صفحة البداية | من نحن |  اتصل بنا | مواقع مختارة 

 
حقوق الإنسان

دراسات

مقالات

من أعلام الكرد

من اللغة الكردية

من الأدب الكردي

جغرافيات

من المكتبة الكردية

تقارير إخبارية

صوتيات


 

 
 
 
 
 
 
 
 
 

الشرق الأوسط الجديد

عن الفورين أفيرز

عدد تشرين ثاني، كانون أول 2006

ريتشارد.ان.هاس

ملخص: لقد انتهى عصر الهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط وبدأ عهد جديد في تاريخ المنطقة الحديث. وسيتم تشكيله من قبل لاعبين جدد وقوى جديدة تتنافس من أجل التأثير، وحتى تتسيد عليها، سيكون على واشنطن الاعتماد بشكل أكبر على الدبلوماسية أكثر من اعتمادها على القوى العسكرية. (ريتشارد.ان.هاس: رئيس مجلس العلاقات الخارجية)

نهاية عهـد:

فقد بعدما يزيد على قرنين من الزمان منذ وصول نابليون إلى مصر مؤذناً بقدوم الشرق الأوسط الحديث.. حوالي ثمانين عاماً بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية، وخمسين عاماً بعد نهاية الاستعمار، وأقل من 20 عاماً بعد نهاية الحرب الباردة.. فإن العهد الأمريكي في المنطقة، وهو الرابع في تاريخ المنطقة الحديث، قد انتهى. والرؤى لمنطقة جديدة على غرار أوربا مسالمة ومزدهرة وديمقراطية لن تتحقق. ما هو أكثر ترجحاً هو ظهور شرق أوسط حديث سيتسبب بأذى عظيم لنفسه، وللولايات المتحدة، وللعالم. لقد تميزت جميع العهود بالتأثير المتبادل للقوى المتنافسة داخلياً وخارجياً على المنطقة. ما اختلف هو التوازن بين هذه التأثيرات. ويعد العهد اللاحق في الشرق الأوسط بأن يصبح عهداً يكون فيه للاعبين الخارجيين تأثيراً متواضعاً نسبياً، وأن تتمتع القوى المحلية فيه باليد العليا، وأن يكون اللاعبون المحليون الذين يمتلكون السلطة من الراديكاليين الملتزمين بتغيير الوضع الراهن. إن تشكيل الشرق الأوسط من الخارج سيصبح صعباً باطراد، ولكنه سيصبح إلى جوار إدارة آسيا متغيرة، التحدي الرئيسي للسياسة الخارجية للولايات المتحدة لعقود آتية.

لقد ولد الشرق الأوسط الحديث في أواخر القرن الثامن عشر. بالنسبة لبعض المؤرخين فإن الحدث المؤشر (على ولادته) كان توقيع معاهدة 1774 والتي أنهت الحرب بين الإمبراطورية العثمانية وروسيا. ويمكن تقديم حجة أقوى لأهمية دخول نابليون السهل نسبياً إلى مصر في عام 1798، والتي أظهرت للأوربيين أن المنطقة كانت مهيأة للإخضاع وحفزت المثقفين العرب والمسلمين على التساؤل، كما يفعل الكثير منهم في ذلك اليوم، عن سبب تراجع حضارتهم الكبير خلف أوربا المسيحية. لقد ترافق الانحطاط العثماني باختراق أوربي للمنطقة  تسبب في صعود (المسألة الشرقية)، والتي تتعلق بكيفية التعامل مع آثار انحطاط الإمبراطورية العثمانية، والتي حاولت أطراف كثيرة الإجابة عليها بما يتوافق ومصلحتهم الخاصة منذ ذلك الحين.

