|
الحياة السياسية في جبل الأكراد في القرن العشرين
/الحلقة الثانية
د. محمد عبدو *
05/05/2007
بعد استقلال سورية
ظهرت في هذه المرحلة بعض النشاطات
الاجتماعية والثقافية في المنطقة، قامت بها فئة من
الشباب المتعلم، بهدف نشر المعرفة والثقافة. ولا
يخفى على المرء أن تلك النشاطات كانت ذات مضامين
قومية تحررية، انعكاساً للمناخ التحرري العام،
الذي ساد المنطقة والعالم في أواسط القرن الماضي.
ومن تلك النشاطات، ما أخذت شكلاً تنظيمياً جماعياً
على هيئة جمعيات أو منظمات حزبية، فيما يلي نذكر
أبرزها:
المطالبة بتأسيس جمعية إصلاحية:
في الخامس عشر من شهر كانون الأول عام
1949، تقدم كل من: أحمد جعفر شيخ إسماعيل زاده،
والمحامي عثمان بن محمد عثمان، وبلال بن مصطفى
بلال بطلب إلى مدير منطقة عفرين هذا نصه:
((سعادة قائمقام جبل الأكراد الأكرم…
نحن فئة من الشباب المثقف في جبل الأكراد،
رأينا من الضروري تأسيس جمعية تعني بإصلاح الحالة
الاقتصادية والثقافية والاجتماعية في قضائنا،
وبإيواء أيتامه وتعليم أبنائه، ومركزها قضاء عفرين.
وقد اطلعنا على النظامين الأساسي والداخلي
لجمعية الإصلاح في جبل سمعان، فوجدنا أنهما
موافقان للأهداف التي نرمي إليها. فأتينا وتقدمنا
إلى مقامكم راجين التوسط لدى مقام المحافظة بحلب
للترخيص بتأسيس جمعية إصلاحية وتأييدنا برعايتكم
وإرشاداتكم السديدة ودمتم محترمين)).
وبعد أن أحيل الطلب إلى قائد فصيل الدرك في جبل
الأكراد للتحقيق في الأمر، جاء رأي قائد الفصيل
إلى القائمقام كما يلي:
((إلى قائمقام القضاء…
إن هذا النظام والمشروع المقدم من قبل
المستدعين غايته نبيلة وسامية إذا نفذ بحذافيره،
ولكن هناك محذور إذا ما انقلبت هذه الجمعية إلى
حزب، يعمل لمصلحته تحت هذا الستار، وبذلك يخشى على
استتباب الأمن في هذا الجبل الهادئ في الوقت
الحاضر. فإني أوافق على تأليف هذه الجمعية إذا
نفذت وطبقت مواد نظامها الداخلي حرفياً دون تجاوز
لهدف آخر )). 15/12/1949.
ويقول السيد أحمد جعفر: إنه لما عرضنا
حاشية قائد الدرك على القائمقام، أجاب: أن الأوامر
التي لدينا تمنع الموافقة. وإني أنصحكم بعدم
القيام بأية حركة، وإلا سيكون مصيركم السجن 15
سنة.وهكذا صرف أصحاب الطلب النظر عن تأسيس تلك
الجمعية الإصلاحية في قضاء جبل الأكراد.
تأسيس
جمعية ثقافية:
وفي عام 1951، اتفق كل من السادة: رشيد
حمو، وشوكت نعسان، وإبراهيم قادر، على تشكيل جمعية
باسم ((الجمعية الثقافية))، من أهدافها نشر
الثقافة والتعليم في المنطقة، ونشر الروح القومية
بين الشباب، إضافة إلى مكافحة الجاسوسية التركية
التي كانت تنشط في تلك الفترة. وفي فترة قصيرة
نسبياً انضم إلى الجمعية الكثير من الشباب المتعلم
والطلاب، وعقدت اجتماعات عديدة، وتشكلت هيئة
لإدارة الجمعية من السادة: رشيد حمو، إبراهيم
قادر، شوكت نعسان، خليل محمد من قرية كفردلة، رشيد
عبدالرحمن من حج خليل، علي حسين من قرية (علندارا).
