صفحة البداية | من نحن |  اتصل بنا | مواقع مختارة 

 
حقوق الإنسان

دراسات

مقالات

من أعلام الكرد

من اللغة الكردية

من الأدب الكردي

جغرافيات

من المكتبة الكردية

تقارير إخبارية

صوتيات

المكتبة الإلكترونية

 

 
 

 
 
 
 
 
 

آداب الاختلاف في الإسلام
بقلم د. زينب العلواني*

5/2/2007
(أود أن أتقدم بالشكر الجزيل لإدارة مركز الحوار في واشنطن التي اتاحت لي تقديم ومناقشة هذا الموضوع في مقر المركز بمنطقة واشنطن العاصمة، في السابع عشر من نوفمبر سنة ألفين وستة، ثم طلبت مني تطويره لغرض النشر، فأسأل الله التوفيق).  زينب العلواني

      تمر الأمة اليوم في فترة حرجة، حيث تواجه نظمها المعرفية والقيمية تحدياً كبيراً على جميع المستويات الداخلية منها والخارجية، وقد يكون من أشدها ما يظهر من الاختلافات السلبية التي أدت إلى الصراع والنزاع على مستوى الساحة الداخلية بين طوائف الأمة ومدارسها المذهبية وأحزابها وفرقها المختلفة. ولقد تصدى العديد من علماء الأمة ومفكريها للبحث عن أسباب تلك الظاهرة ومعالجاتها وما يزال النقاش مفتوحاً. ومما يلفت النظر أنه منذ أكثر من قرن من الزمن قدم الإصلاحي السيد جمال الدين الأفغاني قراءة تحليلية لأسباب تشتت الأمة وتفرق أبنائها، والغريب في الأمر أن من يقرأ مقالته -رحمه الله- يظن أنه يتحدث عن إشكاليات اليوم وتحدياته، إذ نسب السيد مظاهر التفرق والتدهور إلى انهيار الشخصية وتضييع العقول والأخلاق فقال: "ولا تشتت أمة أو اضمحلت سلطة، ولا تفرقت جمعية إلا بفساد أخلاقها، لأنها بفسادها توجب تخالف الأيدي وتباعد الأهواء، وتشتت الآراء وتباين الأفكار، فيستحيل حينئذ الاجتماع ويمتنع الاتفاق، فالشخصية قوامها العقل والنفس، حيث تبنيها العلوم والمعارف والخبرات والتجارب ووضوح الرؤية الكلية و الغايات والمقاصد ومناهج تحقيقها، وكذلك الآداب العالية والأخلاق القويمة التي تجعل الإنسان سوياً يشعر بإنسانيته وكرامة نوعه وجنسه، والتي بها يعرف الإنسان حقه ويقف عنده؛ وهكذا فإذا انهارت العقلية والنفسية انهارت الشخصية لتنعكس على سائر مسالك الحياة بسلبياتها ومشاكلها[1]".

ولاستمرارية الأزمة وتعقد موضوعاتها فقد واصل العلماء دراسة الاختلاف من زوايا مختلفة سعياً لتحديد معالم المشكلة وتقديم معالجات لها، فتم التركيز على تأصيل معنى الاختلاف من المنظور الإسلامي وبيان أسبابه وآدابه، ثم التأكيد على أهمية الحوار وأبعاده وآلياته، وجاءت هذه الورقة لتتقدم بالموضوع خطوة أخرى، وذلك من خلال طرح تساؤلات تسعى إلى صياغة نموذج في فلسفة أدب الاختلاف، إيماناً بأن القرآن الكريم قدم نموذجاً إيجابياً في التعامل مع الاختلاف وتحويله إلى عامل تفاعل وتكامل، يؤدي إلى تنمية القدرات البشرية في تحقيق الاستخلاف العمراني على الأرض، بدلاً من عامل نزاع وتقاتل يؤدي إلى هلاك البشرية وفنائها.

وإننا نحاول هنا استخلاص هذا النموذج القرآني، ونسأل: ما اللبنات الأساسية لهذا النموذج، هل هي المنظومة القيمية في القرآن؟ وكيف؟ هل التركيز على القيم سيؤدي إلى بناء ثقافة إنسانية يوظف فيها الاختلاف في الآراء بشكل إيجابي؟ وكيف يمكن توظيف الاختلاف في تحقيق الاستخلاف ليصبح آلية دفع وتطوير وتعاون وتكامل في الأفكار بدلاً من آلية تفرقة وتنازع؟ وكيف يتحول فيما بعد إلى ثقافة؟ وهل تطورت أو نشأت ثقافة تحمل في أصولها معاني آداب الاختلاف التي طرحها القرآن الكريم؟ هل هناك نماذج أو تجارب إنسانية عبر التاريخ تحققت فيها ثقافة أدب الاختلاف؟ ما خصائصها؟ وما آثارها؟ وكيف يمكن تقييمها؟ وما الأسباب التي تؤدي إلى التفرق والاختلاف المذموم؟ هل يمكن بناء فقه التعارف والتواصي والتعاون بين أفراد المجتمع على الرغم من كل الاختلافات القائمة بين فصائله؟  

 مفاهيم قرآنية تتعلق بالاختلاف:

الاختلاف والمخالفة: أن ينهج كل شخص طريقاً مغايراً للآخر في حاله أو في قوله، والخلاف أعم من الضد لأن كل ضدين مختلفان، وليس كل مختلفين ضدين، ولما كان الاختلاف بين الناس في القول قد يفضي إلى التنازع استعير ذلك للمنازعة والمجادلة، قال تعالى ( فاختلف الأحزاب من بينهم) (مريم:37)، (إنكم لفي قول مختلف) (الذاريات:8)، وعلى هذا يمكن القول إن الخلاف والاختلاف هو مطلق المغايرة في القول أو الرأي أو الموقف أو الهيئة. إن الاختلاف في وجهات النظر أمر فطري وطبيعي، وله علاقة بالفروق الفردية إلى حد كبير، إذ يستحيل بناء شبكة العلاقات الاجتماعية بين الناس ذوي القدرات المتساوية والمتطابقة، بل لابد من تنوع القدرات والمواهب ليتكامل عطاء الإنسانية. وقد نبه إلى ذلك ابن القيم الجوزية رحمه الله في كتابه إعلام الموقعين حين قال: "وقوع الاختلاف بين الناس أمر ضروري لابد منه لتفاوت أغراضهم وأفهامهم وقوى إدراكهم، ولكن المذموم بغي بعضهم على بعض وعدوانهم". كما قال رحمه الله: (فإذا كان الاختلاف على وجه لا يؤدي إلى التباس والتحري وكل من المختلفين قصده طاعة الله ورسوله لم يضر ذلك الاختلاف، فإنه أمر لابد منه في النشأة الإنسانية، لأنه إذا كان الأصل واحداً والغاية المطلوبة واحدة والطريقة المسلوكة واحدة لم يكد يقع اختلاف، وإن وقع كان اختلافاً لا يضر كما تقدم من اختلاف الصحابة[2]).  وكأن حكمة الله اقتضت أن يكون الناس مختلفين وبينهم فروق فردية، سواء أكانت خلقية أم مكتسبة وجعلها من آياته في خلقه، قال تعالى :( ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين) الروم:22.  كما بيّن سبحانه في موضع آخر: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً ولو شاء لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعاً فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون)، مما يؤكد أن الله صيّر هذا الاختلاف وجعله من ثوابت النظام الكوني، الذي تخضع له جميع المخلوقات: (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفاً ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء..)، ولذلك فالناس مختلفون والمؤمنون درجات؛ فمنهم الظالم لنفسه، ومنهم المقتصد، ومنهم السابق بالخيرات :(لو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين) (هود: 118)، وهكذا يعرف الاختلاف هنا على أنه التباين في الرأي، والمغايرة في الطرح، فهو دليل على سلامة المجتمع وتفاعل أفراده وتكاملهم.

ومما يؤسف عليه تحول الاختلاف بوجهات النظر من ظاهرة صحية تغني العقل بخصوبة الرأي وعمق الفكر إلى ظاهرة ضعف وتفكك وتناحر، حتى يكاد يصل الأمر عند بعض المختلفين إلى حد التطرف والتصفية الجسدية، كما يحدث اليوم بين بعض أبناء الأمة. ولا سبيل إلى بناء ثقافة التعاون والتعامل بالحسنى إلا بالتمسك بالدين القيم وأخلاقه وتعاليمه، ووضع الضوابط والقواعد للمقايسة والاستنتاج لضبط الرأي، وقرن العلم بأخلاقه، والمعرفة بآدابها، مع تنمية الدراسات التي تؤكد على وحدة الأمة وقواسمها المشتركة، وغاياتها وأهدافها.

 مفاهيم قرآنية تتعلق بالاختلاف[3]:

ومن أهم المفاهيم التي وردت في القرآن الكريم ولها علاقة بالاختلاف بخاصة في إطار الرأي أو الموقف:

الحوار: الحور لغةً التردد إما بالذات أو بالفكر، وحار في أمره تحير، والمحاورة والحوار بمعنى المرادة في الكلام، ومنه التحاور، قال تعالى: (والله يسمع تحاوركما)، والحوار عادة يكون نقاشاً إيجابياً يرغب فيه كلا الطرفين للوصول إلى الحقيقة.