لقد انتهت الحقبة الأولى بالحرب العالمية الأولى، وانتهاء الإمبراطورية العثمانية، وصعود الجمهورية التركية، وتقسيم غنائم الحرب بين المنتصرين الأوربيين. ونجم عن ذلك عهد من الحكم الاستعماري، تهيمن عليه فرنسا والمملكة المتحدة. وقد انتهى هذا العهد الثاني بعد حوالي أربعة عقود من ذلك، بعد أن استنزفت حرب عالمية ثانية من الأوربيين كثيراً من قواهم، وكانت القومية العربية قد نشأت، وبدأت القوتان العظمتان في تصويب سلاحهما "[هو] من يحكم الشرق الأدنى يحكم العالم، وكل من لديه مصالح في العالم لا مناص له من الاهتمام بالشرق الأدنى". كتب المؤرخ ألبرت حوراني، والذي رأى وكان على حق، أن أزمة السويس في 1956 كانت علامة على نهاية العهد الاستعماري وبداية عهد الحرب الباردة.

خلال الحرب الباردة، كما كانت عليه الحال سابقاً، لعبت قوى خارجية دوراً مهيمناً في الشرق الأوسط. ولكن طبيعة الاتحاد السوفييتي الخاصة جداً للتنافس الأمريكي منحت الحكومات المحلية مجالاً معتبراً للمناورة. وقد تمثلت ذروة هذا العهد في حرب أكتوبر 1973، والتي توقفت عندها كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي اضطراراً في حالة من الشلل، مما عبد الطريق للدبلوماسية الطموحة، بما في ذلك لاتفاقية السلام المصرية ـ الإسرائيلية.

ومع ذلك فإنه سيكون من الخطأ رؤية هذا العهد الثالث ببساطة كوقت يدار جيداً بتنافس القوى العظمى. فقد غيرت حرب 1967 توازن القوى في الشرق الأوسط للأبد. إن استخدام النفط كسلاح اقتصادي وسياسي في 1973 قد ألقى الضوء على العجز الأمريكي والدولي عن مواجهة الارتفاع المفاجئ في الأسعار. وقد خلق قانون توازن الحرب الباردة مناخاً حصلت فيه القوى المحلية في الشرق الأوسط على استقلالية كبيرة في متابعة أجنداتها الخاصة. وقد أظهرت ثورة 1979 في إيران، والتي تسببت في إسقاط أحد أعمدة السياسة الأمريكية في المنطقة، أن الدخلاء لا يستطيعون التحكم بالأحداث المحلية. لقد قاومت الدول العربية محاولات الولايات المتحدة لإقناعهم بالانضمام إلى مشاريع معادية للسوفييت. لقد أسفر احتلال إسرائيل للبنان في عام 1982 عن تفريخ حزب الله، في حين استهلكت الحرب العراقية الإيرانية هذين البلدين لعقود.

الرعاية الأمريكية:

لقد أنجب انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفييتي عهداً رابعاً في تاريخ المنطقة، والتي تمتعت خلالها الولايات المتحدة بتأثير وحرية في التصرف غير مسبوقين.

إن الملامح الغالبة لهذا العهد الأمريكي كانت التحرير الأمريكي للكويت، وتمركز طويل المدى للقوات الأمريكية البرية والجوية في الجزيرة العربية، واهتمام دبلوماسي نشط في محاولة حل الصراع الإسرائيلي مرة واحدة وشاملة. والتي تأوجت في سعي إدارة كلينتون المكثف والذي لم ينجح رغم ذلك في (كامب ديفيد). كانت هذه الفترة متمثلة فيما يفكر فيه الآن على أنه (شرق أوسط قديم). وقد عرفت المنطقة بعراق عدواني ولكنه مقيد رغم ذلك، وإيران منقسمة وضعيفة نسبياً، وإسرائيل باعتبارها الدولة الأقوى والقوة النووية الوحيدة، وأسعار نفط متذبذبة، وأنظمة عربية عليا ثقيلة تقوم بقمع شعوبها، ووضع متقلقل بين كل من إسرائيل والفلسطينيين والعرب، في الوضع الأعم راية أمريكية.

