليبرالية الموثوق بها سيجعلان من الإخوان المسلمين قوة سياسية جبارة إذا ما سمح لها بالتحرك. ومع ذلك، ورغم التوقعات المنذرة بالخطر، فمن غير المرجح احتكار الإخوان المسلمين للسياسة السورية. فنحو 30 في المائة من السوريين، الذين هم من الأكراد والمسيحيين أو العلويين، يعارضون حركة الإخوان المسلمين بسبب عجزها وتقصيرها، كما يعارضها عدد من المتحضرين من الطبقة العليا - الوسطى القلقين من الصرامة والتزمت الأخلاقي للقوى الإسلامية.
           أما الحزب الإسلامي الوحيد الموجود داخل سوريا فهو حزب التحرير الذي يمتلك اقل من 1000 عضو، بحسب ما يقول ناشطوه، وقد أصبح هذا الحزب 'كليشيه' بالنسبة للصحافيين للإشارة إلى التزايد في عدد النساء المحجبات والرجال الملتحين، وهي إشارات عن النموذج المثالي للصحوة الدينية، وعموما على كل حال، لا يعتبر نوع الإسلام المنبعث في سوريا أصوليا ولا مسلحا، فبدلا من السقوط ضحية له، استطاع النظام السيطرة على نشاطه عن طريق احتكار المؤسسة الدينية وصقل وتلميع أوراق اعتمادها الإسلامية.
           إن التوجهات الوهابية والسلفية التطهيرية منقسمة. فالبعض يؤيد صمتا سياسيا وحتى التعاون مع الدولة، بينما ينصح آخرون بالتهييج والتحريض السياسي، فناشطوهم محدودون، إلى حد كبير، بمجموعات نقاش صغيرة ومنتشرة، إذ ليس هناك من شبكة مؤسسة تستحق الذكر.
ومنذ صيف ،2005 كانت هناك صدامات متكررة بين القوى الأمنية وأولئك الذين تدعي الحكومة بأنهم مسلحون إسلاميون. وعلى كل حال، هناك نظرية مقبولة ظاهريا، بأن النظام السوري قد نظم بعض هذه الهجمات، على الأقل، لاستثارة تعاطف الغرب وتبرير هجومها على إسلاميين مسالمين.       إن توقيت هذه الصدامات، بحسب ما يقول المتشككون، كانت مناسبة جدا بالنسبة للنظام. فمنذ بدء احتلال العرق، أصبح النظام السوري واقعا تحت ضغط هائل لاتخاذ إجراءات صارمة بخصوص المتمردين الأجانب الذين كانوا يستخدمون سوريا كنقطة لمباشرة العمل داخل العراق.
          وقد حدث تفجير 2004 في المزة، في الوقت تماما الذي كانت فيه إدارة بوش، الغاضبة من دعم سوريا للمتسللين، تفكر مليا، وبصرامة، بكيفية فرض عقوبات مفوضة من مجلس الشيوخ ضد سوريا. كما حدث تدفق لاحق بالهجمات عندما كانت لجنة ميليس تصل إلى نتيجة تحقيقها الأولي عن اشتراك سوريا باغتيال الحريري.
          وقد وصفت مذيعة أخبار في شبكة تلفزيون العربية، وبشكل غير مقصود، دافعا محتملا لهندسة الصدامات عندما أشارت إلى أن 'الحادث يضع سوريا على قائمة الدول التي تواجه التهديد الإرهابي. وبالنتيجة، يأمل السوريون بأن يخفف الحادث من الضغوط العالمية عليهم، خاصة بما يتعلق بالتحقيق باغتيال الحريري، ومدى السيطرة على الحدود مع العراق'.
           وحتى لو كانت الهجمات عملا لإسلاميين معادين، فإن حدوثها يثبت فقط انتشار الخلايا المسلحة المعزولة. فهؤلاء يتحكمون في دعم شعبي ضئيل جدا في شارع سوري لا يزال قلقا من الصدامات العنيفة بين الإسلاميين والنظام في أوائل الثمانينيات. وبسبب كبت النظام للتوجهات الإسلامية السياسية، فمن غير المرجح، بشدة، أن يظهر الإسلاميون كقوة معارضة رئيسية داخل سوريا، بصرف النظر عن كيفية تدبر الإخوان المسلمين لأنفسهم جيدا في المنفى.

المعارضة السورية (2)
بصدور 'إعلان دمشق' 2005 أصبح ممكنا الحديث عن 'معارضة سورية'

بقلم :جوشوا لاندس وجو بايس
(مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية ومعهد ماساشوستس
للكتنولوجيا)

