صفحة البداية | من نحن |  اتصل بنا | مواقع مختارة 

 
حقوق الإنسان

دراسات

مقالات

من أعلام الكرد

من اللغة الكردية

من الأدب الكردي

جغرافيات

من المكتبة الكردية

تقارير إخبارية

صوتيات

المكتبة الإلكترونية

 

 
 

 
 
 
 
 
 

لننتصر على هتلر -  كتاب مثير وغير عادي ، يثير عاصفة في إسرائيل
نبيل عودة *

15/06/2007

" إسرائيل ،الثورية الفتية المليئة بالحياة ، تحولت إلى  متحدثة باسم الأموات ،دولة تتحدث باسم كل أؤلئك غير الموجودين ، أكثر مما تتحدث باسم كل أؤلئك الموجودين . وإذا كان هذا لا يكفي ، الحرب حولتنا ، بدون إرادتنا ، من ظاهرة شاذة ، لنصبح قاعدة الشواذ نفسه . طريقة حياتنا قتالية . مع الجميع  . مع الأصدقاء ومع الأعداء . قتال مع الخارج وقتال مع الداخل ، يمكن القول ، ليس بتوسع أو بشكل مجازي ، أنما بحزن وثقة ، إن الإسرائيلي يفهم فقط ... القوة. هذا الوضع بدأ كحالة استعلائية إسرائيلية أمام عجز العرب من التغلب علينا في ساحات الحرب ، واستمر كإثبات للكثير جدا من التصرفات والقناعات السياسية ، التي لا يمكن قبولها في عالم سوي. كل دولة تحتاج إلى قوة بدرجة معقولة. إلى جانب القوة تحتاج كل دولة أيضاً إلى سياسة وقدرة نفسية على لجم القوة . لنا توجد قوة . الكثير من القوة وفقط قوة . لا يوجد لنا أي بديل للقوة ، ولا نملك أي فهم أو إرادة عدا أن نجعل القوة تتكلم .. " و إعطاء جيش الدفاع الإسرائيلي لينتصر " . في نهاية الأمر حدث لنا ما يحدث لكل ممارسي العنف والبلطجية في العالم : شوهنا التوراة وشوهنا مفاهيمنا  ولم نعد قادرين  نحن أنفسنا على فهم أي شيء آخر عدا لغة القوة . حتى على مستوى علاقة الزوج بزوجته ، وعلاقة الإنسان بصديقة ، وعلاقة الدولة بمواطنيها ، وعلاقة القادة ببعضهم البعض . إن الدولة التي تعيش على حرابها ، والتي تسجد لأمواتها ،  نهايتها ، كما يبدو ، إن تعيش بحالة طوارئ دائمة ، لأن وجهة نظرها أن الجميع نازيون ، كلهم ألمان ، كلهم عرب ، كلهم يكرهوننا ، والعالم ، بطبيعته ، كان دائما ضدنا ... "

 

هذا مقطع من الكتاب المثير ، والذي أحدث عاصفة ما تزال في بدايتها ، وهزة عميقة للغاية في المجتمع الإسرائيلي ، أشغلت وسائل الإعلام والمعلقين و أصحاب الرأي والفكر ، ومتوقع أن يواصل هذا الكتاب استفزازه ، عبر توجيه صفعات اليمة ، للكثير من المسلمات التي بدأ المجتمع اليهودي في إسرائيل يتعامل معها  كقوانين للحياة لا يجوز اختراقها ، أو التشكيك فيها . أو التفكير بصياغات أخرى بديلة ...

مؤلف الكتاب " ابراهام بورغ "هو إنسان غير عادي ، والده يوسف بورغ كان قائدا للحزب الوطني الديني (المفدال) ووزير في حكومات إسرائيل المتعاقبة منذ العام  1951 وحتى العام 1988 ,عضو في الكنيست الأولى وحتى الكنيست  الحادية عشرة ، حين خرج للتقاعد ... وهو من المهاجرين اليهود الألمان  الذين وصلوا فلسطين منذ العام 1939. وابنه ، ابراهام بورغ وراؤه سيرة حياة مثيرة أيضاً .

كجندي احتياط ، انضم ونظم قبل 25 سنة مجموعة "جنود ضد الصمت " ، وهي من أول التنظيمات  الاحتجاجية  التي يقوم بها الجنود ، وقتها ضد الحرب اللبنانية الأولى ، وما خلفته من مذابح ضد الفلسطينيين في صبرا وشاتيلا (1983 ) ونجحوا بتحريك احتجاج جماهيري لم تشهد إسرائيل مثيلا له من قبل أو من بعد .. إذ نظموا مظاهرة احتجاجية شارك فيها 400 آلف إنسان .. وبدأ نجم بورغ بالسطوع السياسي . بدأ طريقه بمعية شمعون بيرس ( حزب العمل،سطع نجمه كقائد لجيل الشباب في حزب العمل ، انتخب للكنيست ، واختير كرئيس للوكالة اليهودية ، وعاد فيما بعد للنشاط السياسي  ، وانتخب رئيسا للكنيست ، وكان مرشحا لقيادة حزب العمل ، والمنافسة على رئاسة الحكومة ، حين ترك فجأة العمل السياسي ، واتجه للأعمال الحرة .