أما الجدال: هو أقوى من الحوار، وذلك لاعتداد أحد المخالفين أو كليهما برأيه أو موقفه ومحاولته الدفاع عنه أو إقناع الآخر به، بل والأكثر أن يحاول حمل الآخر عليه. ويعرف في اللغة كما جاء في المفردات للراغب الأصفهاني: هو المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة، وأصله من جدلت الحبل أي أحكمت فتله، ومنه الجدال أي كأن المتجادلين يفتل كل واحد الآخر عن رأيه.  قال تعالى: (وجادلهم بالتي هي أحسن)، (وإن جادلوك فقل الله أعلم). ولقد نهى الله سبحانه عن الجدال في الحج وكأنه سبحانه يجعل فترة الحج فترة تدريب وتمرين، حين يقول: (فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج..)، لأن الجدل قد يكدر صفو الأخوة، مما يؤدي إلى تنافر القلوب وخلق الأحقاد والأضغان.

والشقاق: ويطلق على الخلاف شقاقاً حين تشتد خصومة المتجادلين، وذلك لأن كلاً منهما يؤثر الغلبة بديلاً عن ظهور الحق، مما يؤدي إلى تعذر التفاهم أو الاتفاق بينهم، وعبر عن ذلك معناها اللغوي في كون الخلاف حاداً يجعل كل واحد منهما في شق غير شق صاحبه، أو من شق العصا بينك وبينه، قال تعالى:  (وإن خفتم شقاق بينهما)، (فإنما هم في شقاق) أي مخالفة، (ومن يشاقق الله ورسوله)، أي صار في شق غير شق أوليائه،ومنه قوله سبحانه: (ومن يشاقق الرسول).

النزاع والخصام: من نزع الشئ من مقره، والتنازع والمنازعة، ويعبر بهما عن المخاصمة والمجادلة:(فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله ورسوله)، (فتنازعوا أمرهم بينهم، كل فريق بما لديهم فرحون)، وذكرت المخاصمة :(وهم فيها يختصمون).

الحجة وهي الدلالة المبينة للمحجة أي المقصد المستقيم، والذي يقتضي صحة أحد النقيضين، قال تعالى: (قل فلله الحجة البالغة) ، والمحاجة أن يطلب كل واحد أن يرد الآخر عن حجته ومحجته:(وحاجه قومه قال أتحاجّوني في الله فمن حاجّك في الله من بعد ما جاءك من العلم..) ها أنتم حاججتم فيما لكم به علم فلِمَ تحاجّون فيما ليس لكم به علم..).

البرهان: بيان الحجة، وهو أوكد الأدلة، وهو الذي يقتضي الصدق أبداً لا محالة، إذ إن الأدلة خمسة أضرب: دلالة تقتضي الصدق أبداً، ودلالة تقتضي الكذب أبداً، ودلالة إلى الصدق أقرب، ودلالة إلى الكذب أقرب، ودلالة هي إليهما سواء، قال تعالى: (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين)، (قد جاءكم برهان من ربكم).

 

أنواع الاختلاف[4]:

1- خلاف منشؤه النظر العقلي وغايته إحقاق الحق وإبطال الباطل وإقامة العدل بين الناس، بغض النظر عن إثبات صحة رأي دون آخر، ولذلك يبنى على أدلة علمية، وله حججه وبراهينه، وهذا النوع الذي يثري العقول وينمي القدرات وتتفاعل فيه العقول والنفوس لتصل إلى الحق.

2- وهناك خلاف أملاه الهوى بلا دليل، ومنشؤه المصالح الشخصية وحب الذات، وهذا النوع الذي حذرنا الله تعالى منه في مواضع كثيرة، بدءاً بأنبيائه كما قال لداود: (يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب) سورة ص: الآية26 ، وقال سبحانه: (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما، فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا ) سورة النساء: 135، كما وصف اتباع الهوى بقوله: (وإن كثيراً ليضلون بأهوائهم بغير علم) الأنعام: 119، وكذلك يكون اتباع الهوى إذا سكت فيه صوت الحق والعدل من أجل تحقيق مصلحة شخصية لفرد أو جماعة معينة على حساب المصلحة العامة للأمة أو الإنسانية.

3- وهناك خلاف يتردد بين المدح والذم (الاختلاف في الفروع): ففي المجال التشريعي على سبيل المثال: اختلف الصحابة والتابعون والفقهاء من بعدهم في أحكام العبادات والمعاملات ونحوها من فروع الدين، وهذا ما يسمى الاختلاف الذي يتردد بين المدح والذم، وهو غالباً ما يقع في الفروع، إذ إن الاختلاف في فهم الأحكام الشرعية ضرورة توجبها طبيعة الدين واللغة والبشر والمجتمع الإنساني، وهذا النوع من الاختلاف قد يلتبس فيه الهوى بالتقوى، والعلم بالظن، والراجح بالمرجوح ما لم يضبط بقواعد وآداب يحتكم إليها المختلفون، وأهمها تقوى الله والمراجعة الصادقة الحرة مع الذات، ولقد حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخلاف المؤدي إلى الخصومات، عن النَّزَّال بْن سَبْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بن مسعود يَقُولُ: سَمِعْتُ رَجُلًا قَرَأَ آيَةً سَمِعْتُ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خِلَافَهَا، فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ فَأَتَيْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: كِلَاكُمَا مُحْسِنٌ. قَالَ شُعْبَةُ : أَظُنُّهُ قَالَ: لَا تَخْتَلِفُوا، فَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ اخْتَلَفُوا فَهَلَكُوا[5]"، كما نبه صلى الله عليه وسلم على أدب مهم حين المحاورة حول القرآن الكريم فقال: (اقرؤوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم، فإذا اختلفتم فقوموا[6]).  فقد اختلف الصحابة رضوان الله عليهم في عصر النبي صلى الله عليه وسلم وبعده، وتوصلوا إلى اجتهادات مختلفة، ولكنه عليه الصلاة والسلام وضع أسساً وآداباً التزم فيها الجميع، كما كان في قضية أمره عليه الصلاة والسلام بصلاة العصر في بني قريظة حين صلاها بعضهم في الطريق وصلاها آخرون متأخراً ،ولم يعنّف أياً من الطرفين ـ كما جاء في الصحيحين، إذ أقر كلاً من المختلفين على رأيه من غير اعتراض أو ترجيح. ولقد ظهرت اختلافات بينهم بعد وفاته صلى الله عليه وسلم حسمت باتفاقهم على رأي موحد بينهم كما حدث في اختلافهم حول الخلافة من بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك حول قتال مانعي الزكاة، وحول جمع القرآن وخراج الأراضي المفتوحة، وقد برز التزامهم بآداب الاختلاف كما جاء على سبيل المثال في استدراكات عائشة على الصحابة، التي تظهر فيها التربية الربانية والاقتداء بأخلاقيات النبوة في احترام الرأي الآخر ومناقشته علمياً مع حسن الاستماع ودوام الاحترام المتبادل بين الطرفين في اختيارهم أطيب الكلم ، بل ومحاولة إعذار بعضهم بعضاً حين يعبرون عنها بقولهم كما جاء عن عائشة في استدراكاتها[7]: (لعله نسي)، أو (لعله سمع آخر الحديث، أو لعله جاء متأخراً ونحوها). ولقد كانت موضوعات الخلاف كثيرة ولكنهم كانوا غالباً ما يتفقون على رأي يلتزمون به جميعاً، وكم من المرات  رجع عمر أو علي رضوان الله عليهم وغيرهم عن آرائهم لرأي غيرهم لما وجدوا فيه من الحق، بل وأثنوا عليه خيراً، مما يظهر فيه سرعة خضوعهم والتزامهم بحكم الله ورسوله.

 كما أن اختلافهم الذي تمثل في دور المراقبة السياسية، أو قد يقال المعارضة السياسية، والذي برز منذ عهد الخليفة الثالث عثمان رضي الله عنه، ثم امتد وتطور في عهد الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وما بعده ليصبح معارضة مسلحة يستحق دراسة علمية دقيقة تفكك أسبابه ومسبباته الداخلية منها والخارجية وملابساته السياسية والاجتماعية، بل لابد من دراسته كخبرة إنسانية لها أطرها الخاصة وبنيتها المفاهيمية ودلالاتها التي تختلف تماماً عن التجربة الأوربية في عصورها المختلفة وغيرها من التجارب الإنسانية. ثم إذا ما حاولنا تتبع رؤية الإسلام في مسألة استعمال العنف عند الخلاف، سواء بين المسلمين أو بينهم وبين غيرهم، نجدها مذمومة في القرآن والسنة لما تجره من قتل وتخريب وضياع حقوق وفساد في الأرض،  قال تعالى :( ومن قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً..) المائدة:33، وعَنْ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: ذَهَبْتُ لِأَنْصُرَ هَذَا الرَّجُلَ، فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرَةَ، فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قُلْتُ: أَنْصُرُ هَذَا الرَّجُلَ، قَالَ: ارْجِعْ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الْقَاتِلُ، فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ:إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ[8])، ولذلك حرص الإسلام على السلام واتخاذ أي وسيلة لإيقاف العنف إن حصل، لقوله تعالى:(وإن جنحوا للسَّلم فاجنحْ لها ..) المائدة:61. والسؤال: فما الذي حدث آنذاك؟ هذا ما يتطلب دراسة دقيقة لتلك الفترة من تاريخ أمتنا، ليس مجالها هذا البحث.

