|
كلمة جماعة الإخوان المسلمين في سورية
في الجلسة الافتتاحية للمؤتمر العام الثاني لجبهة
الخلاص الوطني
المنعقد في برلين
بتاريخ 16 أيلول 2007
16/09/2007
الحمد لله رب
العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث
رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه أجمعين..
أيها السيدات والسادة أعضاء
المؤتمر العام الثاني لجبهة الخلاص الوطني.. أيها
الضيوف الكرام..
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. وبعد:
فإنّ جبهة الخلاص
الوطني تتابع مسيرتها، على طريق تحقيق أهداف شعبنا
في استعادة حريته وكرامته.. في إطار التوافقية
الوطنية العامة، التي تقوم على تحقيق التغيير
الديمقراطي السلميّ المنشود، بالجهد الوطني
الخالص.
تمضي جبهة الخلاص
إلى أهدافها وسط مناخات دولية وإقليمية عاصفة،
تكاد تطغى على كثير من أبعاد المعاناة اليومية،
التي يعيشها أبناء شعبنا في ظل سياسات القهر
والتخويف والتجويع، وتجعل الكثيرين يتجاهلون هذه
المعاناة، أو يقفزون فوقها باستخفاف ولامبالاة.
لقد احتلت (جبهة
الخلاص الوطني) منذ أن أُعلن عنها، موقعاً مركزياً
في بنية المعارضة السورية، وأصبحت المحور الأساس
الذي يشار إليه بالبنان، بمجرد الحديث عن هذه
المعارضة. وهذا يلقي على كاهل الجبهة المزيد من
المسؤولية التاريخية والوطنية أمام الله وأمام
أبناء شعبنا المصابر. ومن هنا تأتي أهمية عقد
مؤتمرنا العام هذا، في هذه المرحلة الدقيقة، خطوةً
هامةً على طريق تقويم المسيرة، وتطوير الأداء.
أيها الإخوة
المشاركون.. أيها الضيوف الكرام..
لقد ارتبط مصير
سورية (الوطن - والإنسان) إلى حد كبير، بجهد
أبنائها وبانجازاتهم، وبقدرتهم على استيعاب الواقع
السياسي الداخلي والخارجي بكل أبعاده، واستثمار كل
ذلك في التخطيط لمشروع تغيير وطني، يجعل من سورية
دولةً مدنيةً حديثة، تقوم على مبدأ السواء الوطني،
دولةً مدنيةً حديثة، تبنى على دستور حديث، تصان
بموجبه حرية المواطن وكرامته، ويحترم فيه مبدأ فصل
السلطات، ويعبر عن إرادة المواطن الحر، عبر صندوق
اقتراع نزيه، دولة تنتفي فيها كل أشكال التمييز،
ويتحقق فيها العدل بأزهى صوره.
إن رؤيتنا في
جماعة الإخوان المسلمين لمشروع التغيير هذا تعتمد
على ثلاثة مرتكزات:
1 - المرتكز
الأول.. رؤيتنا التحالفية ودور المعارضة:
انطلاقاً من
ثابتنا الأساس أن يكون التغيير بالجهد الوطني، نرى
أن الدور الأول في مشروع التغيير، هو دور المواطن
السوري وقواه الحية.
ونؤمن بضرورة
تدعيم أطر التحالفات الوطنية في سورية، (جبهة
الخلاص الوطني) و(إعلان دمشق للتغيير الوطني
الديمقراطي)، و أيّ تحالف وطني آخر يقوم على الأسس
نفسها: (التغيير السلمي الديموقراطي ـ والتغيير
بالجهد الوطني الملتزم بالثوابت الوطنية).
وإننا نعتقد أنه
لكي تأخذ هذه التحالفات مداها، وتتجاوز خصوصياتها،
فإنه يُنتظَر من جميع الفرقاء والشخصيات المشاركة
في هذه التحالفات، أن تتمحور في مواقفها عند
التوافقية الوطنية العامة، القاسم المشترك الأعظم،
وأن تؤجّل إلى حين تحقيق الهدف المنشود (التغيير
الديمقراطي وبناء الدولة السورية المدنية الحديثة)
برامجها وتصوراتها الخاصة.
ونعتقد أن إثارة
الأجندات الخاصة، والمطالب الخاصة، في هذه المرحلة
المبكّرة من النضال الوطني، سيكون مدخلاً مباشراً
لإثارة الخلافات، وفرض المنازعات، سواء كان ذلك
على صعيد البرامج السياسية، أو الثقافية، أو
الاجتماعية. نعلم أن الكثير من أبناء شعبنا
يمارسون هذا الدور بتلقائية وعفوية، تحاول التعبير
عن الذات أو عن القناعات، ولكننا ندرك أيضاً من
خلال متابعتنا للساحة، أن هناك محاولاتٍ مريبة
لفتح معارك جانبية، لا يمكن السكوت عنها إذا فتحت،
وهي في الوقت نفسه تشكل نوعاً من التحويل أو
التعطيل للجهد الوطني، وباباً من أبواب الفتنة
والفرقة والفساد..
لا بدّ لنا لتعزيز
تحالفاتنا الوطنية وتعميقها، أن ندور جميعاً
وبتركيز شديد، حول الهدف الأول: (التغيير
الديمقراطي، وبناء الدولة المدنية الحديثة بكل ما
تتطلبه وتقتضيه).