كتاب بورغ  المثير للجدل في المجتمع الإسرائيلي هو كتاب " لننتصر على هتلر " ، يقول بورغ إنه استغرق عشر سنوات لإنجازه .

قراءة الكتاب تكشف أسباب هذا الوقت الطويل الذي استغرقت بورغ كتابته ، الكتاب ليس مجرد ببلوغرافيا لشخصية سياسية مؤثرة ، ويمكن اعتباره ببلوغرافيا فكرية . انه حساب قاس مع النفس ، مع المجتمع ، مع التاريخ ، مع الأخلاق ،مع الفكر ، مع المفاهيم ومع السياسة الممارسة...

 الكتاب جريء في طرحه للحقائق عن الواقع الإسرائيلي، والمجاهرة بنقد المقدسات والمواقف النهائية والإيمانية للمجتمع الإسرائيلي، التي كانت تبدو أزلية، وعليها شبه إجماع قومي من اليمين حتى اليسار .. من معسكر السلام وحتى سوائب المستوطنين...

ما لفت انتباهي للكتاب ليس فقط ما أثاره من النقد الواسع ، وبعضه عنيف ضد المكاشفة الجريئة والقاتلة في الكثير من تفاصيلها ، التي قام بها بورغ في كتابه ، إنما أيضاً ما قاله في مقابلاتة التلفزيونية ، مفسراً تحول مفاهيمه ، أو طرحه لتجربته الحياتية والسياسية  . قال ، وهذا النص أيضاً مسجل في كتابه : "  أنا إنسان ، وأنا يهودي ( بورغ يهودي متدين – نبيل ) وأنا إسرائيلي . الصهيونية كانت أداة لنقلي من حالة التراكمية اليهودية إلى حالة التراكمية الإسرائيلية. وأعتقد أن بن غوريون ( أول رئيس لحكومة إسرائيل – نبيل ) هو القائل إن الحركة الصهيونية كانت دعائم لإقامة البيت القومي ، وانه بعد إقامة الدولة ، يجب فكها " .

إذن هل تخلى بورغ عن يهوديته ( كمتدين ) وعن قوميته الإسرائيلية كوطني إسرائيلي ؟!  وهي أسئلة طرحت عليه عبر المقابلات التلفزيونية وعبر ما نشر من مراجعات لكتابه المذهل في صراحته.

أجاب : اليهودية السائدة اليوم هي اليهودية الحريدية ( السلفية المتعصبة – نبيل ) وأنا لست كذلك ، والقومية اليهودية السائدة اليوم  هي قومية المستوطنين ، وأنا لست منهم ".

 بورغ متهم في العاصفة التي أثارها كتابه ، انه لم يعد صهيونيا..  وذلك على ضوء ما كتب: " في المؤتمر اليهودي الأول انتصرت صهيونية هرتسل على صهيونية  أحاد هعام  علينا أن نبقي هرتسل وراءنا ، وأن ننتقل إلى أحاد هعام " .( احاد هعام - 1856 – 1927 - اسم أدبي لكاتب يهودي روسي ، كانت رؤيته أن اليهودية تعني المصداقية والاستقامة في التعامل مع كل إنسان ، وان تبني مجتمعا يشكل نموذجا لسائر الشعوب  ، وان تكون مركزاً روحياً لليهودية المتجددة ، والاستقامة والعدل – نبيل  )

احاد هعام ، يكتب بورغ : " اتهم هرتسل بأن كل صهيونيته مصدرها باللاسامية ، بينما أحاد هعام فكر باتجاه آخر ، فكر بإسرائيل كرمز فكري ،  اتجاه أحاد هعام لم يمت ، والآن حان وقته .. " ويحذر من اليهودية والصهيونية السائدتين في إسرائيل، ويصفهما بأنهما "مليئتان بالمصائب “.  

 من المواضيع المثيرة في كتاب بورغ ، رفضه لصيغة دولة يهودية ، جاء في كتابه : " إن تعريف دولة إسرائيل كدولة يهودية ، هذه بداية نهايتها . دولة يهودية يعني قنبلة ، مواد تفجير " .

         ويرفض بورغ النشيد القومي : " النشيد القومي رمز ، أنا على استعداد لقبول واقع أن كل شيء جيد وفقط النشيد القومي سيء".

ومن المواضيع البارزة في الكتاب ، دعوة بورغ لفك الوكالة اليهودية ، وتغيير قانون العودة ( عودة اليهود إلى إسرائيل – نبيل )

يكتب حول قانون العودة: " يجب طرح الموضوع للنقاش. قانون العودة هو قانون يفتقد للاستقامة،هو نسخة مشابهة لهتلر . أنا لا أريد أن يعرف لي هتلر هويتي . كشخص ديمقراطي وإنساني، هذا القانون يضعني في تناقض، قانون العودة يباعد بيننا وبين يهود المهجر وبيننا وبين العرب ".