كيف يوظف الاختلاف في تحقيق مهمة الاستخلاف؟

لقد تقدم القرآن الكريم بمشروع متكامل من خلال نظامه المعرفي ومنظومته القيمية والمفاهيمة، ليقوم بحفظ العلاقات الإنسانية وتنظيمها على جميع مستوياتها، فما من موضوع يتعلق من قريب أو بعيد بتلك العلاقات إلا وتناوله بالتفصيل، وبخاصة في مجال الأسرة التي من خلالها تتوازن العلاقات البشرية أو تختلّ، حسب الشرائع والقوانين المعتمدة فيها. كما أن موضوع الاختلاف من الموضوعات المهمة والذي يعدّ سلاحاً ذا حدّين؛ فهو إما أن يؤدي إلى بناء وتطوير العلاقات الإنسانية أو هدمها وتفكيكها، ولذلك اهتم القرآن الكريم بتأسيس لبناته ليكون عامل إيجاب وإصلاح، لا سلب وخراب.  

 أولاً: فلسفة النموذج الإسلامي:

يقوم النموذج القرآني على وحدة الخالق، وهو إله الجميع، وهذا ما اتفقت عليه جميع النبوات التوحيدية (اعبدوا الله ما لكم من إله غيره) هود:61. كما يؤكد القرآن على وحدة الأصل (النفس الإنسانية)، (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً) النساء:1، وبذلك تصبح الإنسانية أسرة واحدة تعيش في بيت واحد وهو الكون؛ فراشها الأرض وسقفها السماء.  قال تعالى (يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون، الذي جعل لكم الأرض فراشاً والسماء بناءً وأنزل من السماء ماءً فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم، فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون) البقرة:21-22.  كما حدد الإسلام غاية خلق الإنسان ومهمته على الأرض كخليفة يعبد الله ولا يشرك به شيئاً. وبيّن أن مهمة "الاستخلاف" لا تتحقق أهدافها وغاياتها ما لم يتم التعاون والتكامل بين البشر.

ثم أعلن القرآن وحدة الرسالات السماوية، وأكد على أنها حركة تكاملية تصاعدية في بناء الحضارة الإنسانية الصحيحة، بدءاً من آدم وختاماً بمحمد صلوات الله عليهم أجمعين، إذ جاءت جميع الأديان السماوية بنداء واحد: (اعبدوا الله ما لكم من إله غيره)، ثم العمل على تزكية النفوس والقلوب والعقول، من خلال تبيان القيم وتأصيلها، بغض النظر عن اختلاف طبائع البشر وبيئاتها وأزمانها، لأنه لن تتحقق مهمة الاستخلاف الإنساني على الأرض بدونها، ولذلك فقد جاءت الأديان مختلفة الشرائع والتطبيقات ولكنها متفقة الغايات والمقاصد، لتؤسس أرضية للتعاون والتراحم لا التصارع والتباغض، قال تعالى: (شرع لكم من الدين ما وصّى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه، الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب) الشورى:13. كما جاءت الشريعة الإسلامية تؤكد هذا المعنى، إذ تدعو إلى الطيبات وتحرِّم الخبائث، تدعو إلى كل ما يحفظ حياة البشر وأديانهم وأنسالهم وأنسابهم وأموالهم وممتلكاتهم، بغض النظر عن الاختلافات الطبيعية والمكتسبة بينهم، لتحقق بذلك روح العدالة والمساواة والرحمة، التي دعت إليها جميع الأديان السابقة وختمها الإسلام، قال تعالى: (الذين يتّبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم..) الأعراف: 157.

كما حث الإسلام على طلب العلم وجعله مسؤولية تقع على عاتق الإنسان، ولم يرض له التقليد الأعمى، قال تعالى: (ولا تقْفُ ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كلُّ أولئك كان عنه مسؤولاً) الإسراء:36، و ذلك لينمي عند الإنسان حاسة النقد المنهجي وقدرة الاستنباط في توخي الحقيقة وإثباتها من خلال الحجج والبراهين العقلية، وتوظيف الوسائل العلمية المختلفة لتحقيق ذلك، وتشجيعه على تقبل تعدد الآراء وتنوعها لإنضاج الفكر وتعميقه لخدمة الإنسانية، قال تعالى:(قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، إنما يتذكر أولو الألباب) سورة (الزمر:9) وعدّ حركة العلم حركة تصاعدية، قال سبحانه: (وقل ربِّ زدني علماً)، تكتسب بالمجهود الذاتي وتراكم الخبرة. ولذلك أنكر بشدة اتباع منهج الجهل والخرافات وما يتعلق بها من وسائل تعرقل العقل الإنساني وتضله عن طريق الحق، وتخلف آثاراً سلبيةً على الفرد والأسرة والمجتمع،و تورثهم ثقافة التكاسل والتقاعد، وتعطل دور العقل، ولا تعتمد على دليل علمي في حكمها على القضايا أو في مناقشتها الرأي الآخر بمقارنة الحجة بالحجة، بل يغيب الوعي الفكري والعلمي، وينتشر الاستبداد الفكري للرأي وادعاء احتكار الحقيقة، ويقهر الناس على تقبل الرأي الواحد[9]، بلا نقاش فتكبت الحريات وتستبدل بها ثقافة الاستبداد على جميع المستويات.

 ثانياً: المنظومة القيمية والمفاهيمية:

لقد وضع القرآن الكريم أسساً عرض فيها فلسفته ونموذجه المعرفي من خلال منظومة قيمية مفصلة دعا فيها إلى القيم العليا ( التوحيد والتزكية والعمران)، كما طرح منظومة قيمية متكاملة أسست على وجوب تحقيق المساواة والكرامة والعدل والحرية والعفو والرحمة والمحبة والإخلاص والمعروف بين الناس، وتحريم الظلم والعدوان والطغيان والجبروت والتكبر والاستعلاء والاستعباد والكذب والخيانة والمنكر من القول والعمل، كي يحيا الناس حياة طيبة يسودها الأمن والإيمان والسلام والمحبة، ثم حدد حقوق وواجبات الأفراد والجماعات، وأرسى القواعد الدقيقة لحمايتها والدفاع عنها، ليؤسس بذلك علاقات بشرية واضحة المعالم، كي لا يظلم في ظلها أحد مهما اختلفوا وتباعدوا. وكانت أهم المعالم القيمية:   

- المساواة في الخلق :(يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيباً). عَنْ أَبِي نَضْرَةَ حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ خُطْبَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَقَالَ:يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ وَلَا لأَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى[10]". وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: قَدْ أَذْهَبَ اللَّهُ عَنْكُمْ عصبية الْجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا بِالْآبَاءِ، مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ، وَالنَّاسُ بَنُو آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ[11].

2- كما قدم القرآن الكريم منظومة قيمية متكاملة: أوجب فيها التعامل بالعدل والإحسان، ودعا إلى التعاون على البر والتقوى، والعفو والتسامح والتناصح بالمعروف والنهي عن المنكر، والتواصي بالحق والصبر. كما حرم فيها الظلم والعدوان والكبر والاستعلاء والغيبة والنميمة، وإساءة الظن والاستهزاء والسخرية والتجسس والتكبر والغل والحقد والحسد والتباغض، ففي البخاري: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلَا تَحَسَّسُوا وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا)، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَنَاجَشُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ وَلَا يَحْقِرُهُ،التَّقْوَى هَاهُنَا وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنْ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ)رواه مسلم، (إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَادِكُمْ وَلَا إِلَى صُوَرِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ إِلَى صَدْرِهِ) رواه مسلم.

3- والكرامة الإنسانية،قال تعالى: ( ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً).

4- مقياس التفاضل بين الناس في الإسلام هو العمل والتقوى،قال سبحانه: ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله تعالى..)،وعن ابْنِ عُمَرَ  رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عصبية الْجَاهِلِيَّةِ وَتَعَاظُمَهَا بِآبَائِهَا، فَالنَّاسُ رَجُلَانِ :بَرٌّ تَقِيٌّ كَرِيمٌ عَلَى اللَّهِ، وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ هَيِّنٌ عَلَى اللَّهِ، وَالنَّاسُ بَنُو آدَمَ وَخَلَقَ اللَّهُ آدَمَ مِنْ تُرَابٍ، قَالَ اللَّهُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ. قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ[12].

 ما أهم معالم الاختلاف التي تؤدي إلى السلبية والخصومة كما صورها القرآن الكريم؟

1- الاستعلاء والتكبر والنظر بالدونية للآخر والاغترار بالنفس، وهي منهجية إبليس في قوله: (أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين)، والتي تؤدي إلى المقايسة والحكم على الآخر بالباطل والقسوة والفظاظة بالقول والعمل.

2- صنمية الذات وتقديسها وإعطاؤها الحق بتحقير الآخر سواءً (لضعفه، أو فقره أو نحوه ...)، لتؤدي بذلك إلى الاستبداد والتعصب للرأي الشخصي والاستهانة بآراء غيره ، وهي منهجية فرعون:( قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد) غافر:29، التي تؤدي إلى نشوء حالة من الدفاع غير المشروع ضد الآخر، مما يؤدي به إلى اتباع الهوى، وعدم الاستماع إلا لهوى نفسه :(فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومَن أضل ممن يتبع هواه بغير هدى من الله) القصص 50، ومن ثم فاتباع الهوى يؤدي إلى الفساد: (ولو اتبع أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن) المؤمنون:71). ولذلك فإن من أخطر نتائج هذه العقلية هي الفرقة والتفرق ، وتهميش أو نفي الآخر،  مما يؤدي في كثير من الأحيان إلى استباحة استعمال العنف والحروب والإبادة والقتل. ولذلك فإن من أهم  المميزات المهمة للمتحاور العدل هي القدرة على تحري الأسباب لبناء الأرضية المشتركة بين جميع الأطراف لا إثارة ما يدعو إلى الخلاف والنزاع.

