|
الملاحم والأساطير
الكوردية
( الأجزاء 1ـ 5 )
كارزان خانقيني
المقدمة :
العودة إلى الماضي لا تعني حتمية التركيز على ما
مضى, لكنها تؤكد الترابط الايديولوجي الحتمي ما
بين الماضي والحاضر، على أساس النظر إلى الإبداع
الحضاري على أنه أساس لحضارة الحاضر, لا بل وتكملة
لما جرى , بواقعية جديدة , بعيدة عن الفنتازيا
المملة, ولإثبات أن الماضي ليس بأشياء خيالية,
يحتم على الإنسان نسيانها وعدم ذكرها,, بل إن ذكر
الماضي بكل معانيه , وآلامه , له أثر عظيم بل
وجدّي , لاقتباس معاني الآلام والأفراح
والتراجيديا التي حدثت, مما يؤدي إلى تطور في
موضوعات إبداع الإنسان من خلال الماضي وارتباطه
بحقائق ووقائع حدثت , واستقاء الدروس والعبر منها,
في تطور الفكر الإبداعي للإنسان المتحضر في يومنا
هذا ,
إذن , الملاحم والأساطير والبطولات التي
حدثت عبر القرون , والتي تحدثت عن تلك الوقائع ,
هي جزء لا ينفصم من تاريخ واقعي قد مر حقيقة
بحياة الشعوب المعنية التي تبحث في مواضيع مهمة
كهذه.
إن الملاحم والأساطير هي أرقى الإبداعات
الفنية لقياس درجة الإبداع الحضاري لتلك الأمة.
للأمم على مرّ التاريخ, حضارات عرفت عن
طريق المقاييس التي أوردناها, على سبيل المثال,
الحضارة الإغريقية وملاحمها المعروفة, حضارة وادي
الرافدين, والحضارات الفرعونية ,لكن هناك أيضا
حضارات بقيت في طي الكتمان لأسباب وضحت معالمها في
العصر الحديث, ولئن تعددت أسباب بقاء تلك الحضارات
في طي الكتمان , إلا إن بعض تلك الأسباب واضحة
وظاهرة, منها على سبيل المثال: الإهمال , والضغوط
والمشكلات التي تعرضت لها تلك الأمم من غزوات
وإرهاب وجينوسايد على مرّ التاريخ .
إن من حاولوا طمس حقائق بعض الشعوب , وإن
كان لتلك الشعوب بصمات واضحة ومهمة في تاريخ
ومستوى حضارة البشرية إلى يومنا هذا , حاولوا من
خلالها, إضفاء لمسات على تواريخهم الضعيفة المقدرة
, الضعيفة العطاء , والتي لم تستطع تقديم أي شي
يذكر على مرّ التاريخ عدا بعض اللقى الأثرية, التي
وإن كانت تثبت وجود تلك الشعوب إلا أنها لا توازي
ما قدمه الآخرون من تضحيات وبطولات تعادل بل ولها
الغلبة دائماً، إن كانت عبر القرون , أو ما أعطته
للحضارات الحالية , والتقدم البشري , من تكنولوجيا
فائقة القدرة على المضي بالبشرية قدماً نحو
الأفضل.
ولو أخذنا أمثلة حية على الشعوب التي طمست
آثاره وحضارته, وما قدمته خلال فترة حضورها على
الأرض,, لوجدنا أن الشعب الكاردوخي , لا يقلّ عمّا
قدمته الشعوب الأخرى, والتي ذاع صيتها نتيجة
لتزوير لمحات من التاريخ غير المكتوب , مما دفعنا
إلى الاعتقاد بكل هذا , هو ما لقيته البعثات
الآثارية الأجنبية,, ونخص منهم العالمين ( فنكلر )
و(هرتزوني) التشيكيين, من آثار تثبت وبدليل قاطع ,
أن من أقدم القرى الحضارية في الأرض , تعود
ملكيتها إلى الشعب الكردي , (تل جرمو) * مثالا.
لانريد الخوض هنا في هذا الجزء عما جاءت في
تلك التنقيبات , إلا أننا سوف نفصل شرحاً وافياً
عن تلك المكتشفات, التي تحاول جهات طارئة على
كردستان نسبتها إلى نفسها , مع العلم أن تاريخ
وجود تلك الجهات تعد سويعات قليلة, مقارنة بوجود
شعب مثل الكورد على هذه الأرض.
لعمري إن ما جاء في تاريخ بعض الأقوام ,
والتي دعوها مصادر لجميع الحضارات , لو قورنت بما
قدمه الشعب الكوردي , لأصبحنا أمام كمّ من التزوير
الذي تعرض له الكورد.. فإن حسبنا أن ما جاءت من
ملاحم وقصص أسطورية أصبحت تاريخاً لتلك الأقوام،
يستشهدون بها، متشدقين بأنها قد أسست حضارات
العالم, لرأيناها تتهاوى أمام حقائق ( وليست
أساطير) تثبت أحقية هذا الشعب أن يذكر كمصدر لتلك
الحضارات.