         وعن الوكالة اليهودية.. : " منذ كنت رئيسا للوكالة اليهودية، اقترحت تغيير اسمها من الوكالة اليهودية لأرض إسرائيل إلى الوكالة اليهودية للمجتمع الإسرائيلي “... " ويجب أن يكون بمركز نشاطهم تقديم الخدمات لكل مواطني إسرائيل، بما في ذلك العرب “.

         ويكتب عن حرب لبنان : " انظروا إلى حرب لبنان ، عاد الشعب من ساحة الوغى . كانت انجازات معينة . كانت قصورات معينة . كشف عن أمور عدة. كنت أتوقع من وزراء وأشخاص من اليمين أن يفهموا، انه عندما نعطي لجيش الدفاع الإسرائيلي أن ينتصر، فهو لا ينتصر. القوة ليست هي الحل. وفي هذا الوقت لدينا مشكلة في غزة، ما هو الحديث عن غزة ؟ أن ندخل بهم، نمحوهم. لم نستوعب شيئا. لا شيء. وهذا ليس فقط في المستوى بين شعب وشعب آخر.

انظر للعلاقات بين الإنسان وصديقه. انصت للحديث الشخصي، الارتفاع بالعنف في الشوارع، أحاديث النساء المضروبات،  انظر إلى صورة وجه إسرائيل. "

         ويكتب عن الاحتلال :" الاحتلال هو جزء صغير من الوضع . إسرائيل مجتمع خائف . من أجل البحث عن جنون القوة وقلعها، يجب معالجة المخاوف.والخوف الأعلى، الخوف القديم، هو ستة ملايين يهودي الذين قتلوا بالكارثة."

 ويكتب بورغ بأنه عندما كان رئيسا للكنيست: "..  استمعت إلى الأحاديث ، وقمت بالحديث بعمق مع أعضاء الكنيست من جميع الاتجاهات . سمعت رجال سلام يقولون أنهم يريدون السلام لأنهم يكرهون العرب ولا يستطيعوا رؤيتهم أو تحملهم. وسمعت أشخاص  من اليمين  يتفوهون مثل جماعة كهانا ( مئير كهانا ، عنصري متطرف معاد للعرب ، منع من الوصول للكنيست ، قتله فلسطيني في الولايات المتحدة ، جماعته من أشرس وأسفل المجموعات الاستيطانية ، وينادون بترحيل العرب من مواطني إسرائيل والمناطق الفلسطينية – نبيل ) الكهانية موجودة في الكنيست ، رفضوها كحزب ، ولكن حوالي 10 أو 15 وربما 20 % من الحديث اليهودي داخل الكنيست  ، هو حديث غير سهل ...  مليء بالفقاقيع."

هذه لمحة صغيرة من نبوءة ابراهام بورغ المرعبة للكثيرين من العنصريين ومعتمدي سياسة القوة  ، والذين على قناعة مرعبة  بأن القوة هي الحل الوحيد ، وباتوا أسرى تفكيرهم المحدود والمغلق ، دون القدرة على رؤية بدائل أخرى للتعامل ..

         الكتاب لا يهادن وجريء في تناوله لأهم القضايا وأكثرها حساسية، والمكاشفة بصراحة غير معهودة، خاصة من شخصية وصلت إلى قمة السلطة في إسرائيل. ولا يتردد في القول انه لا يشعر بأي انتماء للجمهور المتدين الذي جاء منه، " أنا لا أنتمي أليهم " يقول بوضوح. ويهاجم التيار العلماني  ويتهمه أنه أسير تعصبه القومي .

          ولا يتردد في مطالبة إسرائيل بالتخلي عن سلاحها النووي .. والكاتب لا يتردد  بإجراء مقارنة  دائمة في كتابه بين إسرائيل وألمانيا النازية ، وربما ليس بالصدفة أن الاسم الأول للكتاب ، خلال فترة إعداده ، كان " هتلر انتصر " .. ، يقول: " أنا موافق انه يوجد مصاعب، ولكن هل هي مصاعب مستحيلة ؟ هل كل عدو هو اوشفيتس ؟ هل كل حماس هي عدو ؟

         ومع ذلك بورغ متفائل ، ولا ينفي أمكانية عودته للسياسة ، ويقرر انه في عام 2010 فقط ستبدأ سياسة جديدة في إسرائيل ، بعد أن ينتهي دور جيل أولمرت – براك ، سيجيء جيل من مجال الاقتصاد ، من الأكاديمية ، ومن الفن ، ربما عندها سيكون لي مكان " كما يقول بورغ .

عنوان الكناب " لننتصر على هتلر "، تنكشف رمزيته بأن النصر الذي يريده بورغ هو نصر على هتلر الإسرائيلي الذي يعتمد لغة القوة في  كل ما ينهج .
---------------------------
* نبيل عودة – كاتب ، ناقد وإعلامي – الناصرة

أعلى الصفحة | عودة إلى دراسات

جميع الحقوق محفوظة لموقع وحدة العمل الوطني لكرد سورية Copyright © 2007
 | اتصل بنا | صفحة البداية | مواقع مختارة