3-ادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة، تعني إغلاق الأبواب أمام أي رأي مخالف، ولقد نفى القرآن الكريم ذلك بقوله تعالى: (وفوق كل ذي علم عليم)، فكل صاحب علم هناك من هو أعلم منه في مجال ما، كما أظهر القرآن بطلان هذا الادعاء مع رسولين من رسله اللذين آتاهما الله سبحانه علماً وملكا وهما سليمان وموسى فالأول الذي أوتي ملكاً لم يؤت مثله أحد من العالمين جعل معلمه مخلوقاً ضعيفاً وهو الهدهد الذي تحداه بقوله (أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين)، فما كان من سليمان إلا البحث عن الدليل والبرهان، فلما تثبّت خضع للحق، إذ إن كل إنسان يملك جانباً من الحقيقة وليس الحقيقة كلها، لتتكامل الآراء ويتعاون الجميع للوصول إلى الحقيقة، وقد يكون  مثال المذاهب الإسلامية الفقهية خير مثال في ذلك، بخاصة بما ضربه لنا علماؤنا بقولهم: (رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأيي غيري خطأ يحتمل الصواب)، فلم يزعم أيٌّ منهم امتلاك الحقيقة، وإنما هي محاولات للوصول إليها، ولذلك رفض الإمام مالك فرض كتابه على الناس حين عرض عليه أبو جعفر المنصور ذلك، ليترك للناس حريتها في تمحيص الآراء واختيار الأفضل لها، وهنا يكون اختلاف علماء الأمة رحمة.

4- تصنيف المخالف لجهة معينة ومحاصرته فيها ومن ثم حرمانه من حق التعبير عن رأيه أو حتى محاولة التغيير إن ثبت له الحق في رأي غيره. إنه من الضروري بلا شك التحري لمعرفة أفكار الشخص وميوله وانتماءاته الدينية أو المذهبية أو الحزبية، ولكن لا يعني أن يمنحنا هذا حق الحكم المسبق عليه قبل الاستماع إلى رأيه، كي لا نجور أو نتجاوز الحق والعدل ونسقط بالظلم والعدوان.

5- قهر الناس على تقبل الرأي الواحد دون نقاش، وكيف يكون هذا والحرية هي جوهر إنسانية الإنسان، ومن تسلب حريته إنما تسلب منه إنسانيته،  ولقد أعلن الإسلام منعه لسياسة الإجبار أو الإكراه على قبول رأي أو فلسفة ابتداء من الدين قال تعالى: (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي)، فلا يكره إنسان على اتباع دين أو اعتقاد معين، وإن إكراه الناس على تغيير معتقداتها وقيمها إنما هو فتنة تعد أشد من القتل كما وصفه القرآن الكريم: (والفتنة أشد من القتل) البقرة:191، والإيمان الصحيح لا يكون إلا بالاختيار، ويبنى على المحاججة والنقاش الحر ، ويجب أن يتم ذلك على مستوى الأسرة والمجتمع والأمة.

كيفية تحويل الاختلاف إلى ثقافة تعارف وتآلف:

أولاً:آداب الاختلاف في الإسلام: أصول منهجية في بناء ثقافة التعارف

بما أن القرآن الكريم جعل مسألة الاختلاف في وجهات النظر أمراً فطرياً وطبيعياً، فليس غريباً اختلاف البشر في الأفكار والتصورات والمعتقدات، ولذلك قدم القرآن الكريم نماذج ميّز فيها بين معالم وآثار الاختلاف السلبية والايجابية، وأكد على خصائص أساسية عدّها دعائم ترسخ الاختلاف الايجابي، وتحوله إلى تفاعل ثقافي ينمي فكر الجماعة ويثريه ويوسع مداركها. ولم يكتف القرآن بعرض نماذج ومشاهد للمحاورات المفتوحة، بل قدم مناهج وآداباً تنظم عملية الاختلاف وتضبطها لترفع مستوى التحاور بين جميع الأطراف، وتبني عقلية متوازنة تميز بين محاور الوحدة الإنسانية، وبين مواضع اختلافاتها، فلا تنفي أو تلغي تلك الاختلافات وإنما توظفها كدليل على صحة الفرد والمجتمع وقوتهما.  ولقد جاءت التعاليم القرآنية تؤكد على أهمية بناء شخصية المخالف أو المتحاور على أسس قيمية تبتغي الحق والعدل، وتقوم على أساس الرحمة لا القسوة، فرسم القرآن الكريم منهجاً في التعامل يجب أن يتحلى به المخالف والمتحاور، وبيّن إيجابياته و سلبيات المنهج الآخر، حين خاطب سبحانه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بالقول: (فبما رحمة من الله لِنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضّوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين)آل عمران:159. وهكذا فأساس منهج التخاطب في القرآن الرحمة، ثم تهيأ النفس وتدرب على العفو والغفران، ولذلك جعل الشورى نموذجاً تطبيقياً يتدرب فيه أعضاء الأسرة منذ الصغر، لإثارة الحوار الايجابي حول الموضوعات المختلف فيها للتحري والاستماع لجميع الآراء، ثم اختيار الأفضل، وعادة ما يكون تركيبة بين جميع الآراء الطيبة المطروحة.

          وقد شجع القرآن الكريم على التحاور حتى في أمور العقيدة، وعرض آراء الآخر ومحّصها وحلّلها ثم ردّ عليها بمقارعة الحجة بالحجة، كما وردت كمثال للمحاورة القرآنية في سورة المؤمنون:81-91 (قالوا أإذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أئنا لمبعوثون، لقد وُعِدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين! قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون...قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم سيقولون لله قل أفلا تتقون...ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذاً لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون).

كما بيّن القرآن إيجابية الاختلاف التي يظهر فيها التنوع في الخبرات والقدرات والأفكار، لتصل بجميع الأطراف إلى أفضل الحلول، مما يجعل الاختلاف أداة تعارف وتواصٍ، تؤكَّد من خلاله واقعيةُ الخصوصيات الإنسانية، باعتبارها أدوات تدخل في مكونات الذات، مما يجعل الشعوب والقبائل تحتاج لبعضها بعضاً، فيصبح التعارف وسيلة لاكتشاف الآخر: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم)، وما أسعد البشر حين يتعاون أهل العدل والإنصاف منهم، بغض النظر عن ثقافتهم أو معتقداتهم ضد الظلم والبغي والطغيان، ليؤسسوا تحالف أهل العدل ضد الظلم والظالمين؛ ولقد بيّن هذا المعنى رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله عن حلف الفضول: "لقد شهدت مع عمومتي في دار بني جدعان حلفاً ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو دُعيتُ إليه في الإسلام لأجبت" رواه أحمد. وكذلك قال عنه: "شَهِدْتُ حِلْفَ الْمُطَيَّبِينَ مَعَ عُمُومَتِي وَأَنَا غُلَامٌ فَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي حُمْرَ النَّعَمِ وَأَنِّي أَنْكُثُه[13]

          ولذلك فكما شجع الإسلام على تحريك الخصوصيات في دائرتها الداخلية بحيث تدفع الإنسان إلى التفاعل مع من يشاركونه تلك الخصوصيات إيجابيا،ً حذر من أن تتحول إلى عصبية سلبية تأخذ مبدأ عدوانياً تجاه الآخرين، قال تعالى: (ولا يجرِمَنَّكم شنَآنُ قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) المائدة:2. وأكد على تفعيل مبدأ التواصي الداخلي المستمر على الحق والصبر: (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر)، كما جعل الاعتصام بحبل الله والابتعاد عن التفرق الداخلي هو الطريق إلى بناء ثقافة التآلف والتآخي :(واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرَّقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً).

 

ثانياً: آداب الاختلاف في الإسلام وبناء شخصية المخالف فرداً وأسرة ومجتمعاً:

لقد قدم القرآن الكريم آليات وآداباً أساسية تساعد في بناء شخصية المخالف، ومن ثم تحويل الاختلافات إلى عملية نقاش فكري فعال، ولذلك حث على الشورى والتشاور داخل إطار الأسرة ومن ثم النطاق العام في المجتمع من خلال المحاور الآتية:

 المحور الأول: بناء حصانة داخلية تتضمن معاني تقوى الله وخشيته: (واتقوا الله ويعلمكم الله، والله بكل شئ عليم) البقرة:282، (إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ) فاطر:28. عندما يعمر الإيمان والتقوى قلوب المختلفين يحفظ توازن الإنسان ويصبح طلب الحق مبتغاهم، ومن ثم يقفون عند حدود الله لا يتجاوزونها، كما يجتنبون اتباع الهوى الذي هو من أخطر المزالق التي تؤدي إلى الفساد: (ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن) المؤمنون:71).  

 المحور الثاني: التأكيد على مبدأ الدخول في السلم كافة، الذي دعا إليه الإسلام: (يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولاتتّبعوا خطوات الشيطان) البقرة 208. وينطلق هذا المبدأ من عقيدة التوحيد والإيمان بإله واحد هو رب الجميع الذي يدعونا إلى وجوب الدخول في السلم كافة، وبذلك فلا تحيز ولا تعصب ولا ظلم ولكن يعذر بعضنا بعضاً. ولن يتحقق هذا من غير التأكيد على مبدأ التراحم وتحري أحسن القول وألينه عند الاختلاف، فهو الطريق إلى بث السلام والوصول إلى الحق، وتبنى الإسلام الرحمة كمنهج مهم عند التحاور مع المخالف، حتى مع أشد المخالفين طغياناً وبغياً، كما ضرب الله لنا مثلاً في توجيهه سبحانه لموسى وهارون حين أرسلهما لمخاطبة فرعون الذي ملأ الأرض ظلماً قال سبحانه: (اذهبا إلى فرعون إنه طغى، فقولا له قولاً ليّناً لعله يتذكر أو يخشى) (طه:43-44)، وكذلك أرشد سبحانه نبيَّه محمداً صلى الله عليه وسلم في قوله: (فبما رحمة من الله لِنتَ لهم ولو كنتَ فظاً غليظَ القلب لانفضُّوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين)آل عمران:159. فالغاية هي الوصول إلى الحق وتحقيق العدل ونشر الأمن والسلام والرحمة بين الناس.