إلا أنه في صيف عام 1952 اعتقل عضو الهيئة علي
حسين في مدينة القامشلي لسبب طارئ لا علاقة له
بنشاط الجمعية، فاكتشف أمرها، واعتقل بعض أعضاء
الهيئة الإدارية : رشيد حمو ، وإبراهيم قادر،
وشوكت نعسان، ورشيد عبد الرحمن، وبقي الأعضاء
الأربعة في سجن المزة بدمشق لمدة شهرين تقريبا،
أطلق سراحهم بعدها، بناء على التماس فائق آغا لدى
رئيس الجمهورية السيد الشيشكلي. وعلى أثر هذه
الحادثة أغلقت مدرسة التجهيز الخاصة التي كان
أعضاء الجمعية قد افتتحوها في مدينة عفرين، وصودرت
محتوياتها بدعوى أنها تستغل لنشر الأفكار القومية.
وفي آخر اجتماع لهيئة الجمعية كان قد انعقد
في قرية (هوبكا)، حضرها الشاعر الكردي المعروف
جيكرخوين وكان من الشيوعيين حينئذ، اقترح على
أعضائها الانضمام إلى جمعية أنصار السلم من منظمات
الحزب الشيوعي السوري. لذلك، وبعد خروج أعضاء
الجمعية من السجن، وتخليهم عن الجمعية، انضم بعض
أعضائها إلى منظمة أنصار السلام، كما انضم كل من
السيدين رشيد حمو وشوكت نعسان إلى الحزب الشيوعي
السوري.
بعد هذا التاريخ، أخذت التنظيمات السياسية
تأخذ ساحة النشاط الاجتماعي والسياسي والثقافي في
منطقة جبل الأكراد، ومن أبرزها منظمات (الحزب
الشيوعي)، وحزب البعث العربي الاشتراكي، والحركة
الوطنية الكردية في سوريا.
الحزب الشيوعي السوري:
حزب البعث العربي الاشتراكي:
تأسس حزب البعث
العري الاشتراكي عام 1947. وبسبب دعواته التحررية
الإصلاحية، انتشرت قواعده بسرعة بين صفوف المثقفين
وضباط الجيش. وفي أوساط الريف.
أما أول اتصال لأبناء منطقة عفرين بهذا
الحزب فكان في أواسط عقد الخمسينيات من القرن
الماضي، عبر أحد أبناء لواء اسكندرون المدعو فائز
إسماعيل، وتربطه علاقة صداقة مع الدكتور مصطفى
نوري، وسرعان ما تحولت تلك العلاقة إلى زمالة
حزبية. وبذلك يعدّ الدكتور المرحوم مصطفى نوري أول
المنتسبين إلى حزب البعث في المنطقة، كما أصبح
فيما بعد مسؤولا عن أول حلقة حزبية ضمت: رشيد عيسو
من قرية (مروانية)، فتحي بدري من قرية (معراته)،
عبدالرحمن مراد وشقيقه محمد من قرية (كفرصفرة)،
حميد بطال من (معملا)، حيدر رفعت آل عمو من (فريرية)،
وموسى وحيد من (جلبل).
في مرحلة الوحدة السورية المصرية، حلت
منظمات حزب البعث كسائر الأحزاب السورية الأخرى
بناء على قرار سلطات الوحدة، فانضم بعض من هؤلاء
إلى حزب الاتحاد القومي الذي تشكل حينها.
وبعد وصول حزب البعث إلى السلطة عام 1963،
عادت منظمة حزب البعث إلى نشاطها، وتم تعين
د.مصطفى نوري رئيساً للشعبة المشتركة لحزب البعث
في منطقتي عفرين وأعزاز، كما عين رئيسا لبلدية
عفرين، إلى أن عزل عن الحزب ورئاسة البلدية بعد
انقلاب عام 1966م، وتعرّض للاعتقال والتعذيب، إذ
اتهم بعلاقاته مع الجناح المعارض للحزب، الذي كان
قد أبعد عن السلطة في عام 1966. أما أمانة الفرقة
الحزبية في منطقة عفرين فقد شغلها بعد ذلك كل من
السيدين مصطفى حج مصطفى وأحمد علي من بعده.