        في الحلقة الأولى من دراسة 'المعارضة السورية' المنشورة في 'القبس' ، تناول المؤلف التشكيلات المكونة لتلك المعارضة، خصوصا جماعات حقوق الإنسان، والإسلاميين، والأحزاب، وهيئات المجتمع الأهلي، والمفكرين والمثقفين، واعتبر أن المعارضة مفككة، ومخترقة من قبل أجهزة الأمن، واعتبر أن تأثيرها في المجتمع السوري ما زال محدودا، رغم ما قامت به من انجازات، خصوصا في 'ربيع دمشق' الذي لم يزدهر ولم يتمكن من توحيد المعارضة.
وفي ما يلي الحلقة الثانية من الدراسة:
الحرب العراقية: شحن الطاقة أم إضعافها؟
         بالنسبة للمؤيدين الملحين على ما يدعى قلب نظرية الدومينو - بأن انهيار صدام حسين سوف يرسل بموجة مد من التوهج والحمية والديمقراطية في كل المنطقة - فقد تحولت الحرب لتصبح سيفا ذا حدين. فالناشطون بالغوا في دعواتهم للإصلاح باسم حماية سوريا من قدر العراق. لكن الحرب صدمت أيضا الناس كافة وجعلتهم يحتشدون خلف هذا النظام، الذي كان رئيسه الفخور يحافظ على الاستقرار في البلد. وقد أجبرت حمية الديمقراطية الجديدة لإدارة بوش دمشق على تبني لغة الإصلاح، لكنها سهلت، أيضا، جهود الدول لتصنيف المنشقين كخدام وتابعين للغرب. فانهيار صدام أثار مسألة تحريك المعارضة الكردية، لكنه بذلك فاقم من التوترات بين المعارضة الكردية والمعارضة العربية.
         ورغم أن الأكثرية الساحقة من المنشقين السوريين كانوا قد أدانوا بقسوة حرب العراق، فإنهم قرنوا لومهم القاسي جدا بالدعوات للإصلاح. وفي أيار 2003، وبعد شهر فقط من سقوط بغداد، أحال ناشطو المجتمع الأهلي التماسا للرئيس محذرين من الايدولوجيا والسياسات 'العدائية، العنصرية، المغرورة والشريرة' للولايات المتحدة وإسرائيل، وناشدوه القيام بالإصلاح لتقوية سوريا إزاء التهديدات الخارجية. وفي 8 أيار 2004 نظم ناشطو المعارضة اعتصاما غير مسبوق أمام البرلمان. وفي الوقت نفسه على كل حال، وجدوا أنفسهم، وبشكل متزايد، عرضة لاتهامات الخيانة، فعلى سبيل المثال، كان الاستثناء الوحيد للتعتيم الإعلامي بخصوص الاعتصام، مقالة لرئيس تحرير صحيفة البعث، التي اتهمت المتظاهرين بمحاولة 'تعزيز الضغوط الممارسة من الخارج'.
        وكان الناشطون العرب متناقضين حول حرب العراق، إلا أن الأكراد رحبوا بها بابتهاج جماعي تقريبا. وأشعل سقوط صدام حسين، رمز القمع الكردي، شرارة انبعاث القومية الكردية داخل سوريا. وبدأت جماعات المعارضة الكردية بإثارة التحريض بشأن الحقوق الكردية، بما في ذلك عودة الأراضي المصادرة في المنطقة الشمالية الشرقية، والحق بتعليم ودراسة اللغة الكردية، وتقويم ومعالجة التمييز المنظم ضد الأكراد في الدوائر البيروقراطية الرسمية وجنسيات الأكراد التي نزعت عنهم المواطنة السورية في عام 1962. وبدأ عدد أصغر من الأحزاب بالمطالبة بحكم ذاتي سياسي وحكومة فدرالية.
         وقد قال مشعل تيمو، الناطق باسم 'التوجه المستقبلي الكردي'، في ملاحظة له إن 'حرب العراق حررتنا من ثقافة الخوف.. لقد شاهد الناس كرديا يصبح رئيسا للعراق وبدأوا يطالبون بحقوقهم الثقافية والسياسية في سوريا. وفي مارس 2004، انفجرت مباراة لكرة القدم بشكل صدامات بين الأكراد والعرب في القامشلي، المدينة الشمالية الشرقية، مما أدى إلى تظاهرات كردية في كل مدن سوريا الكبرى. أما النظام السوري فلم يتوان عن سحق ما دعي بالانتفاضة، مطوقا وجامعا آلاف الناشطين ومغرقا المنطقة الشمالية الشرقية، التي يهيمن عليها الأكراد، بالقوى الأمنية.
           أما تأثير نهوض الأكراد على المعارضة ككل فقد كان مختلطا، مرة أخرى. فبطريقة ما، لعبت مسألة انفجار القومية الكردية، وسط تزايد الضغط الأميركي والإسرائيلي على سوريا، لمصلحة النظام - قامت إسرائيل، قبل أشهر، بشن ضربة جوية على الأرض السورية.
          وفي حين اتهمت صحافة الدولة عملاء أجانب ببدء أعمال الشغب، أججت المؤسسات الأمنية الشكوك في أن الأكراد كانوا طابورا خامسا - انفصاليين ويعملون لمصلحة التدخل العسكري الأميركي - ليحتووا بذلك الاضطراب والهيجان داخل الدوائر الكردية. حتى أن ناشطين عربا متحمسين كانوا ذات مرة متعاطفين مع القسم الكردي، ترددوا بدعم حركة يلجأ عدد من قادتها بمحبة وحنان إلى الرئيس جورج بوش، مثل أبو آزادي (أبو الحرية).
         ومن جهة أخرى، أجبر حجم الثورة الناشطين العرب على الاعتراف بأن الأكراد قوة لا يمكن تجاهلها بعد الآن.فالمعارضة العربية تناضل لإنزال 300 متظاهر إلى الشارع، في حين أن المعارضة الكردية تستطيع إنزال مئات الآلاف. وكانت المعارضة العربية، قبل هذا الحدث، متجاهلة، إلى حد كبير، القضية الكردية بسبب شكوكها في أن النشاط الكردي كان غطاء لمواصلة المطالبة بكردستان مستقلة. أما الأكراد، فاتهموا بالمبالغة بالتعبير عن حرمانهم ومعاناتهم، كما اتهموا بمراجعة التاريخ لترسيخ الادعاء الكردي بالأراضي السورية.
        وبعد وقت قصير من الانتفاضة الشعبية، بدأ الزعماء العرب والأكراد بتشكيل اتصالات والاشتراك بعمليات تنسيق على مستوى منخفض. وأمل العرب في العمل على ظهر القوة البشرية للأكراد، في حين أمل الأكراد في إدخال الحقوق الكردية إلى أجندة المعارضة العربية. فالأهداف كانت التغلب على الشكوك المتبادلة، التي كان النظام يرعاها باهتمام شديد، وإنشاء جبهة موحدة للإصلاح. فالبروز المتزايد للقوى الكردية اعترف به حتى تنظيم الإخوان المسلمين، الذين بعد عام واحد تماما من الانتفاضة الشعبية، أصدروا تصريحا يعلنون فيه تكاتفهم مع الأكراد والاعتراف بشرعية مظالمهم، وذلك للمرة الأولى في التاريخ.

 

موت الحريري، حياة جديدة للمعارضة:

          في 14 فبراير 2005، مزق انفجار موكب الحريري ليقتله مع 22 آخرين. ورمت الولايات المتحدة فورا باللوم على سوريا وزادت من الضغط على النظام. وعلى الرغم من التأكيدات المتبجحة المنشورة بداية بأن سوريا لن تخضع للتحقيق الدولي الذي هو ظاهريا بحث وتحقيق في انه في الحقيقة يهدف إلى تشويه سمعتها، فقد انحنى الأسد في النهاية أمام الضغوط وأنهى 30 عاما من الاحتلال السوري للبنان. وكان لتنامي عزلة سوريا الدولية المتزايدة وخروجها المذل من لبنان تأثير نفسي عميق على المعارضة. وحسب ما قال كمال اللبواني:
'لأول مرة، كان يمكن مشاهدة إمكان انهيار النظام، حتى ولو كان ذلك أمرا بعيد الاحتمال، وبدأ الناس يفكرون بشكل أكثر جدية حول توفير البديل'.
         وشهد ربيع 2005 فورة بالجهود المبذولة لتوحيد صفوف المعارضة. تطورت الاتصالات المنخفضة المستوى بين العرب والأكراد إلى صيغة 'لجنة التنسيق الوطنية للدفاع عن الحريات الأساسية وحقوق الإنسان'، وهو التحالف المعارض الأكثر شمولا حتى تاريخه. وفي نيسان، أصدرت 'لجنة إحياء المجتمع الأهلي'، اكبر تشكيل للمجتمع الأهلي السوري، تصريحا تدعو فيه إلى 'فتح قنوات الحوار' مع كل شرائح المجتمع السوري، بمن في ذلك 'الإخوان المسلمين'.
         ولأول مرة منذ مجزرة حماه 1982 الشائنة، دعت مجموعة معارضة داخل سوريا للحوار مع الإخوان المسلمين. وبعد شهر من ذلك، قرأ الناشط والكاتب علي عبدالله رسالة من المراقب العام للإخوان المسلمين، علي صدر الدين البيانوني، يشجع فيها على اكتشاف كل الحركات السياسية السورية، حتى إن حزب البعث الحاكم كان حاضرا وممثلا. وكانت المرة الأولى التي يكون فيها 'الإخوان المسلمون' ممثلين علنا داخل سوريا منذ عام 1982. وبعد ذلك بوقت قصير، جلس الترك إلى جانب البيانوني وأعلن نيته القيام بتشكيل تحالف مع الإخوان المسلمين. وتم وضع أسس العمل لائتلاف معارض أوسع حتى
إعلان دمشق.
          وفي 18 تشرين الأول، قبل 5 أيام فقط من الصدور المحدد لتقرير الأمم المتحدة الأول حول اغتيال الحريري، كشف الائتلاف الأكثر تنوعا وتعددا للمعارضة حتى تاريخه، عن 'إعلان دمشق'، وهي وثيقة تؤسس لمنصة موحدة لأجل تغيير ديمقراطي. فالإعلان نشأ من رحلة سرية إلى المغرب قبل بضعة أشهر فقط للمفكر ميشال كيلو للاجتماع مع البيانوني ومناقشة مبادرة جديدة لتوحيد القوى.
          وقد اتفق الاثنان على أربعة مبادئ توجيهية رئيسية - الديمقراطية، اللا عنف، وحدة المعارضة، والتغيير الديمقراطي - وقد فوض البيانوني ميشال كيلو التفاوض حول تخالف مبني على أساس واسع لمصلحة الإخوان المسلمين. وسمح النشر الدولي للإعلان الأخير للمعارضة، قبل أيام فقط من صدور النتائج الأولى حول اغتيال الحريري، بالاستفادة من التغطية الصحفية المبالغ بها لسوريا وجعلت مسألة العثور على بدائل لنظام الأسد تكبر.
         صدر الإعلان مع خمسة تواقيع لتحالفات حزبية، منظمات المجتمع الأهلي، وتسعة مفكرين. وبغضون 24 ساعة، بدأت عشرات الرابطات والأحزاب داخل وخارج سوريا بالإعلان عن دعمها. ولأول مرة في التاريخ السوري، توحد تجمع مؤلف من الأحزاب المتنازعة بعضها مع بعض والمفكرين المنتشرين الذين يمثلون القوميين الأكراد، القوميين العرب الاشتراكيين، الشيوعيين، الليبراليين والإسلاميين بظل قاعدة واحدة للتغيير الديمقراطي. أما ناشطو المجتمع المدني، الذين تكبروا سابقا على الأحزاب السياسية، فقد ضموا قواهم إليهم، وتم تشكيل مجهود مدروس لضمان أن يكون الموقعون على الإعلان مرحبا بهم من أكثرية المحافظات السورية. وبحسب ما قال احد الناشطين: 'مع إعلان دمشق، فقط، بإمكاننا التحدث عن المعارضة السورية'.
تجنبت الوثيقة عددا من القضايا التافهة التي لاحقت مجموعات المعارضة، وتراجعت عن إعلان دولة دينية، آخذة موقفا بشأن أي نموذج اقتصادي أو تحديد لطبيعة الحل للمشكلة الكردية، بدلا من القول بالانكباب عليها مستقبلا في إطار عمل ديمقراطي شامل. أما السمة البارزة الأخرى لـ'إعلان دمشق'، وعلى خلاف الإعلانات السابقة، فهي انه أعقبتها لجنة مؤقتة للإشراف على التنسيق المستمر بين الموقعين على الإعلان.
          وكانت الانتقادات لإعلان دمشق، وبطرق شتى، دليلا على تفاهة الانقسامات التي سادت المعارضة. فالعبارة التي تشدد على انتماء سوريا إلى 'النظام العربي' هي التي حفزت على إشعال النار من قبل القوميين العرب وكذلك الأكراد. وقد أدان بعض القوميين العرب هذا الأمر بصفته تسوية دنيئة وحقيرة على حساب التراث العربي لسوريا، كما أدان بعض الأكراد المتطرفين، بشكل مساو، مسألة الرجوع للهوية العربية فقط كدليل على الشوفينية العربية التي لا تنتهي، ومع انكشاف هذه الانتقادات، فإن جهود عدد من المنشقين تفشل باكتساب دعم واسع بسبب الأسلوب وليس المحتوى.
           أما الانتقادات الحقيقية للإعلان، فقد دارت حول مسألة العودة الخاصة للإسلام كمرجعية، والذي رجع إليه بصفته 'دين وإيديولوجية الأكثرية'، والمكون الثقافي الأكثر بروزا في حياة الأمة والشعب، كما دارت حول معالجة الحقوق الكردية. كما حذر بعض المعلقين من أن الجهود المبذولة لمحاكمة الإخوان المسلمين قد تفاقم التوترات الطائفية. واحتج احدهم قائلا إن واضعي المسودة قد 'سلموا، ومن دون أن يرف لهم جفن، تاريخ سوريا الطويل من العلمانية والفصل بين الدين والدولة'، فبالنسبة للقضية الكردية، اثنت ثلاث مجموعات كردية على مطالب 'الإعلان' بخصوص التغيير الديمقراطي، لكنها رفضت في النهاية، الإعلان وذلك على خلفية انه كان غير كاف بشأن قضية الحقوق الكردية، لأنه لم يعترف بوضوح وصراحة بالأكراد كقومية مستقلة ذات روابط تاريخية بالأرض.
         فالميثاق بين المجموعات العلمانية والإخوان المسلمين كان نعمة هائلة بالنسبة للجانبين، إذ كان بإمكان الإخوان المسلمين إبراز صوتهم من خلال وسائل المجتمع المدني السوري، في حين تحصل العناصر العلمانية على تأييد حركة إسلامية بارزة، فبعد مؤتمر حزب البعث المخيب للآمال، أمل الناشطون العلمانيون في أن تخفف هذه الرابطة من الشكوك الشعبية من أن المعارضة العلمانية معادية للإسلام، نخبوية، وموالية للغرب.
        وقد تسبب الائتلاف في قرع جرس الإنذار للنظام الذي كافح على مدى 20 عاما لحرمان الإخوان المسلمين من الحصول على موطئ قدم لهم في المجتمع السوري، وشن النظام هجوما مضادا من خلال بدائله داخل الدوائر المنشقة والفكرية. إذ طغت رحاب البيطار، من التجمع الديمقراطي الحزب شبه المعارض، في صحة دوافع الموقعين على الإعلان، مرددة أقوال ومنطق النظام كالببغاء، وسط تدفق الضغوط الدولية بأن أي تحد للدولة يعرض امن الشعب السوري للخطر، وقدم النظام نفسه كضامن للاستقرار واتهم المعارضة بتجاهل الغدر الأميركي والإسرائيلي هو الأسوأ، تسهيله عن طريق السعي لتقويض الدولة. ولسوء الحظ، لا تزال الاتهامات حول ولاء المعارضة تتردد بين أفراد الشعب الذي يسيطر عليه القلق.