 المحور الثالث: احترام الإنسان للإنسان وقبول فكرة التعدد والتعارف بين البشر: ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم)، إن اتخاذ التقوى والعمل الصالح هي مقياس التفاضل بين الناس، ينقي الإنسان من المشاعر السلبية التي قد تؤدي بالمختلفين إلى اتباع الهوى والانحياز عن الحق، أما إذا كان المتحاور عدلا متقياً لله فيحول الاختلاف بالرأي إلى منهج "معرفة الذات في مرآة الآخر"، ومن ثم يتحرى كل السبل التي تؤدي  إلى بناء الأرضية المشتركة بين جميع الأطراف، ليصبح الهدفُ الوصولَ إلى الحقيقة وليس إثبات صحة رأي شخص أو جماعة معينة.

 المحور الرابع: التواضع والصبر في طلب الحق والالتزام به، وهي منهجية النبوة التي تستبطن دائماً (وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً)، كما أكده نبي الله يوسف عليه السلام بقوله: (ذلكما مما علّمني ربي)، ومن دلائل علم العالم أنه لا يستكبر على قبول الحق ممن دونه أو فوقه، فالمهم الوصول إلى الحق، ولقد أورد القرآن الكريم نماذج في ذلك  في تعلم سليمان من الهدهد، وفي تعلم موسى من الرجل الصالح المجهول، الذي علمه التواضع والصبر في طلب العلم في آن واحد: (قال له موسى هل أتّبعك على أن تعلمنِ مما عُلِّمت رشداً قال: إنك لن تستطيع معي صبراً وكيف تصبر على ما لم تحط به خُبراً، قال ستجدني إن شاء الله صابراً ولا أعصي لك أمراً) الكهف:66-69.

 المحور الخامس: ترسيخ مبدأ الشورى والتشاور على جميع المستويات كفرد وأسرة ومجتمع، لتدريب الأمة على مشاركة الرأي والتحاور. ولقد سميت سورة كاملة بسورة الشورى، و تضمنت مفاهيم وقيماً مهمة لابد من استحضارها في كل حين، وبخاصة عند توظيف مبدأ الشورى. إذ أكدت هذه السورة على مفهوم التوحيد ووحدة النبوة ووحدة الأسرة الإنسانية، ودعت إلى ترسيخ قيم العدل والمساواة والحرية والعفو والتسامح وحسن التناصح، قال تعالى: (فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم، الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لاحجة بيننا وبينكم، الله يجمع بيننا وإليه المصير) الشورى 15. ولقد حاول رسول الله صلى الله عليه وسلم تنزيل مقومات الشورى على جميع المستويات ابتداء من الخاص  (الأسرة) إلى العام في السياسة وفي السلم والحرب وفي مجالات التنمية الاقتصادية والاجتماعية وغيرها...لم يحدد جنساً أو قبيلة أو غنياً أو فقيراً، وإنما تتبع الخبرة والحكمة في كل إنسان حسب مجال خبرته وقدرته على الأداء في ذلك، فقد احترم التخصصات والخبرات الإنسانية فيها.

 والشورى تختلف عن الاستشارة من حيث المضمون والمعنى، فالشورى تبنى على تداول آراء مجموعة من الناس في مناقشة قضية ما تتعلق بهم، وجميع المناقشين متساوون في فرصة التعبير عن آرائهم دون خوف أو إحراج، لأن المطلوب هو التوصل إلى أفضل الحلول للقضية المطروحة والذي غالباً ما يستوعب آراء عديدة تتكامل فيما بينها لتشكل الرأي النهائي الذي يتفق عليه، والأمثلة على ذلك كثيرة في سيرة المصطفى عليه الصلاة والسلام، وقد يكون أبرزها في غزوة بدر حين شاور أصحابه في موضع الجند وفي الأسرى ونحوه،  أما الاستشارة فتختلف باعتبارها نصيحة يقدمها شخص لآخر بناء على طلب منه وله الأخذ بها أو رفضها. ولقد قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم أمثلة في ذلك كذلك على سبيل المثال حين اختلف عليه أصحابه في الحديبية فاستشار أمَّ سلمة وعمل بمشورتها، كما جاء في صحيح البخاري في حديث طويل[14] (....فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قَضِيَّةِ الْكِتَابِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ قُومُوا فَانْحَرُوا ثُمَّ احْلِقُوا، قَالَ فَوَاللَّهِ مَا قَامَ مِنْهُمْ رَجُلٌ حَتَّى قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ، دَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَذَكَرَ لَهَا مَا لَقِيَ مِنْ النَّاسِ فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَتُحِبُّ ذَلِكَ اخْرُجْ ثُمَّ لَا تُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ كَلِمَةً حَتَّى تَنْحَرَ بُدْنَكَ وَتَدْعُوَ حَالِقَكَ فَيَحْلِقَكَ فَخَرَجَ فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ نَحَرَ بُدْنَهُ وَدَعَا حَالِقَهُ فَحَلَقَهُ فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَامُوا فَنَحَرُوا وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَحْلِقُ بَعْضًا حَتَّى كَادَ بَعْضُهُمْ يَقْتُلُ بَعْضًا غَمًّا...). ولقد ذكرت الشورى كوسيلة للتحاور وحل الخلافات وتدريب المخالفين على الالتزام بأدب الاختلاف في مستوى الأسرة في حالة الطلاق وتحاور المطلقين حول رضاعة طفلهما، (  وفي هذه الآية إشارة إلى أن نظام الشورى متبع بين أفراد الأسرة بحيث إنه لما وقع الطلاق استمر العمل بهذا النظام في حل الخلافات القائمة بين الزوجين المطلقين، كما ذكرت الشورى كنظام عام واجب تداوله على مستوى الأمة في حالات الحرب والسلم (وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكّل على الله)؛ وقد امتدح سبحانه وتعالى المؤمنين الذين اتخذوا من الشورى نظاماً متّبعاً في حياتهم في قوله: (فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون، والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون، والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم...) الشورى:36-38.      

 المحور السادس:  ترسيخ منهجية (قل هاتوا برهانكم). فلا يكون الحوار مثمراً في مجال معرفة الحق إلا إذا كان قائماً على البراهين والأدلة :(ءإله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) النمل: 64، (ونزعنا من كل أمة شهيداً فقلنا هاتوا برهانكم فعلموا أن الحق لله وضل عنهم ما كانوا يفترون) القصص: 75. وهنا يرسخ الإسلام معاني أدب الاختلاف الصحيح بالمطالبة بالدليل من جميع الإطراف، إذ يطرح الإسلام منظومته خاصة في مجال الأفكار ونطاق المنهج العقلي من خلال طرح الفرضيات المحتملة وإسقاط الفرضيات الخاطئة وإبقاء الصحيح منها من خلال منهج النفي والإثبات العقلي، أو منهج عرض الأفكار والأفكار المضادة، واتخاذ مختلف السبل السلمية في الوصول إلى الحق.

 ثالثاً:آداب الاختلاف ومعالم منهجية في جدية الحوار الداخلي بين الطوائف والمذاهب:

لقد ظهرت مفاهيم عديدة عبر تاريخ أمتنا كان لها أثرها في تأسيس نقاط تفرق وصراع بين أبناء الأمة، وظهرت من تلك المفاهيم الطائفية والمذهبية والحزبية وغيرها، فلو حاولنا تتبع "مفهوم الطائفية" على سبيل المثال كمفهوم له دلالاته وأبعاده وآثاره وأهميته التاريخية بخاصة في أيامنا هذه، لوجدنا أنه بحاجة إلى دراسة وتحليل ونقاش طويل بين مفكري الأمة وعلمائها، لما له من أهمية في الخبرة التاريخية العربية في عصورها الإسلامية المختلفة. ولقد حاول الدكتور طه العلواني[15] القيام بتحليل بعض الجوانب التأسيسية للمفهوم، فبيّن أن "الطائفية تتضمن فكرة الأقلية العددية الصغيرة المتحركة في إطار الكل، المشدودة إليه بغض النظر عن دينها أو عرقها أو لغتها، فهو مفهوم كمي عددي لا غير؛ لذلك ظل اللفظ يستخدم ليشير إلى كيانات مختلفة متعددة في خصائصها، ولكن القاسم المشترك بينها هو القلة العددية، فقد قيل طائفة المعتزلة وطائفة الشيعة، وكلما انقسمت الطائفة الواحدة من داخلها سميت أيضاً طوائف، ولم يبرز هذا المفهوم باعتباره إشكالية أو أزمة إلا في القرنين الأخيرين بخاصة، وذلك تحت تأثير عوامل داخلية وخارجية في ظرف تاريخي معين، ساعد على إحداث نوع من التطابق بين الأمراض الداخلية والمؤثرات الخارجية. ثم مزج المفهوم ذات المكون العددي مع مفاهيم أخرى ذات مضمون فلسفي أو مذهبي أو ديني، فتحول إلى ما يشبه "المصدر الصناعي" في لغتنا ليفيد معنى الفاعلية الخاصة بالأقلية العددية المنفصلة عن فاعلية الأمة، فاختلطت المفاهيم في بيئة متأزمة فكرياً وسياسياً، فأنتجت مفهوم "الطائفية" كتعبير عن حالة أزمة تعيشها مجتمعات عربية وإسلامية، إذ تحول الجزء إلى كل، والبعض إلى كيان مستقل، وأصبحت الطائفية مذهباً وأيديولوجية وهوية حلت محل الهويات الأخرى، بل وبدأت تتعالى عليها..[16]" وهكذا حال العديد من المفاهيم المتداولة اليوم بحاجة إلى دراسة وتحليل ورصد دقيق لتطوراتها المعقدة، والتي غالباً ما تحتاج إلى معالجات لا تقل تعقيداً عن تركيبتها. ولقد ظهرت محاولات إصلاحية منذ القرن التاسع عشر في نشر فكرة التقريب بين المذاهب، وأيدها بعض العلماء ورفضها آخرون، ولا تزال بعض المؤسسات تشجع الفكرة، إلا أن المصالح الذاتية المتمثلة بالسياسية وغيرها كادت تكون أكبر من تلك المحاولات الإصلاحية، ولذلك سنحاول تتبع تعاليم القرآن والسنة وقيمهما في آداب الاختلاف بين الطوائف والمذاهب، والتي تتضمن المحاور الآتية:

المحور الأول: تنقية العقول والقلوب من تاريخية الصراعات المذهبية والفكرية وإيجاد الأرضية المشتركة بين الجميع، والذي لا يتم إلا من خلال التعليم وبذل الجهد في دراسة تلك التجارب علمياً وتمحيصها فكرياً ودينياً، وتفكيك تراث الفرقة والتنازع الذي وقع في عهد مبكر من عمر الأمة وعرضه على قيم القرآن والسنة الصحيحة، ثم التذكير المستمر بما يجمع القلوب ويؤلفها، والمتمثلة في إيمان الجميع بوحدة الخالق ووحدة الأصل الإنساني، وما البشر إلا أسرة واحدة فراشها الأرض وسقفها السماء، وما الاختلاف بين الناس في الألوان والأجناس والمعتقدات إلا للتعارف والتكامل، لأداء مهمتها المشتركة وهي الاستخلاف وعبادة الله الواحد، الذي وحّد قبلتهم وأصول عبادتهم، بل وجعل مقياس التفاضل بينهم التقوى والعمل الصالح، كل هذا وغيره الكثير ليشكل أرضية مشتركة بين جميع الطوائف والمذاهب مهما اختلفوا.

المحور الثاني: إقامة وبناء مفهوم الأخوة والتآخي والولاية الإيمانية بين جميع شرائح المجتمع:

 لقد جاء  القرآن الكريم ليعلن بياناً بأخوة المؤمنين، قال تعالى: (إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون)، ولم يكتف بذلك بل تقدم بمشروع يجيب فيه عن الكيفية التي تؤسس بها تلك الأخوة. فلقد بين سبحانه المحاور الايجابية التي تقوي هذه الإخوة في قوله تعالى: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم) التوبة:71. وبالمقابل بين سبحانه الصفات التي تؤدي إلى هدم معاني الأخوة: (يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكنّ خيراً منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون. يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضاً أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه، واتقوا الله إن الله تواب رحيم) الحجرات:11-12، ولقد كرر قوله:(يا أيها الذين آمنوا) ليذكر المؤمنين بالعلاقة التي تجمعهم وهي الإيمان، ثم أكد على التقوى في بداية الآيات ونهايتها، وكأنه يشير إلى أن تقوى الله هي الدرع التي تحمي وتحصن المؤمن من الوقوع بتلك الصفات السيئة التي لا تؤدي إلا إلى توريث الأضغان والأحقاد وتوسيع هوة الاختلاف والصراع.

          ومعنى التآلف يكمن في معنى المؤلف وهو ما جمع من أجزاء مختلفة ورتب ترتيباً قدم فيه ما حقه أن يقدم وأخر فيه ما حقه أن يؤخر[17]؛ ولقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بتنفيذ هذا المشروع القرآني بنجاح بتأييد من الله، وضربَ مثلاً في تأسيس مفهوم التآخي والتآلف منذ أيامه الأولى في المدينة، عندما آخى بين المهاجرين والأنصار، و بين قبائل الأنصار الأوس والخزرج، حتى تآلفت القلوب لتنعكس بمعطياتها على السلوك والتعاملات، واستمر  رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بتوجيهاته ليؤكد هذه المعاني ولا يترك مجالاً للإخلال بها فقال: الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُه،ُ وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِه،ِ وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَة،ِ وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَة[18]ِ". وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَنَاجَشُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا ،الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ وَلَا يَحْقِرُهُ ،التَّقْوَى هَاهُنَا، وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنْ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ[19]. ولقد سجل القرآن الكريم لهؤلاء المؤمنين الذين ضربوا مثلاً لمن يأتي بعدهم كيف تؤسس معالم الأخوة والتآخي، قال تعالى: (للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون، والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون، والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم) الحشر:8-10.  وهكذا رسم القرآن الكريم المبادئ الأساسية لعلاقة التآخي في الله؛ تبدأ بحب الله ونصرة دينه بصدق، ثم تدريب النفس والارتقاء بها عن حب الماديات الدنيوية الفانية كي تسمو إلى أعلى درجة الإيثار التي حققها الأنصار في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وهكذا تصفو القلوب من أمراض الغل والحسد والحقد لتلتمس العفو والغفران للجميع بصدق وإخلاص، وما كان شعار الأنبياء إلا: (لا أسألكم عليه مالاً إن أجري إلا على الله) ليبني النفوس الراقية التي تتعالى على الماديات وتلتمس رضاء الله في كل أمر. وهذا أمر قابل للتحقيق في كل زمان ومكان، ولكنه يعتمد بالدرجة الأولى على كل جيل وعصر ودرجة سمو أهله، وما أجيالنا بأقل صدقاً ممن سبقنا إن عقدنا العزم على التآخي والتآلف، وما ذلك على الله ببعيد.   

 المحورالثالث: مبدأ الإصلاح بين أخويكم: وهذا المبدأ يساعد على المحافظة على علاقة الأخوة بين المؤمنين حين وقوع الخلاف أو الخصومة، تبدأ بمرحلة (إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم، واتقوا الله لعلكم ترحمون). وهذا الاقتراح يتضمن المصالحة بالحوار والتفاهم بين الطرفين والتحكيم بينهما بالحسنى، أما إذا تطورت الخصومة وتحولت إلى قتال فيجب تكريس كل الجهود في الإصلاح كي لا تمتد مساحة القتال أو مدته :(وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما)، أما إذا وقع هناك بغي من إحداهما :(فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله، فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا، إن الله يحب المقسطين). فالعدل هو الميزان، والمسؤولية تقع على عاتق جميع المسلمين الذين يشهدون هذا القتال أو الصراع، وما عليهم إلا بذل كل الجهد في إصلاح الأمور وإظهار الحق على الباطل والعدل على الظلم. وأما إذا ما ظهر بغي طائفة، كان على الأمة إظهار الحق ثم إبعادها عن ساحة العمل والقيادة كي لا تتوسع دائرة البغي والعدوان وعدم السكوت عليها مهما كان موقع تلك الطائفة أو الجماعة في المجتمع، وهذا هو المعنى الكامن في قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ..) النساء: 135، وهذا ما بينته السنة الشريفة وفهمه الصحابة كما جاء عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَنَّهُ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ هَذِهِ الْآيَةَ(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ)، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمْ اللَّهُ بِعِقَابٍ مِنْه[20]" وكذلك جاء عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أن رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "إِنَّ أَوَّلَ مَا دَخَلَ النَّقْصُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ الرَّجُلُ يَلْقَى الرَّجُلَ فَيَقُولُ يَا هَذَا اتَّقِ اللَّهَ وَدَعْ مَا تَصْنَعُ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَكَ، ثُمَّ يَلْقَاهُ مِنْ الْغَدِ فَلَا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ أَكِيلَهُ وَشَرِيبَهُ وَقَعِيدَهُ، فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ ضَرَبَ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، ثُمَّ قَالَ: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى بْنِ مَرْيَمَ إِلَى قَوْلِهِ فَاسِقُونَ، ثُمَّ قَالَ: كَلَّا وَاللَّهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنْ الْمُنْكَرِ وَلَتَأْخُذُنَّ عَلَى يَدَيْ الظَّالِمِ وَلَتَأْطُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا وَلَتَقْصُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ قَصْرًا[21]" . 