كما نعتقد في هذا
الإطار أن قيام هذه التحالفات على بنية تشاركية
ديمقراطية، إنما يتجلّى في تنوّعها السياسي
والثقافي والإثني والديني والمذهبي.. وفي قدرتها
على تبنّي مشروعات عمل ناجزة، يظهر فيها الجهد
المشترك لجميع مكوّنات الجبهة قوى وأفراداً..
إن نجاحنا في
إنشاء التحالفات وتوسيعها وتعميقها، وتمسّكنا
بالتغيير السلمي الديموقراطي، ينبغي أن يكون
رسالةً واضحةً إلى كلّ الذين يضعون شعبنا أمامَ
الخيارين السيئين الفوضى والحرب الأهلية على
الطريقة العراقية، أو نظام الاستبداد والفساد.
ولعلّ مؤتمرنا
العام هذا، بما يضمّ من قوىً وطنية، تمثل جميع
شرائح المجتمع السوري، يعتبرُ أنموذجاً لما ينبغي
أن تكون عليه الحالة الوطنية، في سعيها إلى بناء
سورية موحدةً لجميع أبنائها، ينتفي فيها الإلغاء
والإقصاء والاستعلاء.. كما ينتفي فيها الظلم
والاستئثار والإفقار والتجويع..
2 - والمرتكز
الثاني لرؤيتنا لمشروع التغيير: سورية.. الوطن
والإنسان
سورية الوطن، الذي
يُنتقَصُ من أطرافه، جولانٌ محتل، وقرارٌ مرتهن،
ومحاولاتٌ محمومةٌ لتغيير الخارطة الديموغرافية،
وارتماءٌ في براثن مخطّطٍ لئيم حاقد، يمتدّ
سياسياً وثقافياً واقتصادياً.. إلى جانب ارتهان
مقدّرات الوطن وثرواته، بأيدي مجموعةٍ من الفاسدين
الذين جعلوا معادلة (السلطة والثروة) دائرةً
مغلقةً يُفضي بعضها إلى بعض، ويعزّزُ بعضها بعضاً.
وسورية الإنسان،
بكل معاناته وهمومه، بدءاً من أولئك الأبرار
المفقودين في السجون، وأولئك الأحرار القابعين خلف
القضبان، وهؤلاء المشرّدين الذين يملئون بقاعَ
الأرض بحثاً عن وطن فيه كرامة، أو بحثاً عن لقمة
خبز تقيهم شرّ العوَز، وانتهاءً بكلّ مواطنٍ سوريّ
يعيش المعاناة، معاناة القهر والذلّ والخوف، وهدر
الجهد وسرقة الثروات..
إن جهدنا ينبغي أن
يتركز حول هذه المعاناة بكل أبعادها، تفهّماً
عملياً يقوم أولاً على المعرفة العلمية الموضوعية،
التي تضعُ كلّ مشكلة من مشكلات وطننا وشعبنا في
إطارها الموضوعيّ، وسياقها السياسيّ أو الاجتماعيّ
أو الاقتصاديّ، ثم في تقديم الحلول العملية
الصادرة عن رؤيةٍ واضحةٍ متمكنة.
إننا لكي نعزز ثقة
شعبنا بنا، وبرؤيتنا، وبإرادتنا، ينبغي أن ننتقل
في خطابنا معه من العناوين إلى المضامين، المضامين
البرامجية الدقيقة، التي تؤكّد أننا نتحرك به -
بإذن الله - إلى الذي هو أفضل وأرشد.
إن حديث الرشد لا
تخفى ملامحه، وهو الذي يجعل تحالفاتنا تتقدم في
مكانتها يوماً بعد يوم، وهو الذي يمكنها من فرض
نفسها بديلاً قادراً على أخذ أسباب التغيير،
بالقوة التي يقتضيها المقام.
3 - ومرتكزنا
الثالث في طريقنا إلى التغيير المنشود.. موقفنا من
القضايا الدولية والإقليمية:
إنّ رؤيتنا
وموقفنا من القضايا الدولية والإقليمية، هذه
الرؤية التي يكثر عندها الجدل، وتتناثر حولها سهام
الأعداء والخصوم.. إنّ هذه الرؤية تنبع من ثوابت
حضارتنا، ومصالح أمتنا وشعبنا، وتنسجم مع إرادتنا
في بناء وطن حرّ عزيز، يكون واحةً للحرية والأمن
والاستقرار. وتستعيد سورية من خلال هذه الرؤية،
مكانتَها شريكاً (عربياً وإسلامياً) وشريكاً
دولياً في بناء الحضارة الإنسانية.
ننظر إلى سورية
دائماً قوةً داعمةً للاستقرار والسلم الأهليّ، في
سورية وفي المنطقة أجمع. ونتمسّك بحقوقنا الوطنية
الثابتة، التي أقرتها الشرائع والمواثيق الدولية،
وننأى بأنفسنا عن جميع المحاور التي تريد أن تذهب
بوطننا يميناً أو شمالاً، ليكون لنا موقفنا
الوطنيّ المتميز، الساعي دائماً إلى البناء
والنماء.
هذه مرتكزات
رؤيتنا لمشروع التغيير المنشود، أردناها علاماتٍ
على طريق الحركة الراشدة، لتحقيق أهداف شعبنا في
الحياة العزيزة الكريمة. والسلام عليكم ورحمة
الله وبركاته
برلين في 16 أيلول
(سبتمبر) 2007
علي صدر الدين البيانوني
المراقب
العام لجماعة الإخوان المسلمين في سورية |