الذي تسبب في بلوغ هذا العهد نهايته بعد أقل من عقدين هو عدد من العوامل، بعضها هيكلية وبعضها ذاتي النشوء. وقد كان العامل الأهم هو قرار بوش بمهاجمة العراق في 2003، وإدارته للعملية والاحتلال الناتج عن ذلك. لقد كان أول ضحايا الحرب أكثرية من السنة، والتي كانت قوية معبأة بما يكفي لموازنة إيران الشيعية. لقد ظهرت التوترات السنية الشيعية، والتي كانت هاجعة لفترة، ظهرت على السطح في العراق وعبر المنطقة. لقد حصل الإرهابيون على قاعدة في العراق وطوروا هناك مجموعة من التقنيات للتصدير. وعبر معظم المنطقة ارتبطت الديمقراطية بضياع النظام العام ونهاية السيادة السنية. وقد عززت (الحرب) المشاعر المعادية لأمريكا فعلاً بشكل كبير، وبتقييد قسم ضخم من الجيش الأمريكي، فإن الحرب قد خفضت قوة فعالية الولايات المتحدة في العالم بأسره. وإنها لإحدى سخريات التاريخ أن تكون الحرب الأولى في العراق، والتي كانت حرباً ضرورية، إشارة بدء للعهد الأمريكي في الشرق الأوسط، وأن تكون الحرب الثانية في العراق أيضاً، وهي حرب اختيار، سبباً لنهاية هذا العهد. إن هناك عوامل أخرى ذات صلة كذلك؛ إحداها انتهاء عملية السلام في الشرق الأوسط. لقد تمتعت الولايات المتحدة تقليدياً بمقدرة فريدة للعمل مع كل من العرب والإسرائيليين. ولكن حدود هذه المقدرة انكشفت في كامب ديفيد في عام 2000. منذ ذلك الوقت، فإن ضعف خلفاء ياسر عرفات، وصعود حماس، واعتناق إسرائيل لمبدأ الأحادية قد ساعدت جميعها في منع الولايات المتحدة من المشاركة، وهو تغيير عززه نفور إدارة بوش الحالية من اتخاذ دبلوماسية نشطة. عامل آخر ساعد في إنهاء العهد الأمريكي كان فشل الأنظمة العربية التقليدية في مواجهة الفتنة الإسلاموية الراديكالية.

وعندما ووجهوا (الشعوب العربية) بتخييرهم بين من يرونهم على أنهم زعماء سياسيون فاسدون وبين زعماء دينيين لامعين، اختار العديدون في المنطقة الآخرين. لقد تطلب الأمر حدوث 11/9 حتى يصل قادة الولايات المتحدة الرابط بين المجتمعات المنغلقة وحضن الراديكاليين. ولكن ردهم غالباً ما يكون دفعة سريعة للانتخابات بغض النظر عن المضمون السياسي.. قد زود الإرهابيين ومؤيديهم بفرص أكثر للتقدم مما كان لديهم من قبل.

أخيراً، فإن العولمة قد غيرت المنطقة. أصبح الآن من السهل على المتطرفين امتلاك التمويل، والأسلحة والأفكار والمجندين. إن صعود وسائل الإعلام الجديد، وعلى رأسها جميعاً التلفزيونات الفضائية قد حولت العالم العربي إلى قرية إقليمية وسيّستها. وقد تسبب الكثير مما تعرضه من مشاهد العنف والدمار في العراق، وصور إساءة معاملة السجناء العراقيين والمسلمين، والمعاناة في غزة، والضفة الغربية، والآن لبنان.. تسبب في مزيد من تنفير العديد من الناس في الشرق الأوسط من الولايات المتحدة. كنتيجة لذلك، فإن الحكومات في الشرق الأوسط الآن لديها وقت أكثر صعوبة للعمل بانفتاح مع الولايات المتحدة، كما أن تأثير الولايات المتحدة في المنطقة قد انحسر.

ماذا لدينا قدما:

إن الخطوط العريضة للعهد الخامس في الشرق الأوسط ما تزال تتشكل، ولكنها تنبع بشكل طبيعي من نهاية العهد الأمريكي. وستصوغ مجموعة من الملامح سياق الأحداث اليومية.

