صفحة البداية | من نحن |  اتصل بنا | مواقع مختارة 

 
حقوق الإنسان

دراسات

مقالات

من أعلام الكرد

من اللغة الكردية

من الأدب الكردي

جغرافيات

من المكتبة الكردية

تقارير إخبارية

صوتيات


 

 
 
 
 
 
  
 

الشعرية الكوردية المعاصرة..

قراءات المجال، إغواءات الحداثة

   علي حسن الفواز

البحث في  حداثة الخطاب الشعري الكوردي، يحمل معه ضرورات البحث عن فضاءات ثقافية عميقة تسهم في تكوين عناصر هذه الحداثة ومستوياتها ،  باعتبار أن الحداثة  هي وعي الضرورات أولاً، والسعي الدائب لصناعة ممهدات باثة تمنح النص قوة الجسد في الحياة والتجدد واللذة... وهذا ما يجعل مقاربة النصوص الشعرية الجديدة في المنجز الشعري الكوردي تمثلاً لوعي إشكالي، يبدأ من التعرف أساساً على  جوهر المكونات الشعرية للتاريخ الكوردي الحافل بروح الإنسان وقوته وإسحاره وطقوسه، وهو يؤنسن هذه القوة في إطارها كموقف مشروع للحرية والوجود....

المكان في الشعرية الكوردية هو البطل الأثير، والفضاء الأكثر تمثلاً  للحيوات الفاعلة والمعبرة، إذ هو  يمثل الصيرورة العالية والحاضن الوجودي والمثيولوجي لفكرة القوة!! فهو باعثها وهو مثيرها وهو صورتها المرآوية التي تجسد المعنى والثيمة المخيالية لها عبر علامات هذه القوة وصورها، وعبر تجسيداتها في الأساطير الشعبية، مثلما يمثل جوهر الروح التي تمد جذورها في الطبيعة باعتبار أن طبيعة كوردستان هي محيط  وأفكار ومشاعر، وهذا ماجعل أغلب الشعر الكوردي الكلاسيكي يجد تمظهراته عبر عوالم هذه الطبيعة ودلالاتها ومعانيها، بدءاً من الأشعار القديمة للشعراء أحمد حمدي، صاحب قران،  والحاج قادر كويي، والشاعر الرائد أحمدي خاني، ونالي، وزيوَر، وأحمد مختار جاف، وصولاً إلى التجارب المهمة لمولوي، وبيره ميرد، وفائق بيكه س، وعبد الله كوران، وشعراء آخرين أمثال عثمان صبري ومحمد صالح ديلان وعلي شونم وعبد الرزاق بيمار وجمال شاربازيري وحسي قره داغي ولطيف هلمت، وعبد الله عباس وصلاح شوان  وغيرهم ...

لقد حفلت هذه التجارب المهمة بانحيازات واضحة للشعر الطبيعي، الذي يجد في الطبيعة خصائص وملاذات وقيماً وأفكاراً، مثلما وجد في الشعر الأخلاقي نمطاً جاذباً لربط الإنسان بالقيم والجمال والحب والتصوف، وقد كان لتأثيرات الروح الشرقية وعوالمها الساحرة والأثر العرفاني في التصوف والحلول والوصف التأثير الكبير على وسم القصيدة الكوردية بتوشيحات ومعان ظلت شائعة معها إلى حد بروز التجربة الثورية المهمة للشاعر عبدالله كوران، الذي انطلق بروحه التحررية إلى آفاق أكثر سعة وأكثر تعبيراً عن قوة الروح القومية، وتوصيفاتها التي امتزجت فيها الطبيعة الملحمية والصورية مع قوة الإنسان:

نبع صاف أمام لألأة القمر

يهتز في قعرها  اللؤلؤ والحصى والتراب

هو أجمل عندي  من بحر دون ضفاف،

تأتي  وتروح أمواجه في مربض الشمس...