 

المعارضة والعالمية:

          لطالما كان هناك جدل قوي وعنيف داخل المعارضة السورية حول دور القوة الخارجية، فبالنسبة لأحد طرفي النقاش، المعارضة مجموعة مهمة من الوطنيين الرافضين لأي شكل من أشكال المساعدة الخارجية، خاصة الولايات المتحدة، والتي تعتبر إيديولوجيتها ملخصة في شعار 'نحن لن نذهب إلى الجنة على ظهر الشيطان'. أما على الطرف الآخر، فإن المعارضة عبارة عن عدد قليل من الليبراليين المتناثرين المهمشين الذين يرحبون بأي وبكل ضغط ممكن يؤدي إلى إضعاف النظام، فالمنطق المعتدل يدرك الحاجة للمساعدة الخارجية، إنما يرفض أي شيء يؤثر على أجندة المعارضة، أو يسحب القوة والسلطة من يديها.
         وقد أدى تطوران إلى تفويض مؤيدي حركة الإصلاح، الأول بدء مجموعات المعارضة في المنفى في الانتشار في عام 2004، ليبدؤوا بذلك بذل الجهود لصياغة علاقات بين القوى الخارجية والمحلية. أما التطور الثاني والاهم، فهو بدء النظام في التضييق على الناشطين داخل سوريا آذار 2005، وتصاعد هذا التضييق منذ ذلك الحين، مما حث الناشطين على السفر إلى الخارج وتشجيع نظرائهم في المنفى على تشكيل لوبي للضغط على حكوماتهم نفسها 'حكومات الدول الخارجية'.
         وكثف النظام من قمعه للناشطين خلال انسحاب عام 2005 من لبنان إلى مستويات غير مشهودة منذ 'شتاء دمشق' 2001، فقد بدأ النظام في اعتقال ومضايقة ناشطي المجتمع المدني، وقام بالتحريف والتشويه لحرمانهم من التعبير في الإعلام، وفي منتصف آذار 2005 سحب وزير الإعلام التراخيص من قناة 'الحرة' وراديو 'سوا' اللتين ترعاهما الولايات المتحدة، لأنهما غطتا تظاهرة 10 مارس أمام قصر العدل. كما تم إغلاق موقع الكتروني يقدم مقالات متكررة حول المعارضة يدعى 'موقع إيلاف الالكتروني'، إلى جانب الرسالة الإخبارية 'كلنا لسوريا' الشديدة الأهمية. وقد بعث هذا برسالة واضحة إلى الصحافيين الباقين بعدم الدخول مع المعارضة أو تغطيتها.
         وفي أيار ،2005 اعتقلت القوى الأمنية كامل أعضاء اللجنة الإدارية لمنتدى جمال الأتاسي لقراءتهم بصوت عال رسالة من الإخوان المسلمين.ومن هنا، تم إطلاق سراحهم جميعا لاحقا ما عدا شخص واحد، وتم إغلاق المنتدى نهائيا ـ وهي الرابطة الأخيرة التي نجت من إجراءات 'شتاء دمشق' الصارمة. وارتفع عدد الاعتقالات العشوائية والاستدعاءات ومذكرات الجلب الأمنية بشدة وبسرعة. ومع حلول منتصف الصيف، كانت كل تجمعات المعارضة محظورة، أما أولئك الذين حاولوا الالتفاف على الحظر، فقد وجدوا منازلهم ومكاتبهم محاصرة بالقوى الأمنية، وشرح احد الناشطين وقع ذلك على المعارضة: 'لقد أصبح من المستحيل علينا، تقريبا، القيام بأي شيء داخل سوريا. لذا، كان أمام الناس خياران: إما أن يتراجعوا ويعودوا لسابق عهدهم بالعمل السري، كالذي كانوا يقومون به في الثمانينيات، وإما أن يسافروا وينظموا أنفسهم في الخارج.
          وبعد مؤتمرات عديدة عقيمة وفاشلة، ارتبطت المعارضة الداخلية والخارجية مع بعضها، وبنجاح، في كانون الثاني 2006 في واشنطن، فالمؤتمر لم يخلق ائتلافا جديدا، لكن الأمور التي لازمته نتيجة له من داخل سوريا شهدت كلها على انجازه الوحيد. لقد كانت خطوة أولى مهمة لكسر جدران عدم الثقة بين الناشطين داخل سوريا والمنفيين المقيمين في الولايات المتحدة.

 

المعارضة السورية (3)
 المعارضة السورية
استثمار طويل الأمد
 

بقلم :جوشوا لاندس وجو بايس(مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية ومعهد ماساشوستس للكتنولوجيا)
          في الحلقتين السابقتين من دراسة 'المعارضة السورية' تناول المؤلف التشكيلات المكونة لتلك المعارضة، خصوصا جماعات حقوق الإنسان، والإسلاميين، والأحزاب، وهيئات المجتمع الأهلي، والمفكرين والمثقفين، واعتبر أن المعارضة مفككة، ومخترقة من قبل أجهزة الأمن، واعتبر أن تأثيرها في المجتمع السوري ما زال محدودا، رغم ما قامت به من انجازات، خصوصا في 'ربيع دمشق' الذي لم يزدهر ولم يتمكن من توحيد المعارضة، وكذلك نتائج اتفاق المعارضة فيما أصبح يعرف بإعلان دمشق، وتأثير سقوط صدام حسين وحرب العراق على المعارضة كما على الحكم.
وفي ما يلي الحلقة الثالثة والأخيرة من الدراسة:

 