 

المحور الرابع:  مفهوم التواصي بالحق والصبر والمرحمة:  الوصية هي التقدم إلى الآخرين بما يعمل به مقترناً بالوعظ، ولقد ذكر الفعل وصى في مواطن عديدة، مثل: (ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب..)، (ووصينا الإنسان بوالديه..) ونحوها،ولكن فعل التواصي ذكر في موقعين مرتبطاً بالذين آمنوا، بالمقابل ذكر في موضع واحد يبين استمرارية وتكرار موقف الرافضين للإيمان عبر العصور وكأنها وصية تركها بعضهم لبعض :(كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون، أتواصوا به بل هم قوم طاغون) الذاريات:52-53. وفعل التواصي يدل على الاستمرارية، أي لا يقتصر على مرة واحدة فحسب، وإنما مواصلة التذكير والموعظة بين المؤمنين :(وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين) الذاريات:55، وبالتواصي يقوي بعضهم بعضاً على إقامة العدل والصبر عليه و التراحم بين بني البشر، ولذلك جاء في سورة البلد:17 (ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة)، وأكدتها سورة العصر (والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين بين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر)، فبين بالضبط بماذا يجب أن يتواصى المؤمنون: بالحق والصبر والرحمة ،قيم ومقاييس مهمة تقوم من خلالها العلاقة بين المؤمنين حتى تكون شعاراً لتلك العلاقات، يتحاكم بموجبها الجميع أحزاباً وطوائف ومذاهب. ولتطبيق منهج التواصي يقتضي أن يتم استخلاص وسائل منهجية تنظم التعامل بين المؤمنين خاصة في كيفية إبداء النصيحة والرأي والتشاور والتحاور بشكل فعال وإيجابي، ليحقق بذلك غايات التواصي بالحق والصبر والمرحمة، ولا بأس من توظيف بعض الوسائل الحديثة التي توصل إليها العلم المعاصر وحققت نجاحاً في هذا المجال.

 المحور الخامس: تطوير وتأسيس مفهوم الاعتصام بحبل الله والتآلف:

          يكتمل بناء المشروع في الوصول إلى الهدف باستعداد الجميع بالاعتصام بحبل الله وعدم السماح للاختلاف بالآراء أو الأفكار أن تكون سبباً للتفرق بين أتباع الطوائف والمذاهب، وإنما تنوع الأفكار يجب أن يؤدي إلى تطوير النفس والأسرة والمجتمع، فما أيسر اختلاق الأسباب للتفرق، وما أصعب تجميع القلوب وتوحيدها، ولذلك كان المشروع القرآني يدعو لتوظيف الاختلافات للصالح العام من خلال تطبيق نظام الشورى والحوار البنّاء وتطهير النفوس من المشاعر السلبية وأمراض القلوب، والسعي إلى تحديد أهداف كبرى للأمة يشترك ويتفق على صياغتها الجميع، لتحقيق مبدأ الاعتصام بحبل الله، قال تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً) آل عمران:103، والتآلف لن يتحقق من غير إصلاح النيات والتركيز على صياغة أولويات الأمة والجماعة، وإدراج المصالح الفردية في ظلها، كخطوة ضرورية في بداية الطريق للوحدة ثم الاستعانة بالله والتوكل عليه، قال تعالى: (هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم) الأنفال: 63، ولتحقيق الوحدة لابد من اتباع كل ما سبق ذكره في ظل طاعة الله ورسوله، والصبر على تحقيقه من خلال رصد أي خرق قد يؤدي إلى الفرقة ومعالجته فوراً، قال سبحانه:(وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين) الأنفال: 46.  عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَة؟ِ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: صَلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ فَإِنَّ فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ. قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَيُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: هِيَ الْحَالِقَةُ لَا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعَرَ وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ[22]".

رابعاً: تنزيل آداب الاختلاف في الإسلام على الواقع:

المؤسسات والمنظمات العربية والإسلامية في الغرب: تجربة تحدٍّ

إن بيئة المؤسسات الإسلامية ومنظماتها في الغرب تختلف عن العالم الإسلامي في مجالات عديدة، وبخاصة في تمكن النموذج الغربي إلى تحويل مبدأ الاختلاف إلى مؤسسات يقيم بعضها بعضاً بانفتاح عند وقوع الخلل، فنموذج المؤسسات الغربية استطاع أن يصوغ آليات ووسائل توظف الاختلاف للصالح العام من خلال التحاور، واختيار الأفضل للجميع. ومن هنا تأتي أهمية دور الجاليات المسلمة ومؤسساتها في الغرب في أن تصبح جسراً بين الغرب و العالم الإسلامي في مواجهة التحديات القائمة، فنظرة الغرب للإسلام مشوهة، لأنها تقوم على تفسير الغربيين للإسلام تفسيراً يعتمد الواقع الإسلامي السيىء اليوم، حتى أصبح هذا من أخطر ما يواجه المسلمين في الغرب، فجميع قيم الإسلام يجري ليّها وتشويهها في الفهم الغربي ليكون واقع المسلمين السيئ تفسيراً ونتيجة لها، وعلى هذا فإن كل من يحاول إقناع الغرب بخلاف ذلك دون إحداث تغيير في الواقع الإسلامي والعربي ينتهي إلى الإخفاق.  أما العالم الإسلامي فيفتقد الآليات التي تساعد في تحويل الاختلاف إلى مؤسسات تُقيم مواطن الضعف والقوة الداخلية والتي برع فيها الغرب، ومن هنا كان لزاماً على المؤسسات الإسلامية والعربية أن تبذل كل الجهود في دراسة التجارب الإنسانية المختلفة وتحليلها عبر التاريخ، وتحديد عوامل نجاحها وإخفاقها، لتستفيد منها في بناء جسور التعاون فيما بينها، في تحديد الأهداف العامة للأمة، بخاصة في مجال علاقة العالم الإسلامي بالغرب وبالعكس، ثم يتم توزيع المهام بينها كل حسب اختصاصه، لتتكامل الجهود في صياغة آليات ووسائل تساعد على بناء مؤسسات تؤدي إلى تغيير واقع المسلمين في الغرب والشرق.

وللوصول إلى تحقيق هذا لابد من الإجابة على كيفية تأليف القلوب بين المسلمين، ولا يتم هذا من غير فتح الحوار بين الجميع، وبذل الجهد بالتذكير بتقوى الله وإخلاص العمل له، ومقياس نجاح ذلك لا يتحقق إلا عندما يجعل الإنسان صالح الجماعة سابقاً لمصالحه الشخصية، ويتحول الحديث عن القيم إلى واقع ملموس ابتداء من القيادات في تحقيق الحق والعدل على النفس والأهل والولد ثم عامة الناس، كما يجب على عموم الناس الأخذ على يد الظالم وعدم الخضوع له، مهما كانت الأسباب :(ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وأولئك هم المفلحون، ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البيّنات وأولئك لهم عذاب عظيم) آل عمران:104-105.

          وهكذا فالمؤسسات الإسلامية والعربية في الغرب بحاجة إلى بناء أرضية للتعاون المخلص المشترك بينها على تحقيق الحق والعدل دون تحيز أو تضليل، وعلى الرغم من ظهور بوادر خير، لا سيّما بعد أحداث سبتمبر 2001م، هناك نسبة من التحسن في هذا المجال، ولكن لا يزال الطريق أمامنا طويلاً. فاليوم لا يزال العديد من المراكز أو الجمعيات تعمل من أجل تحقيق أهدافها الشخصية كمذهب أو حزب أو طائفة، ليس كأمة لها أهداف مشتركة تستوعب الشيعي والسني، والسلفي والصوفي، والقومي والعلماني، والمسلم والمسيحي، والعربي وغير العربي؛ هذا ما يجب تكريس الجهود لمعالجته على جميع المستويات القيادية والعامة. هل يمكن تحقيق صياغة منهج مشترك بين المؤسسات الإسلامية والعربية في الغرب يقوم على تحديد الأهداف العامة، ثم توزيع الأدوار، حسب الاختصاصات، بحيث يعمل الجميع في شكل تكاملي وتعاوني لتحقيق الأهداف المشتركة؟ هل يمكن لتلك المؤسسات أن تكون أنموذجاً صالحاً في تنزيل قيم السماء على الأرض، وتحويل الاختلاف إلى تجربة إنسانية ناجحة تتداولها أجيال الأمة، بل الإنسانية؟

  آداب الاختلاف ومعالم منهجية في جدية الحوار وبخاصة بين الأديان:

الإنسان العربي تعامل في منطقته مع اليهودية والمسيحية والإسلام، وتعامله مع الاختلافات الاعتقادية لا يعني المفاصلة والعداء أو تهديد وحدة الكيان، أو محاولة الانتماء لكيان آخر خارجه أو الانفصال عنه بحجة الاختلاف في العقيدة، وإنما تعامل معه على أنه اختلاف طبيعي صحي، وهذا ما تثبته أقدم وأوضح النصوص العربية الإسلامية "وثيقة المدينة المنورة" التي أرسى محاورها رسول الله صلى الله عليه وسلم تطبيقاً لتعاليم القرآن الكريم.  فلا بد من البحث عن المشتركات الثقافية والأخلاقية والقيمية بين مختلف الأديان والحضارات والثقافات وتعميقها، واجتناب المساحات المختلف فيها أو مناقشتها بالتفكر والاستدلال بل والاجتهاد المستقيم، وإذا حصل أي تشدد وصعوبة في الوصول إلى حلول إيجابية مشتركة يتم التوقف، كما فعل نبي الله هارون عليه السلام،الذي عدّ الاختلاف أكبر خطراً وأشد ضرراً من عبادة الأوثان: (يا ابن أمَّ لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرّقت بين بني إسرائيل ولم ترقب أمري) طه: 94، كما جعل من خوف الفرقة والاختلاف عذراً له في عدم التشديد في الإنكار على من أشرك بالله. وهذا ما أكده رسول الله صلى الله عليه وسلم :(اقرؤوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم، فإذا اختلفتم فيه فقوموا[23]).  ولقد قدم القرآن الكريم ضمن مشروعه في التآلف أسساً للتعامل المشترك بين الأديان تقرب المسافات بينها، وتصوغ آداباً تنظم محاور الاختلاف وتدفعها إلى التآلف لا إلى التصارع، فما أيسر التفرقة بين الأديان، وما علينا هنا إلا رصد ما قدمه القرآن الكريم من محاور تحول الاختلاف إلى تحاور وتفاعل لصالح الجميع.  