إن ما يميز تجربة عبد الله كوران هو اندفاعاتها الحماسية ذات التجديد، عبر تمثّل قيم التحول الاجتماعي والسياسي والثقافي الحادثة في الشعر العالمي وفي حركة التحرر العالمية، فضلاً عن التحولات الفنية والأسلوبية في الثقافات المجاورة. ولاشك أن كوران عندما يتحدث (عن موضوع التجديد في الشعر الكوردي ـ فهو يتحدث عن تأثير شعراء "الفجر الآتي" الترك على الشعراء الكورد، وبخاصة على كوران نفسه وعلى نوري الشيخ صالح (1896ـ 1958 ) نتيجة ظروف تركيا الذاتية، وتعالي الأصوات التحررية، انعكاساً للثورة الفرنسية والتيار الرومانتيكي الشعري في أوربا بالتوجه إلى الأفكار الحديثة دفعهم للعودة من حيث الشكل إلى أوزان الشعر الفولكلوري التركي، والبحث عن المفردات التركية الأصيلة، لتحل محل المفردات العربية التي كثرت وطالت إعادتها)(1).

إن التحولات الشعرية الحادثة بعد تجارب الرواد وتجاوزها للثيمات التقليدية التي حفلت بها قصائد الطبيعة، انطلقت من عمق ما تركته الروح الكوردستانية من آثار طاعنة  في المكان واللغة والأساطير الشعبية، فإذا كان عبدالله كوران قد مهّد لشيوع قصائد الرومانس التي تتغنى بالطبيعة والإنسان وقوته الداخلية التي تنشد الحرية والسلام والحب، فإن شيركو بيكه س قد استعاد قوة الطبيعة ليجعلها فضاءه الواسع في إعادة تشكيل رؤاه، وفق تحويلات رمزية وملحمية أكثر إدهاشاً، تمثلت في إيجاد مقابلات تتراكب فيها الحواضن الأسطورية مع اللحظات الواقعة الموغلة في تلوينات الطبيعة... إن شيركو بيكه س شاعر استعادات  بامتياز، يستعيد  روح المكان وقوته، يؤطره  ببنيات تصويرية لها مذاقها اللوني الفاقع:

من السماء تنزل ثلوج خضراء

كما نرى

والرياح بألوان زرقاء أرجوانية.

وهذا ما يجعل الدالة اللونية حاملاً لمعان متعددة، وناقلاً لإيقاعات نفسية وشعورية ورموز تستعير من الطبيعة الكوردستنانية شراهتها في الحياة، لكنه بالمقابل، يجعل هذا النظام الدلالي يقوم على جوهر استعادي، تتحول فيه الصورة إلى بنية مفتوحة وباعثة لمعان أكثر توهّجاً، فإذا كانت الطبيعة الكوردستانية كما هي صورها المعروفة، فإنها تكتسب في شعرية شيركو بيكه س بعداً تصويرياً وبعداً درامياً ينطلق من ربط هذه الطبيعة بالإنسان وجعلها صورته المتحركة، فالانشداد نحو الحرية هو انشداد إنساني، وتمرد الطبيعة هو تمرد إنساني، وسواد الطبيعة هو سواد الحالة الإنسانية بمواجهة عوامل القهر والانسحاق.. وفي قصائده الجبلية تبدو هذه الملامح والتراكيب البنائية ـ الصورية واضحة للعيان، لأنها تنطلق من وعي الشاعر لتجربته وتأثره بأغلب التطورات الشعرية العالمية والإقليمية:

الليل أبيض،والثلوج تشعل

رؤوس الأطفال شيباً

كرأس جَدّي

حارتنا بيضاء.. كل الأشياء بيضاء

لكن ثوب أمي

آه ... هو الوحيد أسود

إن هذا التلوين المتضادّ عند شيركو بيكه س يكشف عن وعي مفارق يدرك قوته عبر إعادة إنتاج (تركيب) النص الطبيعي وضخّه بروح جديدة، تجعل من هذا النص بنية مكثفة، لكنها مفتوحة، تتراكب فيها الرموز والدلالات، الواقع يفقد مباشرته رغم حضوره, إذ هو يتحول إلى واقع رؤيوي، كما في  مطولته الشعرية "أنشودتان جبليتان"، والتي يقول عنها صباح الأنباري: إنها تشتغل أدائياً على ملحمية  الشخصية الرئيسية... على تأثيرها العام وجدانياً، وعلى تأثيرها الخاص شعرياً، وعلى قوة تحويلها أو أسطرتها  كرمز بشري  وإنساني عام .. المدهش في مطولات شيركو بيكس أنها وبالقوة نفسها تؤسطر المكان ـ الجبل، وتحوله إلى كائن يتساوى مع الشخصية الرئيسية  في القوة والتأثير(2).

إن شيركو بيكه س في هذا السياق وهذا التجاوز يعدّ نقلة زمنية وشعرية بين مرحلتين شعريتين مهمتين في الشعرية الكوردية، ويمثل ذروة تحولات هذه الشعرية باتجاه إعطاء  الخصائص الفنية والبنائية ميزات تؤنسن فعل الطبيعة وتمنحه جرعات عالية من التجريد الفني (فعل الألون والموجودات والأشكال)، أي أن القصيدة تتمثل لبناء أكثر توافراً على الاستعارات والدلالات والانتقالات التي تجعل فعل الطبيعة متحركاً وحياً وقابلاً للحلول على شكل طقوس أو موجودات  أو علامات، والذي وجد في  قصيدته  المثيرة (الكرسي) التي قرأتها بترجمة الناقد شاهو سعيد ، والتي حافظ فيها على شكل الكتابة الإشكالية التي تثير أسئلتها الوجودية والفلسفية، لأنها تنطلق من محور تفكيك العلاقات التقليدية في النص الطبيعي مقابل اصطناع نص لغوي آخر، لكنه أكثر  تجريداً وأكثر سيولةً  وأكثر تعبيراً عن قوة الإنسان وروحه  وتاريخه إذ (يماثل الشاعر هنا بين فكرة الكرسي، وماهيته الاستتيكية، كما يولدها الإنسان الفنان في ذهنه.. وبين الكرسي كشيء جامد، يشغل مكاناً أو فراغاً في الطبيعة، ويماثل في الوقت ذاته بين جمال الطبيعة كما هي دون أن يمسها الإنسان، والجمال الفني كما يخلقه الإنسان ـ الفنان، محاكياً عالم الجمال المثالي الخاص به)(3).

إننا أمام شعرية  شيركو بيكه س ندرك حقيقة التحول العميق في إرهاصات  الشعرية الكوردية الجديدة التي سنجد لها مجالاً قرائية للكشف عن حقيقة المشروع التحديثي في هذه الشعرية التي وجدت لها استغراقات جمالية، اتسعت في ضوئها حرفنة الاتجاهات الفنية الجديدة، وخصوصية تجربتها المعبرة عن روح الثقافة الكوردية الحية في المكان الإشكالي الخاضع منذ آلاف السنين لمهيمنات وقوى ضاغطة، جعلت من خصوصيات الشعرية ذائبة أو مختلطة مع (شعريات) ما يسمى بالكتابة المشرقية..

إن أبرز ما يميز الأجيال الجديدة أنها تكتب القصيدة المتحررة من رهابيات المكان، إذ هي الآن تستعيده كفكرة ورؤيا ونسق جمالي، مثلما تكون القصيدة هي  المجال الحيوي للتجريب في إطار الثقافة الكوردية،  فضلاً عن أن هذه القصيدة قد تخلّصت من طابعها الملحمي المعقد، طابع الكتابة التعويضية إلى نمط الكتابة السهلة، أو ما يمكن تسميته بالنص المفتوح الذي يضع نفسه أمام مجالات متعددة من التلاقحات والتلاوين التي تذهب بالشعرية بعيداً...