مفاجأة خدام المذهلة تجدد نشاط المعارضة:
           في 30 كانون الأول 2005 صعق نائب الرئيس الأسبق عبد الحليم خدام، الذي كان ذات مرة منتقدا ثابتا وقويا للمعارضة، النظام والمعارضة على السواء بمهاجمته النظام بشدة على شبكة محطة أخبار العربية. فمعارضته توريث الأسد كانت سرا معروفا، إذ  كان يفترض هذا الموقع لنفسه. وبعدما وصل الأسد إلى السلطة، وجد خدام نفسه مهمشا أكثر فأكثر إلى أن قام بتقديم استقالته كنائب للرئيس، أو اجبر عليها.
           وبعد هذه المقابلة، عاد وسكن في باريس، حيث أعلن من هناك تحالفه مع الإخوان المسلمين، وفي آذار 2006، انتهى مؤتمر عقد في بروكسل بالإعلان عن تحالف معارض جديد عرف ب 'جبهة الإنقاذ الوطني'، الذي شدد على النهج الليبرالي: التعددية الدينية والعرقية، والسياسية والفكرية، وتداول السلطة ونهاية التمييز ضد الأكراد الذين وصفوا بأنهم 'شركاء في الوطن'.
          لقد كان انشقاق خدام وتشكيل 'جبهة الإنقاذ الوطني' ضربة مفاجئة لثقة النظام بذاته، اكبر من 'إعلان دمشق'. ففي أفضل الأحوال، دل الإعلان عن قرب حدوث وحدة اكبر داخل المعارضة، لكن ذلك الأمر بذاته لم يعزز موقف المعارضة داخل المجتمع. فبينما كان المنشقون يكافحون لتشكيل شبكة دولية وكانوا جائعين للحصول على تمويل، كان خدام يمتلك ثروة شخصية، ثروة من العلاقات المهمة ومعرفة وثيقة وأساسية بالأعمال الداخلية لنظام غامض سيئ السمعة.
         أما التحالف، فقد عزز مواقف خدام والإخوان المسلمين. فبالارتباط مع خدام العلماني، يكون الإخوان المسلمون قد أبدوا تشوقهم وحماسهم بجعل البراغماتية السياسية أولوية على حساب الإيديولوجية الضيقة. وربما يكون ذلك قد خفف من قلق العلويين وقادة الجيش الذين كانوا يعتقدون أن حركة الإخوان المسلمين الأولى في السلطة ستكون التخلص من الموالين القدامى للنظام. كما أن بإمكان خدام اجتذاب البعثيين بطريقة لا يقدر عليها البيانوني. فنائب الرئيس السابق نشر رسالة مفتوحة لبعثيي النظام مزينا لهم رفض الولاء لزمرة العائلة الصغيرة الحاكمة لسوريا، وتقديم ولائهم، بدلا من ذلك، إلى البلد الأم التي ادعت 'جبهة الإنقاذ الوطني' بأنها تمثله، ويمكن للإخوان المسلمين الاستفادة أيضا من علاقات واتصالات خدام الدولية والداخلية. وفي هذه الأثناء، كان الإخوان المسلمون قد قدموا لخدام رخصته الإسلامية، بحيث يكون بإمكانه العمل الآن على ظهر دعمهم داخل سوريا.
          على كل حال، فقد أعادت 'جبهة الإنقاذ الوطني' فتح الانقسامات داخل المعارضة الداخلية التي كان 'إعلان دمشق' قد أمل ختمها. ولم يقم أي من الناشطين داخل سوريا بالإعلان صراحة عن دعمه لهذه الجبهة - فقيامهم بذلك يحمل في طياته عقوبة السجن القاسية بشكل مؤكد - لكن معظم المنشقين انقسموا إلى معسكرين. فقد عارض احد المعسكرين بحماس، من حيث المبدأ، التعامل مع خدام، رمز النظام البعثي القمعي والمخطط والمنفذ لإجراءات 'شتاء دمشق' الصارمة، كما أدان البعض في هذا المعسكر الأول التحول الجاري بمركز جاذبية المعارضة من دمشق إلى أوروبا الغربية، مع العلم بان خدام كان قد فر إلى باريس، بينما انتقد البعض غيظ وسخط المشاركين في مؤتمر جبهة الخلاص الوطني لعدم ضمه آيا من الناشطين من داخل سوريا. وعبر منتقدون آخرون عن رثائهم لفشل الإخوان المسلمين في التشاور مع حلفائهم الجدد في 'إعلان دمشق' وكان البعض في لجنة إعلان دمشق المؤقتة، قد هللوا، في الواقع، لفكرة إبعاد الإخوان المسلمين، رسميا، عن صفوف 'الإعلان'.
         أما المعسكر الثاني، وفي حين كان متفائلا، بحذر، بخصوص جبهة الخلاص الوطني كصيغة سياسية، وفخورا ومسرورا بشأن ظهور تحالف معارض، فانه لا يزال قلقا من شخصية خدام. فهذا الحدث يهيمن عليه ليبراليون منشقون وأكثر تقبلا للمساعدات الخارجية، كما يهيمن عليه أولئك الذين هم من اشد المتعصبين في معارضتهم للنظام. فالترك، الذي دعا بجرأة في أكتوبر 2005 إلى استقالة بشار، قال علنا: 'في حين انه ليس علينا دعم خدام، فإننا لن نحاربه لمصلحة النظام'، مضيفا بان المعارضة مفتوحة للجميع، بما في ذلك المنشقون البعثيون اللاجئون (إلى الخارج). وقد أيد عدد مهم من حركات المعارضة الخارجية جبهة الخلاص الوطني، حتى ولو كان ذلك غصبا عنهم. فحقيقة أن تشكيل جبهة الخلاص الوطني لم تؤد إلى تقسيم المعارضة هي إحدى الدلائل المادية الملموسة والصلبة القليلة لقوة 'إعلان دمشق' المتجانسة. 'فالإعلان' قدم للمعسكرين المتنازعين مجموعة أفكار ومثلاً عليا متفقا عليها، ولم يكن أي ناشط ملتزم يريد رؤية انجاز المعارضة الجديدة، الأكبر والوحيد، ينحل بعد أشهر فقط من ولادته.
         وكانت جبهة الخلاص الوطني قد باشرت، منذ ذلك الحين، بحملة دبلوماسية للحوار والشراكة مع قوى إقليمية معادية لبشار، بتأسيسها لاجتماعات ومكاتب لها في تركيا. كما وحدت علاقاتها مع العناصر المعادية لسوريا في لبنان، رافعة بذلك مخاوف دمشق من أن لبنان قد يتحول إلى انجاز أولي يمهد ويفتح الطريق للتقدم أمام قوى المعارضة. فالإخوان المسلمون، على سبيل المثال، قاموا بمناقشة الآليات لمعارضة الأسد مع الزعيم الدرزي اللبناني وليد جنبلاط. فنجاح المعارضة ببناء ائتلاف واسع، حتى ولو كان هشا، وقدرتها على الحصول على دعم مبدئي من الحكومات الأجنبية، حث النظام على المضي بالهجوم.

 

'شتاء دمشق' آخر:
         تصاعدت الإجراءات الصارمة التي بدأت في مارس 2005 إلى هجوم محموم بعد انشقاق خدام، إذ تشجع النظام وقام بتكثيف إجراءاته بسبب حدثين، على الأرجح. الأول، شعور نظام الأسد بأنه قد تفادى رصاصة مع تقرير الأمم المتحدة. والثاني حول جريمة قتل الحريري. فعلى خلاف التقرير الأول الذي صدر في تشرين الأول 2005، لم تتهم التقارير اللاحقة سوريا وجعل ذلك الأمر الغرب يشعر بصعوبة اكبر لجهة إبقاء الضغط على سوريا وتثبيته. ثانيا، اعتقاد النظام السوري، على الأرجح، بان الولايات المتحدة منشغلة بالحرب على العراق وبقضية مواصلة إيران لبرنامج تسلحها النووي، وبأنها منهمكة للغاية لتقوم بصرف رأسمالها السياسي الثمين على تهييج النفوس لأجل القيام بالإصلاح الداخلي في سوريا.
          وفي مارس 2006، عندما لم يكن هناك من شك بخصوص دعم الخارج لقوى المعارضة، قام النظام السوري بتضخيم اتهاماته للمنشقين، إذ اتهمهم بالاتصال غير المشروع مع عناصر أجنبية، وتم اعتقال اللبواني فورا، كما وصفنا سابقا، عقب عودته من اجتماعات مع مسؤولين أوروبيين وأميركيين واتهم مبدئيا بالانتماء إلى منظمة محظورة، وبالتحريض على النزاع الطائفي والتسبب 'بالضرر لصورة البلاد'، وكان السيناريو الأسوأ لهذه الحالة السجن مدة 10 سنوات، ثم قام النظام لاحقا برفع اتهامات جديدة ضد اللبواني: 'الاتصال مع بلد أجنبي وحثه على المواجهة المباشرة'،، مما يحمل في طياته عقوبة السجن المؤبد أو الموت.