 التركيز على الأسس والمقاصد المشتركة بين الأديان[24]:

1- التوحيد مبدأ مشترك بين الأديان السماوية:  لقد طرح القرآن الكريم الكلمة السواء بين الأديان (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألاّ نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً، ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله) آل عمران: 64. لقد جاءت الأديان تكمل بعضها بعضاً، وكل دين مصدق لما سبقه من الأديان، ولذلك كانت نسبة الدين لله وحده (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير)، وهذا ما يفترض وجود مقاصد مشتركة ينطلق منها في عملية صناعة البرامج والخطط، التي تتجلى فيها النقاط المشتركة في سبيل أنسنة الحضارة على قيم الدين ورسالته، ولذلك فإن الاجتهاد في كل دين ليس حكراً على أتباعه، وإنما هو للإنسانية جمعاء، وهذا ما حصل عبر تاريخ الحضارة الإنسانية.

2- العبودية لله في مقابلة الاستكبار واستعباد الإنسان لأخيه الإنسان، (ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله )، وبذلك يقدم الدين الحماية للإنسان، ولا يدع مجالاً للمصالح الذاتية وأصحابها يتلاعبون بأقدار الناس وممتلكاتهم بعيداً عن القيم[25].

3- التأكيد على القيم كقاعدة مشتركة لتحقيق الشهود الحضاري: إن مسؤولية حوار الأديان هي التخطيط لحماية القيم، وإننا نرى اليوم أن إحلال قيم الاستهلاك والاحتكار مكان القيم الدينية والتي تحث على التعاون والعطاء ينعكس على البشرية، وهذا ما نجد انعكاساته على البيئة والطبيعة والتنمية الإنسانية الشاملة . 

4- التأكيد على تحقيق العدل بين البشر وأنه من أهم أهداف الأديان: فما أرسل الرسل إلا لإقامة العدل في الأرض :(لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتابَ والميزانَ ليقوم الناسُ بالقسط.) الحديد:25، فلابد من إعادة تعريف المفاهيم المختلفة ابتداءً من الظلم والعدوان والإجرام والإرهاب ونحوها، وعدم السماح بإخضاع العدل لأي مطامع شخصية أو سياسية باسم الدين، وهذه هي مهمة الرسل والأنبياء :(لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتابَ والميزانَ ليقوم الناسُ بالقسط) الحديد:25، وقالها موسى عليه السلام: (رب بما أنعمت عليَّ فلن أكون ظهيراً للمجرمين). وكذلك فعل من قبله يوسف عليه السلام :(قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذاً لظالمون) يوسف:79. وخاطب الله تعالى الذين آمنوا بقوله: (كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين، إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا..) النساء:135، وقال: (ولايجرِمَنَّكم شنآنُ قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى)، و (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي..). وهكذا فما على أتباع الأديان السماوية إلا أن يكونوا ضمير الإنسانية الحي، فكلما اختل ميزان العدل يرتفع صوت الإيمان الموحد لإعادة الموازين إلى نصابها، فلا سلام في العالم من غير تحقيق العدل بين الناس جميعاً.

5- تنقية الدين من الصراعات الدينية والفكرية التي وقعت عبر تاريخ الإنسانية، متأثرة في الغالب بحركة الإنسان ورؤيته الفكرية والسلوكية، والتي تؤدي إلى أن تنسب للدين ما ليس منه، وهذا لا يقتصر على العلاقة بين الأديان المختلفة فحسب، بل ويمتد إلى الطوائف المختلفة المنتسبة لدين واحد، ولا يكاد يخلو دين من الأديان من داء الحروب الطاحنة بين أبنائه وأتباعه. والمطلوب أن نرجع بالدين إلى أصوله الصافية، ونستفيد دروساً من تلك التجارب السلبية، ثم نتبع القاعدة القرآنية: ( تلك أمة قد خلت لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ولا تُسألون عما كانوا يعملون) البقرة: 141.

6- الدين عموماً قائم على المحبة والرفق؛ فالتعاليم المسيحية على سبيل المثال تؤكد على المحبة وهي ركن مهم من أركان هذا الدين: (ولتجدنّ أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون)، وكذلك الإسلام دعا إلى المحبة والرحمة والرفق في الأمور كلها ومع كل البشر (لايؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم، إن الله يحب المقسطين) الممتحنة:8. والحوار البناء بين الأديان هو الطريق إلى بناء جسور المحبة والتآلف من خلال التعارف بينهم: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن)، (اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون. ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد، ونحن له مسلمون) العنكبوت: 46.

الخاتمة:

وهكذا قدم الإسلام مشروعاً متكاملاً في أدب الاختلاف وأصوله وما على الأمة اليوم إلا تحويل النظري إلى عملي تطبيقي، يبدأ من أول لبنة في المجتمع وهي الأسرة ،ثم ينتقل إلى كل مؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات الحكومية السياسية منها والاجتماعية، كي تستقيم الأمور ويقام العدل والسلام. 

*د. زينب العلواني/أستاذة في جامعة جونزهوبكنز في واشنطن

الهوامش:

[1]  قد نشرت مقالة السيد جمال الدين الأفغاني "الشرق والشرقيون" في جريدة (أبو نظارة زرقاء) التي كانت تصدر في باريس أيام وجوده فيها سنة (1300هـ/1883م). انظر المقالة في الحوار الذي أجراه الأستاذ عبد الجبار الرفاعي مع الدكتور طه جابر العلواني في (أبعاد غائبة عن الفكر الإسلامي) في كتاب الفكر الإسلامي المعاصر: مراجعات تقويمية، تحرير وحوار: عبد الجبار الرفاعي، دار الفكر/ دمشق، الطبعة الأولى، 2000م 121-171. (مع بعض التعديل في العبارة).

[2]  أنظر: مقالة الشيخ عبد الله بن بيه، أدب الاختلاف، في صيد الفوائد  http://www.saaid.net. ابن القيم، الصواعق المرسلة، ج2، ص519.

[3]  اعتمدت الدراسة في تتبع معاني هذه المفاهيم على كتاب الراغب الأصفهاني: تحقيق: محمد سيد كيلاني، المفردات في غريب القرآن، دار المعرفة، بيروت،  مع مراجعة المعاني التي أوردها من لسان العرب لابن المنظور، وذلك لمحاولة التركيز على استخلاص معاني تلك المفاهيم في هذه المرحلة من القرآن الكريم مباشرة. 

[4]  أنظر: د. طه العلواني، أدب الاختلاف في الإسلام، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط 1991، ص26-28.

[5]  صحيح البخاري، رقم الحديث 2233 من موسوعة الحديث الشريف CD Rom.

[6]  أخرجه الشيخان والنسائي وأحمد.

[7]  بدر الدين الزركشي، الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة: تحقيق: سعيد الأفغاني، بيروت، المكتب الإسلامي، 1980م.

[8]  صحيح البخاري، كتاب الإيمان، رقم الحديث 30.

[9]  تأمل حكمة الإمام مالك رضي الله عنه عندما رفض اقتراح الخليفة أبي جعفر المنصور بفرض كتابه ومذهبه على الناس.

[10]  مسند أحمد، مسند باقي الأنصار، رقم الحديث 22391،  موسوعة الحديث الشريف.

11]  رواه الترمذي، وقال أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ وَهَذَا أَصَحُّ عِنْدَنَا مِنْ الْحَدِيثِ الْأَوَّل.ِكتاب المناقب،3891، موسوعة الحديث الشريف.

[12]  رواه الترمذي، كتاب تفسير القرآن، رقم الحديث 3193، موسوعة الحديث الشريف.

[13]  رواه أحمد، مسند العشرة المبشرين بالجنة، رقم الحديث 1586، موسوعة الحديث الشريف.

[14]  صحيح البخاري، كتاب الشروط، رقم الحديث 2529، موسوعة الحديث الشريف CD Rom

[15]  طه العلواني،  مقالة الانقسامات الطائفية وآثارها المستقبلية، موقع الوحدة الإسلامية/انترنت. www.alwihdah.com

[16]  العلواني،  المرجع السابق، مقالة الانقسامات الطائفية وآثارها المستقبلية.

[17]  الأصفهاني، المفردات، مرجع سابق، ص21.

[18]  رواه البخاري، كتاب المظالم والغصب، رقم الحديث 2262، موسوعة الحديث الشريف.

[19]  الترمذي، كتاب صفة  القيامة والرقائق والورع، رقم الحديث 2433 ،  موسوعة الحديث الشريف.

[20]  رواه الترمذي، كتاب الفتن، رقم الحديث ، 2094، موسوعة الحديث الشريف.

[21]  سنن أبي داود، كتاب الملاحم، رقم الحديث 3774، موسوعة الحديث الشريف.

[22]  رواه مسلم، كتاب البر والصلة  والآداب،  رقم الحديث 4650،  موسوعة الحديث الشريف.

[23]  صحيح البخاري، كتبا فضائل القرآن، رقم الحديث 4672، موسوعة الحديث الشريف.

[24]  أنظر ما جاء في البحث القيم للسيد محمد حسين فضل الله ، في أسس الحوار بين الأديان، في موقع الوحدة الإسلامية www.alwihdah.com/

[25]  أنظر ما ورد في بحث السيد محمد حسين فضل الله، في أسس الحوار بين الأديان، موقع الوحدة الإسلامية.

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع وحدة العمل الوطني لكرد سورية Copyright © 2007
 | اتصل بنا | صفحة البداية | مواقع مختارة