يكتب الشاعر جوهر كرمانج  قصيدته "الملتقى السرابي" تحت إيقاع نزعة توهمية تأخذه بعيداً إلى تقابلات متضادة، وهذه التقابلات تكشف عن مزاج شعري يميل إلى اللعب والإغواء والسحر.. الشاعر يضع قصيدته تحت هذا النزوع وكأنه يستعيد من خلالها نزعة مضادة لخلاصه الشخصي:

في تلك الأمسية الملعونة

كمجنون وإلى الأبد

وضعت قلبي على كفيك

وأنت مثل شيخ، وللحظة

جعلت رأسك

ملاذاً لقلبي

لا أتذكر، لا أعلم

كيف أن..

منذ اللحظة تلك

صارت يدي اليسرى

عدوة لدودة لليمنى.

إن الكتابة في الشعرية الشخصانية، هو مايميز الكثير من الكتابات الشعرية الجديدة، وصولاً أحياناً إلى اجتراح طقوس تسخر من الملاحم القديمة وتضع مشغلها الشعري أمام اصطناع هذه الملاحم،أي أن الشاعر يضع نصه المرآوي/الشخصاني أمام لعبة كثيفة من السيولة اللغوية والصورية، وكأنه يحمّل هذه الكتابة نزعته الشخصية في المراودة والتنصت، وتحريك مكوناتها بنوع الالتباس، وهذا ما يجسده الشاعر دلشاد عبد الله في قصيدته (الشطرنج)، إذ تتحول رقعة الشطرنج إلى نسيج لحياة ضاجّة تبدأ بنزعة شكوكية نافية للثبات في اللون والمكان، وهذه النزعة تؤشر وعي الشاعر، في أنه خاضع للعبث والتغاير، و أنه يموت تلقائياً مثل الجندي والفيل والملك!!!

لاتنخدعْ بالمربعات البيضاء

لا أحد يبقى في الأبيض إلى الأبد

ولا أحد ينحسر إلى الأبد في المربعات القطرانية،

الليل يمضي، النهار يأتي بعده

وكذلك الفصول

أحد يقفز داخل البقع البيضاء والسوداء

على جثة العسكر والوزير

على مربعات ممتلئة وخيالية...

ومما لاشك فيه أن الكثير من قصائد الشعرية الكوردية وجدت نفسها أمام فضاء من الثقافات الحاشدة بالرموز والمخيلات والأساطير، وأن الشاعر الكوردي لم يعد أسير طبيعته الساحرة والمغلقة،إذ هو نحى باتجاه سعة استعارية وتوظيفية، جعل من مزاجه الرومانسي وشفيف روحه القديم  يصطنع له استخدامات توظف الأسطورة التراجيدية لصالح نوع من التراجيديا الشخصية..

عندما حمل سيزيف

الصخرة على كاهله

لو كان يذرف مع كل خطوة

دمعة واحدة

لكانت الآن  تتفتح على كل صخرة وردة!

عالم على مدى مِترَين

وعرض مِتر

وسماء أخرى زرقاء باهتة

وأنا ممدد فيها بقدر قامتي

أتحول إلى هيدرا

وأنتظر هرقلَ  كي ينحرني..

إن الشاعر الكوردي يحاول أن يؤسس لغته ومشروعه وأن يتلمس أساطيره، ليجس سكونها القديم، وزمنها العالق برغبة الإنسان في بحثه القديم عن الخلود، الشاعر في هذه الكتابة يضع نفسه أمام تفكيك قصدي للذاكرة، تفكيك الطبيعة عبر استعادتها وتمثلها، وتفكيك الزمن عبر إعادة إنتاج الأساطير والحكايات بنوع من التلبس الشخصي، وتفكيك اللغة عبر اصطناع وظائفية مفتوحة للجملة والصورة، تجعل من الشاعر بمثابة صانع استثنائي للغة والذاكرة.. وإزاء هذا، يبدو الشاعر طارداً لفكرة المكان القصدي المنسوج من الطبيعة والماثل قديماً في أغلب الكتابات التي جعلت من هذا المكان هو البطل  لصيانته أولاً، والاحتفاظ به حياًً وطازجاً، كونه الذاكرة الحافظة، وكونه الحصن الحامي من الغياب، والشاعر هنا يمارس لعبة موغلة في إيهاميتها للبحث عن جوهر القوة والخصب، فضلاً عن البحث عن حيوات ثانوية نامية، وأحياناً مهمشة  لها أدوار صياغية  وتعويضية فاعلة  في دعم فكرة الجوهر / المتن /الأصل..