 

سياسة الضغط الثابت
         أما بما يتعلق بصيف 2006، فإنه لم يتم السماح، عمليا، لأي منشق سوري بمغادرة البلاد، إذ يصادر العملاء الأمنيون جوازات سفر الناشطين أو يبلغونهم عن حظر السفر عليهم خلال الاستجواب، وغالبا ما يتم إبعاد الناشطين من الحدود من دون سبب، كما حدث مع عدد منهم حاولوا السفر إلى الأردن ولبنان، وفي صيف 2006، ورغم العفو العام الدوري المتكرر للسجناء السياسيين - إذ أطلق النظام سراح 5 من أصل 8 محتجزين بعدما انهوا عقوباتهم - فقد تبنى النظام سياسة الباب الدوار للاعتقالات، بمعني إطلاق سراح احدهم فقط ليعود ويحتجز اثنين آخرين بعد أيام، أو اعتقال الناشط نفسه، مرة أخرى، للمحافظة على مستوى ثابت من الضغط ، فعلى سبيل المثال، تم احتجاز سيف، المنتقد الصريح للنظام، مرتين خلال الأشهر الثلاثة بعد إطلاق سراحه.
          كما تقوم القوى الأمنية بردع المجندين من الانضمام لقوى المعارضة عن طريق إجراءات هجومية عقابية متساهلة لمرة واحدة يقوم بها أشخاص غير منتسبين للمعارضة، وفي عودة إلى أيام حافظ الأسد الإرهابية، فقد كان يتم حتى اعتقال المواطنين العاديين بسبب تمريرهم ملاحظات ضد النظام، وفي ابريل 2006، تم احتجاز رجل متقاعد يبلغ من العمر 70 عاما بسبب ملاحظات كهذه مع أصدقائه في مقهى، وعند كتابة هذه الدراسة، كان مكان وجوده لا يزال مجهولا ! فحتى الفساد الذي كان موضوع عدد من حملات الدولة، والذي سبق ونوقش بصراحة في صحف الدولة، أصبح هو الآخر موضوعا خطيرا، إذ تم استجواب وتهديد فراس سعد، الذي أسس 'المبادرة الوطنية لإنهاء الفساد في سوريا'، وذلك بعد نشر مذكرة مناهضة للفساد في ربيع 2006.
        وفي 12 مايو 2006، وقع 300 مفكر سوري ولبناني 'إعلان دمشق - بيروت'، حيث دعا هؤلاء إلى تطبيع العلاقات بين لبنان وسوريا، فللوهلة الأولى فسر النظام الوثيقة، غير المؤذية للمشاعر، كدليل على أن المعارضة السورية كانت تعمل رسميا على تشكيل اتحاد مع الحكومة المعادية لسوريا في لبنان، فجنبلاط، السياسي اللبناني الأكثر تعبيرا عن انتقاداته ومعاداته لسوريا، والذي كان قد دعا إلى تدخل عسكري أميركي في سوريا، كان قد التقى مع أعضاء من الإخوان المسملين السوريين ومع خدام.
          وهاجم النظام الوريد الأهم للمعارضة، إذ اتهمت افتتاحية في صحيفة 'تشرين' التابعة للدولة، الموقعين على الإعلان ب 'تناسي كل ضحايا وتضحيات سوريا لأجل لبنان والانضمام إلى الشيطان وبالهجوم المفتوح ضد سوريا، بقيادة إدارة بوش'، وبعد يومين من نشر هذه الافتتاحية، استدعت الشرطة السرية ميشال كيلو، الواضع الأساسي 'للإعلان'، للاستجواب، ومنذ ذلك الحين وهو متهم ب 'إضعاف الشعور الوطني' و'نشر الأخبار الخاطئة والمبالغ بها التي بإمكانها التأثير في مكانة الدولة وهيبتها'.
          واستهدفت الاعتقالات كل عنصر من عناصر المعارضة - مناصري حقوق الإنسان، القوميين العرب، الأكراد، اليساريين، الليبراليين، وكانت الدولة تقصد بذلك تحذير المعارضة بأن لا احد مستثنى من الجزاء إذا ما صاغ تحالفات مع حكومات أو عناصر خارجية، وبدأ الناشطون يتحدثون عن 'التصفية الأخيرة' للمعارضة، وعلى كل حال، وعقب حرب صيف 2006 في لبنان، أطلق النظام سراح ثمانية من أصل عشرة من الموقعين على 'إعلان دمشق - بيروت' من الذين كان قد اعتقلهم، كما عزز 'النصر' المعلن لحزب الله وسوريا على إسرائيل من ثقة النظام السوري بنفسه وزاد من شعبية الأسد داخل سوريا، فالنظام لم يعد يشعر بأن لديه ما يخاف منه من المعارضة السورية المتحدة مع الحكومة اللبنانية الضعيفة والفاقدة للمصداقية، فالكل سواء، حيث لم يتم إطلاق سراح ميشال كيلو ولا أنور البني، وهو محام يدافع عن ناشطي 'ربيع دمشق'، من السجن.

 

لم يتبق أي ديموقراطي

 

         غيرت انتصارات الإسلاميين المذهلة في العراق، كما في مصر وفلسطين خلال العام الماضي، وكلها حصلت في انتخابات بضغط أميركي إلى حد كبير، مجرى رياح إدارة بوش المؤيدة للديمقراطية. فواشنطن اهتزت، وهذا مفهوم، بسبب النتائج غير المقصودة لحلمتها الديمقراطية. فهي لا يمكنها تحمل تعزيز اكبر لحالة معاداة الأمركة في المنطقة. كما كان القادة السياسيون والعسكريون الإسرائيليون قد أوضحوا أنهم لا يريدون حصول زعزعة استقرار نظام الأسد العلماني بسبب تخوفهم من الفوضى التي قد تقود إلى وصول الإسلاميين إلى السلطة.
          ومع ذلك، لا يجب أن يحصل ردع للجهود الأميركية في رعاية وتنشئة المجتمع المدني في سوريا، حتى في الوقت الذي تبتعد فيه واشنطن وتنقلب على أفكارها بتغيير النظام وتعزيز حالة عدم الاستقرار. فقمع النظام منع ظهور بديل ليبرالي لحزب البعث. أما أولئك الباحثون عن أيديولوجية جيدة بين أوساط الشباب السوري، فقد تحولوا، أكثر فأكثر، إلى الإسلام أو التصقوا بهوياتهم العلمانية. وكما كان المفكر ياسين الحاج صالح قد علق: 'عندما تقوم بقمع الأحزاب لأجل كل الأهداف العلمانية، فانك تسجن الناس في إطار علم العضوية التقليدية أو العضوية ذات التمركز العائلي... وقد عزز سحق الاستقلال، أي الحياة السياسية الحرة في سوريا، الفرصة لعودة ولادة العلمانية كما أدى إلى خلق هذه الأزمة'.
            وفي الوقت الذي تمنع فيه أجهزة امن الدولة منتديات المجتمع الأهلي العامة من الانعقاد، تقوم مجموعات النقاش الإسلامية غير الرسمية بالانتشار. ورغم أن دعوة هؤلاء بالأرض الخصبة للعسكرة الإسلامية أمر مبالغ فيه، فإنهم لا يفسحون المجال لإصلاحيين إسلاميين. أما منتديات المجتمع الأهلي فمواقع شديدة الأهمية لنشر الدعاية لليبرالية والأيديولوجيات البديلة. فالمعارضة السورية ستضج، فقط، بمرور الوقت، ويجب اعتبارها بمنزلة استثمار طويل الأمد، وليس شيئا سريعا على المدى القصير يمكن استخدامه لزعزعة أو تهديد النظام السوري.