أولاً: ستستمر الولايات المتحدة بالتمتع بتأثير أكبر في المنطقة من أي قوة خارجية أخرى، ولكن تأثيرها سينخفض عما كانت عليه ذات مرة. مما يعكس التأثير المتزايد لمجموعة من القوى الداخلية والخارجية، وحدود قوة الولايات المتحدة الأصلية، ونتائج الخيارات السياسية الأمريكية.

ثانياً: ستتحدى سياسات خارجية من دخلاء آخرين الولايات المتحدة بشكل متزايد. وسيقدم الاتحاد الأوروبي مساعدة قليلة للعراق، ومن المرجح أن يدفع باتجاه مقاربة مختلفة للقضية الفلسطينية. وستقاوم الصين بالضغط على إيران، وستسعى إلى ضمان توفر موارد الطاقة. ستقاوم روسيا كذلك دعوات فرض العقوبات على إيران، وستبحث عن فرص لإظهار استقلالها عن الولايات المتحدة. وستنأى كل من الصين وروسيا وكذلك العديد من الدول الأوروبية بنفسها عن مساعي الولايات المتحدة لتحفيز الإصلاح السياسي في المنطقة غير الديمقراطية في الشرق الأوسط.

ثالثاً: ستكون إيران إحدى أقوى دولتين في المنطقة. وهؤلاء الذين كانوا يرون أن إيران هي على أطراف تغيير داخلي دامِ كانوا مخطئين. فإيران تتمتع بثروة عظيمة، وهي ذات التأثير الخارجي الأعظم في العراق، وتمتلك تأثيراً معتبراً على كل من حماس وحزب الله. إنها قوة امبريالية تقليدية، ذات طموحات بإعادة ترتيب المنطقة وفق تصورها والإمكانية لترجمة أهدافها إلى واقع.

رابعاً: ستكون إسرائيل الدولة الأخرى القوية في المنطقة، والدولة الوحيدة التي تمتلك اقتصاداً حديثاً قابلاً للتنافس عالمياً. والدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي لديها ترسانة نووية، كما أنها تمتلك القوة العسكرية التقليدية الأكثر تأهيلاً في المنطقة. ولكن ما يزال عليها أن تتحمل تكاليف احتلالها للضفة الغربية والتعامل مع تحد أمني متعدد الجبهات والأبعاد.

وإذا ما تكلمنا من زاوية استراتيجية، فإن إسرائيل في وضع أضعف اليوم مما كانت عليه قبل أزمة هذا الصيف في لبنان. وسيتدهور وضعها بصورة أكبر، وكذلك وضع الولايات المتحدة، فيما لو طورت  إيران أسلحة نووية.

 

خامساً: من غير المحتمل أن يكون هناك ما يشبه عملية سلام قابلة للاستمرار في المستقبل. في أعقاب عملية إسرائيل المثيرة للجدل في لبنان، فإن الحكومة التي يقودها حزب كاديما ستكون بالتأكيد ضعيفة جداً لقيادة دعم داخلي لأي سياسة قد ينظر إليها على أن فيها مخاطرة أو كرد لاعتداء مكافئ. إن فك الارتباط الأحادي قد شوه الهجمات التي تبعت انسحاب إسرائيل من لبنان وغزة. ولا يوجد هناك شريك سلام واضح على الجانب الفلسطيني قادر على ومستعد للتفاوض، مما يشكل مزيداً من الإعاقة لفرص التوصل إلى مقاربة متفاوض عليها. لقد خسرت الولايات المتحدة كثيراً من مكانتها كوسيط أمين ذي مصداقية، على الأقل في الوقت الحالي. في نفس الوقت، فإن توسع المستوطنات وبناء الطرق سيتابع سرعته مما يعقد الدبلوماسية بشكل أكبر.

سادساً: سيبقى العراق، والذي يعتبر المركز التقليدي للقوة العربية، في حالة فوضى لسنوات آتية، مع حكومة مركزية، ومجتمع مقسم، وعنف طائفي دائم. وفي أسوأ الحالات سيصبح دولة فاشلة محطمة بفعل حرب أهلية شاملة ستجر إليها جيرانها.