في الفترة ما بين استلام حزب البعث للسلطة
وبداية عقد السبعينيات لم تتسع منظمات الحزب
كثيراً في منطقة عفرين، واعتبرت العامة من الناس
الأعضاء الأكراد في حزب البعث أشخاصاً منسلخين عن
قوميتهم، وعيوناً يجب الحذر منهم.
في عام 1974 تم تشكيل شعبة خاصة لحزب البعث
في منطقة عفرين، وكلف السيد خليل جاسم من قرية
(مياسة) برئاستها. ثم في عام 1975 أصبح السيد محمد
مراد أميناً لها، إلى أن أصبح عضواً في مجلس الشعب
في عام 1977، فاستلم السيد مصطفى قدور من قرية (مريمين)
أمانتها، وبقي فيها إلى عام 1984 إلى أن سلمت
مجددا إلى السيد محمد مراد، ليبقى فيها إلى عام
1996. فعزل منها وكلف السيد عبدالحنان جعفر من (جلبل)
بأمانتها، وبقي على رأسها إلى عام 1999. ويشغل
رئاسة الشعبة حاليا السيد نضال علوان من (قطمة).
لحزب البعث حالياً منظمات في مختلف قرى
المنطقة، إذ لديه سبع عشرة فرقة حزبية وعشرات
حلقات الأنصار تضم آلاف المنتسبين. وقد شهد الحزب
توسعاً سريعاً في عقدي الثمانينيات والتسعينيات من
القرن المنصرم، بعد أن ازداد دوره وتأثيره في
الحياة اليومية المعيشية للمواطنين، فهو يشرف على
شؤون التوظيف والدراسة والنواحي الأمنية ودوائر
الدولة ومؤسساتها، فأصبح للحزبي امتيازات خاصة دون
سائر المواطنين، مما دفع الناس من مختلف المشارب
والفئات والمستويات الاجتماعية إلى الانتساب إليه.
فتحول الحزب إلى مؤسسة حكومية أكثر من كونه حزباً
عقائديا.
ولحزب البعث في المنطقة عشرات الكوادر
المفرغة التي تعمل ضمن تنظيماته وتقبض رواتبها من
الدولة، كما خضع المئات منهم إلى دورات عسكرية
يشكلون ما تسمى بالكتائب المسلحة. وغالباً ما
يشترط في رؤساء الدوائر والمؤسسات المهمة والمدارس
أن يكونوا حزبيين، كما أن للحزب عدداً معروفاً من
أعضاء مجلس الشعب يتم تعيينهم في كل دور تشريعي
جديد.
وقد وصل ثلاثة من أبناء المنطقة إلى قيادة
فرع الحزب في حلب في عقدي الثمانينيات
والتسعينيات، هم السادة: مصطفى قدور، علاء الدين
عجان،(وهما عربيان) وعضو الفرع الحالي الدكتور.
رشدي مختار من قرية (قطمة)، وهو أول كردي يعين ثم
ينتخب إلى قيادة فرع حزب البعث العربي الاشتراكي
في محافظة حلب من أصل كردي.
كما أن هناك منظمات أخرى رديفة لحزب البعث
مثل اتحاد شبيبة الثورة، ويعتبر كل تلميذ وطالب في
المرحلتين الإعدادية والثانوية عضوا فيه، ويتبعه
منظمة طلائع البعث التي تضم جميع تلاميذ المرحلة
الابتدائية. ويتبع الحزب أيضا المنظمات الشعبية
مثل اتحاد الفلاحين، والاتحاد النسائي وغيرهم.
يتبع
--------------------
*عفرين
. نت |