         إن استخدام الدعم للمعارضة كهراوة ضد النظام السوري لن ينجح، لان المعارضة ضعيفة جدا لكي تشكل تهديدا جديا للنظام. كما أن التكتيك سيشوه سمعة المعارضة بجعلها تظهر بمظهر الأداة بيد القوى الأجنبية، وهو أمر يجعل المسؤولين السوريين في غاية السرور لاستغلاله.
          وليس هناك من صيغة بسيطة أو سهلة لتعزيز المجتمع الأهلي والحركات الديمقراطية في سوريا. إذ لن تنتج سنوات من المساندة الأميركية معارضة قادرة على الإطاحة بالأسد، ودمشق تعلم هذا، وإذا ما كانت تعتبر بان واشنطن تقوم بدعم وتقوية المعارضة كبيدق سياسي زائل في لعبة الشطرنج، فبإمكانها الانتظار لحين يزول الضغط بدل المباشرة بإصلاح داخلي.
ورغم خطاب إدارة بوش حول دعم الحريات في الشرق الأوسط، فان سياستها السورية التي كانت تركز عليها بشكل لا مثيل له تقريبا، كانت تدور حول تغيير سياسة الأسد الخارجية، التي يدعمها السوريون بشكل ساحق، وليس على تغيير سياسات الأسد المحلية أو على تحسين الظروف داخل سوريا، وهذا ما تريده سوريا. فهذا التركيز يجعل من الصعب جدا على المعارضة السورية دعم الخطاب والسياسات الأميركية المؤيدة للديمقراطية، والتي تعتبر بمكانة حجج وذرائع لزعزعة الأنظمة التي تعارض المصالح الأميركية في المنطقة. فمطالب واشنطن بوقف سوريا دعمها لحماس أو منظمات فلسطينية راديكالية أخرى، في حين تبقى صامتة بوجود مصادرة الأراضي الفلسطينية، يضع المعارضة السورية في موقف مستحيل مقابل الولايات المتحدة. فالمعارضون للنظام بحاجة إلى الدعم الخارجي للدفاع عن أنفسهم، لكن ليس بإمكانهم التحول إلى الولايات المتحدة، التي تعتبر بلدا غير موثوق به بشكل واسع بسبب دعمها الثابت لإسرائيل.
         أصبح الموقف الأخرق والفظ الذي وجدت المعارضة نفسها فيه ظاهرا بسرعة مع نهاية عام 2005، عندما سعى البيت الأبيض للوصول إلى المعارضة السورية والتطرق إلى قضيتها علنا. فقد طالب بوش في 11 أكتوبر ،2005 بإطلاق سراح اللبواني من السجن إلى جانب مناصرين آخرين للمجتمع الأهلي، وأصر على أن 'تبدأ سوريا باستيراد الديمقراطية'. وبعد ذلك، وفي فبراير 2006، أعلنت الإدارة الأميركية عن قرارها بمنح مبلغ 5 ملايين دولار لتعزيز حكم القانون، ومحاسبة الحكومة، وإمكان الدخول الحر إلى المعلومات، وحرية الكلمة، وانتخابات حرة ونزيهة في سوريا. وفي أوائل نيسان 2006، عبر مسؤولو الإدارة الأميركية عن اهتمامهم بسماع وجهات نظر 'جبهة الإنقاذ الوطني' وهو إعلان غير ملزم لكنه التلميح الأول إلى أن الولايات المتحدة ستعيد درس رفضها العنيد والصلب للحوار مع الإخوان المسلمين.
         لقد وضعت هذه الخطوات المعارضة في موقف مفتقد للطمأنينة والثبات بشكل خطير، أي معتمدة على أسس مشكوك فيها. وحثت اجتماعات اللبواني في واشنطن الوطنيين القوميين، المهيمنين على المعارضة، على إبقاء أنفسهم على مسافة من جهوده (اللبواني).
         وكان قرار التمويل الأميركي سببا لمعضلة اكبر، مما سمح للنظام باتهام الناشطين بأنهم دمى خاضعة للولايات المتحدة. أما من جانبهم، فقد صرح الإخوان المسلمون، بدلا من التعبير عن سعادتهم بان الولايات المتحدة ستستمع إلى مطالبهم، بأنهم لا يريدون شيئا سوى أن توقف الولايات المتحدة دعمها لنظام الأسد، فالإخوان المسلمون غير مهتمين بالدعم الأميركي. ويصيب هذا الجدل عمق القومية العربية ويجد صداه لدى جماهير تشعر بأنها مطوقة ومحاصرة بشكل غير عادل من قبل الغرب العدائي المولع بالحرب.
         ولا تزال سوريا قلب العروبة النابض، حتى ولو كانت الآن غير مسموعة تقريبا في باقي العالم العربي. وقد استغل النظام، بذكاء، هذه المشاعر لتشويه سمعة المعارضة. واخبر بوش أخيرا الحكومة العراقية بأنه إما سيكون هناك 'وحدة أو فوضى'. وقال الأسد الشيء نفسه للسوريين، بان ثمن التفكك - أي الانشقاق' في الأزمة السياسية الراهنة هو الفوضى. فكارثة العراق أعطت مصداقية لادعاء النظام بان التدخل الأجنبي سيكون مدمرا.
         أما رد المعارضة على التمويل، فكان متوقعا. فقد رفضت كل أصوات المعارضة، ما عدا قلة، المساعدات علنا وبشكل قاطع لا يقبل الالتباس. فالناشطون والمنشقون عملوا على تلميع وصقل أوراق اعتمادهم الوطنية بقوة ونشاط شديدين. وصرح ميشال كيلو: 'لسنا أعداء للنظام. نحن نريد إصلاحه من خلال مجهود وطني كبير لحماية البلاد، خصوصا ضد أميركا'. أما حسن عبد العظيم، فقد تحدث عن 'إعلان دمشق' بالنيابة عندما قال محذرا: 'إذا ما وجدنا أي شخص يقوم بتقبل مساعدات خارجية، فإننا عندها سنتخذ موقفا حاسما وقاطعا ضده'. كما رفضت فئة اصغر وأكثر تطرفا الدعم المعنوي والدبلوماسي حتى لناشطين محتجزين ومضايقين باستمرار.
            والمقصود من بعض هذه الأمور تجنب الاتهامات بالخيانة، لكن ذلك يعكس أيضا حالة عدم الثقة العميقة بالسياسة الأميركية، التي تبدو منحازة دوما باتجاه إسرائيل ومعادية لمصلحة سوريا. وقد وفرت الحقيقة بان إعلان التمويل في شباط 2006 قد جاء أثناء الحظر الأميركي على حكومة حماس المنتخبة ديمقراطيا في فلسطين، خامة للمشككين الذين يعتقدون أن الديمقراطية التي تحث عليها الولايات المتحدة ما هي إلا مظهر خادع مفضوح لأجل توسيع مصالحها الاستراتيجية. كما أن تردد الولايات المتحدة في صنع هدنة في لبنان في صيف 2006 أدى إلى تدمير ثقة إصلاحيين عرب أصدقاء للغرب بالولايات المتحدة والتزامها بحقوق الإنسان وبحلفائها العرب.