سابعاً: سيبقى سعر النفط مرتفعاً، ونتيجة لطلب قوي من الصين والهند، ونجاح محدود في كبح الاستهلاك في الولايات المتحدة، والاحتمال المستمر لنقص الموارد، ومن المرجح أن يتجاوز ثمن برميل النفط 100 دولار، من أن ينزل عن 40 دولار. وستستفيد إيران، والسعودية العربية، والمصدرين الكبار الآخرين بدرجات متفاوتة.

ثامناً: ستتابع (الملشنة) مسارها. فالجيوش الخاصة في كل من مناطق العراق ولبنان وفلسطين يزدادون قوة. إن الميليشيات والتي هي نتاج وسبب لدول ضعيفة، ستنبثق في كل مكان ينظر إليه، أو أنه، فعلياً يعاني من قصور في سلطة الدولة ومقدراتها. إن القتال الجاري أخيراً في لبنان سيفاقم هذا الميل، بما أن حزب الله قد فاز بعدم معاناته من هزيمة كلية، في الوقت الذي خسرت فيه إسرائيل بعدم إحرازها انتصاراً كلياً. وهي نتيجة ستحمس حزب الله ومن حذا حذوه.

تاسعاً: الإرهاب، والمعروف على أنه استخدام متعمد للقوة ضد المدنيين سعياً وراء أهداف سياسية، سيبقى سمة المنطقة.

عاشراً: سيملأ الإسلام الفراغ السياسي والثقافي تدريجياً في العالم العربي وسيشكل قاعدة سياسية لغالبية السكان في المنطقة. إن القومية العربية والاشتراكية العربية هي أشياء من الماضي، في حين أن الديمقراطية ستتحقق في المستقبل البعيد، في أحسن الأحوال. والوحدة العربية ستبقى شعاراً لا واقعاً، وسيتعزز تأثير إيران والجماعات المرتبطة بها. وستتعقد المساعي من أجل تحسين العلاقات بين الحكومات العربية وإسرائيل والولايات المتحدة. في نفس الوقت، فإن التوترات بين السنة والشيعة ستتزايد عبر الشرق الأوسط، مسببة مشاكل في البلدان ذات التجمعات التي تشتمل على فِرق مثل البحرين ولبنان والسعودية العربية.

الحادي عشر: من المرجح أن تبقى الأنظمة العربية سلطوية، وسيزداد عدم تسامحها دينياً وعدائها لأمريكا. ستصبح كل من مصر والسعودية العربية زعيمتان. ومصر، التي تمثل ما يقرب من ثلث سكان العالم العربي، ستكون قد أدخلت بعض الإصلاحات الاقتصادية البناءة. ولكن سياستها ستفشل في موازاة ذلك. على العكس من ذلك، ويبدو أن الأنظمة عازمة على قمع الليبراليين القليلين المتواجدين لديها، وسينحصر خيار للشعب المصري بين السلطويين التقليديين والإخوان المسلمين. والمخاطرة تكمن في أن المصرين سيختارون يوماً ما الخيار الثاني، وسيكون ذلك لتعبهم من الأولين، أكثر من دعمهم غير المتحفظ للآخرين. وكبديل لهذا، قد يرتدي النظام ألوان خصومه الإسلامويين في محاولة منه لمشاركتهم فتنتهم، ويقوم خلال هذه العملية بإقصاء نفسه عن الولايات المتحدة. في السعودية العربية، تعتمد الحكومة والنخبة الحاكمة على استخدام عائدات الطاقة الضخمة لتهدئة المناشدات الداخلية للتغيير. والمشكلة تكمن في أن معظم الضغط الذي استجابوا له قد أتى من اليمين المتدين أكثر منه من اليسار الليبرالي، مما أدى بهم إلى اعتناق أجندة السلطات الدينية.