وفي قصائد الشاعر ئاوات حسن أمين، تتحول دالة الطبيعة (الأشجار- الماء- وردة البيبون ـ الحمام) إلى مجالات توصيفية لقوة الأثر لفعل الذات وتأثيرها في اصطناع طبيعة متمردة ثورية صاخبة، ربما هي طبيعة الشاعر في نوبة انتماء وفي نوبة حوار.. إذ يجد الشاعر نفسه فاعلاً ، حاضراً، عاشقاً لايهرب من موعد اللقاء. وأعتقد أن طبيعة الشاعر المصنوعة هنا تمثل شكلاً من أشكال الرؤيا الفاعلة التي تجعله بمواجهة أسئلته القديمة، فضلاً عن أن هذه الرؤيا تمنح الشاعر القدرة على الخروج من محابس الطبيعة القديمة المؤطرة بالوصف أولاً، والمحكية عبر ملاحم وأساطير لاشأن لها سوى الانتصار للمقدس!!!

في قصيدة (سفر مع وردة البيبيون) يواصل الشاعر ئاوات حسن أمين لعبته في صنع رؤياه الخالصة، تلك التي يبصر فيها عوالمه الخارجية وهي تفقد  خلاصها المثيولوجي باتجاه البحث عن خلاصات إنسانية، يبتكر الشاعر لها مجالات وأفكاراً وقوة سرية تملك مجسّاتها في تلمّس ما هو خفيّ..

الشاعر يتحسس من الخارج لأنه يعني الآخرين، الذين يقول عنهم الوجوديون إن الآخرين هم الجحيم  دائماً، لذا هم من وجهة نظر الشاعر (مهووسون في مخيلاتهم الثملة ) حيث (يبتغون إحراق الأشجار المثمرة كي تحضر في مكانها الحرباء).

والقصيدة هنا تقابل قوة الشاعر في الإفصاح عن رؤياه الشاملة التي يلتقي فيها الشاعر مع وطنه وأنثاه وورقته التي تمنحه بياضها، تلك التي تحمله أيضاً على الحب والمنح والاحتواء، إنه  يتمثل إغواءها بنوع من الاندفاع بحثاً عن بياضه الخالص الذي يتوهج ويتسع كلما اتسعت الرؤيا وكلما اتسعت لعبة المنع ..

أحب الورقة

لأنها تمنحني بياضها

لكي أسكب عليها أحزاني.

أحب الوردة تلك

لأنها وبدون خجل

منحتني عطرها

وأنا بكل وقار قمت بتقبيلها

أحسدك يا وطني

كم سَموح أنت

وأنت بتعقل

تمنح قدرة الطيران للفراشة

حتى في لحظات الجحيم....

وفي قصيدة (الهبوط بجناحي التمنيات) نجد فعل الرؤيا أكثر استشرافاً  لكينونة الزمن، فهو يفقده شراهته وذاكرته ويمنحه ضياعاً فلسفياً حين يصير اغتراباً، لا أعرف لماذا تذكرت عبارة بيتر أوتول في فيلم (حرب مارفي) حين انتهت الحرب العالمية الثانية " لقد انتهت حربُهم ولم تنته حربي"!!

إن أمنيات الشاعر التساؤلية (أين تذهب؟) بعد أن انتهت حربهم تعني شيخوخة الشاعر وشيخوخة الحرب، إذ تبدو الحرب مقابل الطبيعة، فهي صانعة الموت وصانعة الأسلحة وصانعة (أصوات الإذاعات). والطبيعة تعني أيضاً شيخوخة الشاعر الذي أفقدته الحرب شراهة موائدها وفوضاها وتركته وحيداً، لايملك إلاّ أن يستعيد فروسيته  وطبيعته المتوحشة!!