 

ماذا الآن؟

 

           لكي تبني الولايات المتحدة علاقة مستديمة مع المعارضة السورية وتعزز فرصها، سيكون عليها تجديد جهودها لتعزيز تسوية سلام شامل في المنطقة. إذ إن تسوية إقليمية بين إسرائيل وأعدائها الباقين في العالم العربي هي فقط ما سيقلب المشاعر الشعبية الراديكالية المعادية للأمركة في المنطقة، ويجعل من الممكن بالنسبة لقادة المعارضة السورية تقبل السياسات الأميركية واعتناقها في المنطقة. وطالما أن بإمكان النظام السوري اتهام الولايات المتحدة بعدم تحديد موقفها من ادعاء سوريا بمرتفعات الجولان وكذلك اتهامها بدعم الجهود الإسرائيلية في ادعائها لملكية الأراضي الفلسطينية وتسوية وضع الضفة الغربية، فان المعارضة السورية ستبقي واشنطن على مسافة منها وسيتهمها النظام بإضعاف سوريا خلال أوقات الأزمة.
          ولا تزال المعارضة السورية ضعيفة بوجه قوى النظام الهائلة من القمع واحتكار الصحافة. وقد مكن الانترنت والفضائيات المعارضة من نشر رسالتها، لكن هذه الإمكانات لا تزال مقيدة ومحصورة ولا يمكنها منافسة الدولة. فرسالة المعارضة الليبرالية لا تصل سوى إلى النخب العليا من المجتمع المرتبطين بالعمل السياسي والذين يستطيعون الدخول إلى الانترنت.
          أما أكثر الأمور التي أضرت بالجدل الديمقراطي الكبير في المنطقة، فكان فشل الولايات المتحدة ببناء دولة متعددة وناجحة في العراق. فالعنف وعدم الاستقرار المرعبان اللذان سادا الدولة المجاورة لسوريا منذ الغزو الأميركي، عززا من شرعية الأسد. إذ يعتقد الآن عدد من السوريين، الذين كانوا متشجعين، أولا، بزعم بوش القائل إن الشرق الأوسط جاهز للديمقراطية، بان التجربة مع التعددية قد تكون محفوفة جدا بالمخاطر. فسوريا، كالعراق، مجتمع مؤلف من تنوع ديني وعرقي كبير، وليس هناك ضمانة بان لا ينفجر العنف السياسي في سوريا إذا ما انهار امن الدولة. وقد استغل الأسد هذا الخوف بادعائه بأنه كما كانت واشنطن مخطئة، تماما، بشأن العراق، فإنها مخطئة بعرضها أن سوريا جاهزة لتغيير النظام وللديمقراطية.
          كما عززت الحرب في لبنان خلال صيف 2006، أيضا، النظام وأضعفت المعارضة. فقدرة حزب الله على الثبات بوجه الغزو الإسرائيلي جعلته محبوبا للغاية في سوريا، وانعكس ذلك بشكل جيد على الأسد، الذي كان مساندا كبيرا لحزب الله. أما المعارضة السورية، بالمقابل، وبتحالفها مع معارضي حزب الله في لبنان، فقد خرجت ضعيفة من النزاع. ولم تضعف المعارضة الموالية لأميركا، بشدة، بسبب الحرب فقط، وإنما لان الأسد اتهمها بدعم إسرائيل، ضمنيا، ومعارضة 'الموقف العربي'. وبسبب شعبية حزب الله في سوريا عقب الحرب، كان الشعب السوري متعاطفا مع هذا الجدل الرئيسي.
          وبالرغم من أن المعارضة السورية لا تزال لا تقارن بالحكومة السورية، فإنها قامت بعدد من الخطوات المتقدمة على مدى العامين الأخيرين، أما أهمها، فهي البدء بالعملية الصعبة لتوحيد صفوفها حول مجموعة مطالب مشتركة مؤسسة على مبادئ الديمقراطية وسيادة القانون. وتخلى تنظيم الإخوان المسلمين، الحزب الإسلامي الأقدم والأكثر احتراما، عن ادعاءاته بوجوب تأسيس نظام القانون الإسلامي في سوريا، حالا، كما تخلى عن زعمه بان السوريين من غير المسلمين لا يتقاسمون الحقوق السياسية كالمسلمين. واعتنق زعيم الإخوان المسلمين لغة التعددية والحقوق المتساوية لكل المواطنين.
          وبطريقة مشابهة، تخلى اليسار العلماني عن الماركسية والطليعية لمصلحة مطالب ليبرالية أكثر كلاسيكية بالحرية وسيادة القانون. أما مفاهيم حقوق الإنسان، واحترام الحريات الفردية، وحرية التعبير، فقد أصبحت الآن مطالب مشتركة لدى طيف قادة المعارضة السورية.
         أما ثقافة الليبرالية العظيمة، فهي تنمو الآن بين أوساط الطبقات العليا والوسطى السورية، رغم أنها لا تزال في تنافس مع الأسلمة، المهيمنة على أوساط الطبقات الوسطى، والأدنى. وبمرور الوقت، فقد يكون حتى للعنف في العراق وقع تعديلي على حروب الثقافة الموجودة الآن بين الليبراليين والإسلاميين. فالسوريون كانوا مرعوبين بسبب العنف في العراق، كما قاست جميع الأحزاب الأمرّين لشجب وإدانة الطائفية وثورة العنف. أما في المدى الطويل، فان ما سيساعد السوريين على تجاوز الحكومة الفاشستية هو خلق هوية مشتركة فيما بينهم. وأدى تطوير المعارضة للمبادئ المشتركة إلى الدفع قدما بهذه العملية.
-----------------
* المصدر:القبس الكويتية

أعلى الصفحة | عودة إلى دراسات

جميع الحقوق محفوظة لموقع وحدة العمل الوطني لكرد سورية Copyright © 2007
 | اتصل بنا | صفحة البداية | مواقع مختارة | بحث