أخيراً، ستبقى المؤسسات الإقليمية ضعيفة، متخلفة وراء أي كان في مكان آخر. والمنظمة الشرق أوسطية الأكثر شهرة، الجامعة العربية، ستمنع انضمام أقوى دولتين في المنطقة، إسرائيل وإيران. وسيستمر الصدع العربي ـ الإسرائيلي الدائم في إعاقة مشاركة إسرائيل في أي علاقة إقليمية ثابتة. وكذلك فإن التوتر بين إيران ومعظم الدول العربية سيحبط ظهور التأقلم. وستبقى التجارة في الشرق الأوسط متواضعة لأن دولاً قليلة تقدم البضائع والخدمات التي يريد الآخرون شراءها على نطاق واسع، وستستمر البضائع المصنعة المتقدمة في المجيء من مكان آخر. وستصل قليل من حسنات الاندماج الاقتصادي العالمي إلى هذا الجزء من العالم رغم الحاجة إليها.

عثرات وفرص:

رغم أن الملامح الأساسية لهذا العهد الخامس في الشرق الأوسط غير جذابة على نحو كبير، إلا أن هذا لا ينبغي أن يكون سبباً للقدرية. فكثير من الأشياء هي مسألة درجة. إن هناك اختلافاً أساسياً بين شرق أوسط يفتقر إلى اتفاقيات سلام رسمية وآخر موسوم بالإرهاب، والصراع الداخلي، والحرب الأهلية، وبين أشرق أوسط يستضيف إيران وآخر تهيمن إيران عليه. أو بين شرق أوسط ذي علاقة متقلقلة مع الولايات المتحدة وآخر مملوء بالكراهية لهذا البلد. كما أن الزمان يحدث تغييرات. فالعهود في الشرق الأوسط قد تستغرق مدة طويلة تصل إلى قرن، أو قصيرة لا تتعدى العقد ونصف العقد. إن من الواضح أنه من مصلحة الولايات المتحدة وأوروبا أن يكون هذا العهد قصيراً قدر الإمكان، وأن يتبعه عهد أفضل.

لضمان هذا، فإن على صناع السياسة في الولايات المتحدة تجنب ارتكاب الأخطاء، في نفس الوقت الذي يحرزون فيه فرصتين اثنتين. الخطأ الأول، سيكون اعتماداً مبالغاً فيه على القوة العسكرية. فكما تعلمت الولايات المتحدة من بلواها في العراق.. وإسرائيل في لبنان، فإن القوة العسكرية ليست دواء لجميع العلل، وهي ليست ناجعة نهائياً ضد الميليشيات المتخلخلة والإرهابيين الذين ما يزالون مسلحين تسليحاً جيداً، وتتقبلهم الشعوب المحلية، وهم مستعدون للموت في سبيل قضيتهم. كما أن تنفيذ هجوم وقائي على المنشآت الإيرانية النووية لن يحقق الكثير من النتائج الطيبة. فليس من المحتمل أن يفشل الهجوم في تدمير جميع المرافق النووية، بل إنها قد تدفع طهران إلى إعادة إنشاء برنامجها بطريقة أكثر سرية، وتدفع الإيرانيين للالتفاف حول النظام، وستقنع إيران بالرد (وسيكون ذلك عن طريق عملائها على الأغلب) ضد مصالح الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق، وربما بشكل مباشر ضد الولايات المتحدة. كما أنها ستزيد من تطرف العالمين العربي والإسلامي وستولد نشاطاً أكثر إرهابية وأكثر عداء لأمريكا. إن التحرك العسكري ضد إيران سيرفع كذلك أسعار النفط إلى مستويات جديدة، وسيزيد من فرص الأزمات الاقتصادية الدولية والانسحاب العالمي. لكل هذه الأسباب ينبغي اعتبار القوة العسكرية ملجأ أخيراً.