إن جرأة الشاعر في قراءة خطاب الحرب تمنحنا إحساساً بأن الشعرية الكوردية قد تجاوزت تماماً الذاكرة الدامية للحرب!! وأنها تكتب نص الحياة!!تصنع طبيعة مضادة، وتصنع اغتراباً هو اغتراب الإنسان الفلسفي في زمن الإشكالي وليس في زمن الطبيعي المأزوم بصراعي الحرب والوجود..

أين تذهب؟

يبدو أن الحرب قد شاخت

وطالت قامة الشجر

وخلت الشوارع من المسلحين

والعشاق هادئون

وسكتت أصوات الإذاعات

الموحشة

بعد الآن

لن تسرق أحذية القتلى

أبصر

إن الشبابيك ليست مفتوحة

وأرى الأرامل

يخدشن أجسامهن المبتلة

بقامة المرايا...

إن انعاطفة الشعرية الكوردية وتحولها باتجاه الكتابة الثانية للطبيعة تعكس قدرة هذه الشعرية على النماء والتواصل وامتلاك قوة الفعل الذي يجعلها جزءاً حياً في البنيات اللغوية التي تخلصت من تناصّاتها القديمة ، وحتى داخل أطر المهيمنات التقليدية للكتابة الأولى للطبيعة، فضلاً عن الهوس التقليدي بكتابة الملاحم الرومانسية باعتبارها كتابة حافظة للنوع والمكان، ومعبرة عن توهجات الروح الكردية المحبوسة في المكان /السلطة/التقاليد، والمكان الطبيعة.... والمتوهجة في صناعة النشيد باعتباره كتابة في النداء وفي استحضار المكان النفسي والشعوري، وفي استحضار المحبوب ذاته..

والشاعرة كزال إبراهيم خدر في  قصيدتها (شذرات العشق) تكشف عن توهجات الأنثى التي تفصح عن عشقها وحريتها وتمردها ورغبتها في أن تنبعث في نوبة حبها واعترافها، لأنها تدرك أن فعل اختيار الحرية هو الأكثر تعبيراً عن كينونتها كأنثى خرجت من معطف الطبيعة القديم والشاحب إلى فضاء أكثر اتساعاً..

عندما عرفتك

كنت تلاًّ وأصبحت جبلاً

كنت عيناً وأصبحتُ بحراً

كنت ليلة دامغة الظلام

أصبحت غسق الصباح

كنت طائراً في القفص

رجعت إلى أغصان الأشجار

لأغرد بجمال الأغاني...

إن اختيار هذه القصائد  للحديث عن ملامح  التحولات التجديدية في الشعرية الكوردية لايعني حصرها في إطار محدد ولتجارب ومغامرات بعينها، فالمشهد الشعري الكوردي محتشد بقوة بكل تجليات المغامرة الشعرية التي أطلق أوارها الرواد المجددون، وحملتها أجيال انفتحت مواسم شعريتها الدافقة مع فضاءات الحرية التي منحت هذه الشعرية جماليتها الأخّاذة في تلوين الطبيعة القديمة بعطايا الروح المباركة، وإخراجها من كمون المعنى إلى فصاحة التعبير، ومن لغة الوصف الجامدة إلى حيوية التشكيل الذي أعطاها سيولة ورقة في أن تكون طبيعة خارج لعبة الوصف وداخلها في  صيرورة  التحول...

1ـ د. عز الدين مصطفى رسول، حول الشعر الكوردي الحديث، مجلة كلاويز ..الملحق الأدبي   العدد 1  آب 2000

2 ـ صباح الأنباري، كوردستانية الشعر في مطولات شيركو بيكس، سردم العربي/ العدد  10/  خريف  2005م.

3 ـ شاهو سعيد، قصة الكرسي المتماهي مع الإنسان، قراءة في  نص الكرسي، سردم العربي /12 / ربيع 2006م. 

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع وحدة العمل الوطني لكرد سورية Copyright © 2006
 | اتصل بنا | صفحة البداية | مواقع مختارة