الخطأ الثاني، سيكون الاعتماد على ظهور الديمقراطية لتهدئة المنطقة. فصحيح أن الديمقراطيات الناضجة تميل إلى عدم شن الحرب إحداها على الأخرى. إلا أنه ولسوء الحظ، فإن إنشاء ديمقراطيات ناضجة ليس مهمة سهلة، وحتى إن نجحت المهمة في النهاية، فإنها ستستغرق عقوداً. في خلال تلك الفترة فإن على حكومة الولايات المتحدة أن تستمر في العمل مع الكثير من الحكومات غير الديمقراطية. إن الديمقراطية ليست الحل للإرهاب كذلك. إنه لمن المعقول ظاهرياً أن يكون الشباب والشابات القادمين من جيل ينتمي إلى مجتمعات تقدم لهم فرصاً سياسية واقتصادية، إرهابيين أقل. ولكن الأحداث الأخيرة تشير إلى أنه حتى أولئك الذين يترعرعون في ديمقراطيات ناضجة، مثل المملكة المتحدة، ليسوا محصنين أمام إغراء التطرف. إن حقيقة أن كلاً من حماس وحزب الله قد تدبرا أمرهما بشكل جيد في الانتخابات ثم قيامهما بتنفيذ هجمات إرهابية تعزز وجهة النظر بأن الإصلاح الديمقراطي لا يضمن الهدوء. وستكون عملية الدمقرطة قليلة الفائدة لدى التعامل مع راديكاليين ليس لديهم أمل كبير في تلقي تأييد الأكثرية. إن المبادرات الأكثر فائدة ستكون التحركات المصممة لإصلاح الأنظمة التعليمية، وتعزيز اللبرلة الاقتصادية وفتح الأسواق، وتشجيع السلطات العربية والمسلمة للتحدث بطريقة تبطل شرعية الإرهاب وتخزي مؤيديه، وتخاطب المظالم التي تدفع الشباب والشابات إلى انتهاجه.

بالنسبة للفرص التي ينبغي إحرازها، فالأولى هي زيادة التدخل في شؤون الشرق الأوسط بأدوات غير عسكرية. فيما يتعلق بالعراق، فبالإضافة إلى أي إعادة لانتشار الجنود الأمريكيين، وتدريب الجيش والشرطة المحليين، فإنه ينبغي على الولايات المتحدة تأسيس منتدى إقليمي لجيران العراق (تركيا والسعودية العربية بشكل خاص) والأطراف الأخرى المهتمة، مشابه لذلك الذي استخدم في المساعدة على إدارة الأحداث في كل من أفغانستان بعد التدخل هناك في 2001. إن هذا الأمر يتطلب بالضرورة إحضار كل من إيران وسورية. إن سورية التي تستطيع التأثير على انتقال المقاتلين إلى العراق، والأسلحة إلى لبنان ينبغي أن يتم إقناعها بإغلاق حدودها في مقابل منافع اقتصادية من (الحكومات العربية، وأوروبا، والولايات المتحدة)، والتزاماً بالعودة إلى المحادثات حول وضع مرتفعات الجولان. في الشرق الأوسط الجديد، هناك خطر من أن تهتم سورية بالعمل مع طهران أكثر منها مع واشنطن. ولكنها انضمت إلى الائتلاف الذي قادته الولايات المتحدة خلال حرب الخليج وانضمت إلى مؤتمر السلام في مدريد في 1991، وهما إشارتان تلمحان إلى إمكانية انفتاحها للتعامل مع الولايات المتحدة مستقبلاً.

إن إيران حالة أكثر صعوبة. ولكن وبما أن تغير النظام في طهران ليس احتمالاً قريباً، فإن الضربات العسكرية ضد المواقع النووية في إيران تعد خطيرة، والردع فيها غير مؤكد، والدبلوماسية هي الخيار الأفضل المتاح أمام واشنطن. إن على حكومة الولايات المتحدة أن تفتتح بدون أي شروط مسبقة محادثات شاملة تخاطب برنامج إيران النووي ودعمها للإرهاب وللمليشيات الأجنبية. وينبغي أن يعرض على إيران مجموعة من الحوافز الاقتصادية والسياسية والأمنية. ويمكن أن يسمح لها بالحصول على برنامج إرشادي بدرجة كبيرة بخصوص تخصيب اليورانيوم فيما لو قبلت تفتيشات اقتحامية على درجة عالية. إن عرضاً كهذا سيحظى بتأييد دولي عال، شرط أول فيما لو أرادت الولايات المتحدة الحصول على الدعم لفرض عقوبات أو تصعيد الخيارات الأخرى فيما لو فشلت الدبلوماسية. إن وضع بنود عرض عام كهذا ستزيد من فرص نجاح الدبلوماسية، وعلى الشعب الإيراني أن يعلم الثمن الذي سيدفعه في مقابل تطرف السياسة الخارجية لحكومته. فمع اهتمام حكومة طهران برد الفعل العام المضاد، سيكون قبول عرض الولايات المتحدة أكثر احتمالية.

كما أن الدبلوماسية بحاجة إلى إنعاش في الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني، والذي مايزال القضية التي تعتبر أكبر مشكلة للرأي العام ولتطرفه في المنطقة. ولن يكون الهدف في هذه المرحلة جلب الأطراف إلى كامب ديفيد أو أي مكان آخر بل البدء بإنشاء الظروف التي يمكن للدبلوماسية أن تبدأ من جديد. وعلى الولايات المتحدة أن تفصل تلك المبادئ التي تعتقد أنها ينبغي أن تشكل عناصر تسوية نهائية، بما فيها إنشاء دولة فلسطينية ترتكز على حدود 1967. ينبغي أن يتم تعديل الحدود لحماية أمن إسرائيل ولكي تعكس التغييرات الديموغرافية، وسيتوجب تعويض الفلسطينيين من أي خسائر ناتجة عن التعديلات. وكلما كانت الخطة كريمة ومفصلة أكثر، كلما كان من الأصعب على حماس رفض التفاوض وتفضيل المواجهة. اتساقاً مع هذه المقاربة، فإن على المسؤولين في الولايات المتحدة الجلوس مع مسؤولي حماس، بقدر ما جلسوا مع قادة الـ(سين فين)، والذين قاد بعضهم الجيش الإيرلندي الجمهوري. إن تغيرات كهذه ينبغي أن ينظر إليها لا كمكافأة لتكتيكات الإرهابيين بل كأدوات مع احتمالية أن تؤدي إلى سلوك متفق مع سياسة الولايات المتحدة. وتتضمن الفرصة الثانية أن تعزل الولايات المتحدة نفسها قدر الإمكان عن عدم الاستقرار في المنطقة. وسيعني هذا أن تقوم الولايات المتحدة بتقييد استهلاك النفط واعتماد الولايات المتحدة على مصادر الطاقة في الشرق الأوسط (لنقل عن طريق زيادة الضرائب على النقل والتعويض بتخفيض الضرائب في مكان آخر.. وتشجيع السياسات التي ستعجل التعرف إلى مصادر بديلة للطاقة). إن على واشنطن كذلك القيام بخطوات إضافية لتقليل تعرضها للإرهاب، وذلك كالتعرض للمرض فالتعرض للمرض لا يمكن التخلص منه بشكل كامل، ولكن يمكن القيام، وينبغي أن يفعل، لتوفير حماية أفضل للأراضي الأمريكية، ولاستعداد أفضل لتلك الحالات الحتمية التي سينجح الإرهابيون فيها. إن تجنب هذه الأخطاء وإحراز هذه الفرص سيساعد، ولكن من المهم الاعتراف بعدم وجود حلول سريعة أو سهلة للمشاكل التي يفرضها العهد الجديد. فالشرق الأوسط سيبقى جزءاً مضطرباً ومثيراً للاضطراب في العالم لعقود آتية. إن كل هذا كاف للحنين مرة واحدة إلى الشرق الأوسط القديم.

                                            عن مركز الشرق العربي

 (الدراسة لم تتطرق إلى ما سيكون عليه وضع الكرد في هذا الشرق الأوسط الجديد،بالرغم من أنهم مفتاح السلام والحرب!فهل يعني تجاهلهم أن مشكلتهم ستبقى عالقة دون حل،لتكون تكأة للدول ذات المطامع في هذه المنطقة؟)

                                        إبراهيم درويش ـ مسؤول موقع syriakurds

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع وحدة العمل الوطني لكرد سورية Copyright © 2006
 | اتصل بنا | صفحة البداية | مواقع مختارة