حقيقة , إن ملحمة كلكامش لم تكن سوى أسطورة,
والإلياذة والأوديسة, وإن عُدّت من روائعهم , إلا
أنهم يعترفون بأنها ليست سوى أساطير, حالها حال (
رستم ) الفارسي, و (الأمير أرسلان الرومي) وحتى من
قصص الحب,وأساطيرها, إذ جاءت جميعها كقصص خيالية
وملاحم نسجت من وحي خيال من رتبوها ونظموها, عكس
ما جاءت في تاريخ الكورد, التي تثبت وبأدلة قاطعة
, وقائع وحقائق تلك الملاحم والقصص, وأحقيتها بأن
تسبق الوصف لدى الآخرين , فقصص وتراجيديا ( شيرين
وفرهاد) ليست من وحي الخيال , وهي ليست أسطورة,
وإن وضعت في خانة الأساطير عبر ما كتبه المؤرخون.
إلا أنها وبالفعل حدثت على أرض الواقع,, وآثارها
شاخصة لمن يريد الاطلاع عليها في منطقة ( بيستون)
بكرمانشاه عاصمة كوردستان الشرقية, , وهي عبارة عن
آثار كان فرهاد النحات قد حفرها ذكرى لحبيبته
شيرين, وأيضا قصة ( مه م وزين) و( ديوانه وشه م)
, إذن كل ذلك الكم الهائل ليست بأساطير بل وقائع
حدثت, مما يعطينا القناعة التامة أن الذي حدث هو
إثبات تاريخ وإبداع شعب كان ولا يزال موجوداً على
أرض الواقع .
نماذج ومقارنات بين حقائق ووقائع ملحمية
وأسطورية عبر التاريخ
الأسطورة (Myth)
-------------------
حقا إن للأسطورة فضلاً كبيراً على بيان تاريخ
الأمم, وإن كانت تسمى ( أسطورة ) أي أنها من واقع
الخيال,, فما بالك إن كانت الأساطير تلك حقائق
واقعة ؟
تؤكد جميع القواميس كما يقول الدكتور
عبدالمطلب السنيد* في كتابه (ملاحم كلكامش
والإلياذة والأوديسة)* أن كلمة ((
Myth
))وتعني أسطورة على أنها قصة خيالية قدمت لنا
أشكالا من الكائنات الخارقة والنواميس والآلهة
والأبطال . فيها من الخوف والرعب والاطمئنان التي
استندت إلى عقيدة وتصورات تكون قد استندت إلى
التقاليد والعادات المتوارثة وبعض الحقائق التي
تقدم وظائف الإنسان البدائي في التفكير، وأن شيئا
أكبر منه يسيّره , وعليه أن يقدم له الطاعة
والتقديس عن طريق سرد حكايات البدايات الأولى
للخلق والعالم والحياة والموت .
إذن هي من وحي الخيال , على الرغم من أنها تتحدث
عن أشياء خيالية بعيدة كل البعد عن الواقع , فإذا
كانت هكذا , فلماذا إذن تعتمد كتاريخ وتربط بواقع
تلك الأمم، وتجعل منهم وكأنهم هم الوحيدين على
الأرض من الحياة وكل شيء,؟ وكأنه ليس هناك من
يستحق أن يذكر بطولاته وإن كان واقعاً وليس خيالاً
إلا أولئك؟!!
هذه الأسئلة ترد في كل ذهن , من المنتمين إلى
أقوام شاركت بحقائق في تطور التاريخ البشري ,
وليست من خلال أساطير أثبتت الوقائع أنها من نسج
الخيال؟ فأيهما أصدق ؟ هم أم هؤلاء؟
هذا ما نجده في قول العلامة جبور عبدالنور في
كتابه (( المعجم الأدبي)) إن الأسطورة
( سرد قصصي مشوه للأحداث التاريخية تعمد إليه
المخيلة الشعبية, فتبتدع الحكايات الدينية,
القومية , الفلسفية, لتثير انتباه الجمهور ,
والأسطورة تعتمد عادة تقاليد العامة وأحاديثهم
وحكاياتهم , فتتخذ منها عنصراً أولياً ينمو مع
الزمن بإضافات جديدة , حسب الرواة والبلدان ,
فتصبح غنية بالأخيلة’ والأحداث والعقد, وقد تكون
الأسطورة من صنع كاتب أو شاعر معين غاص في أحلام
شعبه وأدرك العوامل المثيرة له , وتوصل بأسلوبه
الخاص إلى وضع أسطورة ناجحة ما تلبث أن تصبح مع
مرور الزمن من الفلكلور المحلي أو التراث
الشعبي*). فالكلمة حديثاً تعني السطور أو الأخبار
القديمة المدونة المسطورة , ومنها تطورت لتصبح
كلمة هـ - ستوريا العبرية لتعني التاريخ في لغات
عدة.
في معنى كلمة أسطورة يقول محمد خليفة
التونسي في صفحة لغة في مجلة العربي (( لكل كلمة
مشتقة ( في العربية ) جانبان - مادتها - وصيغتها
أو وزنها- فمادتها تقوم على جذر يدل على المعنى
العام الذي يجمع بين سائر المشتقات منه، مثلاً: (
الكلمات) كتب يكتب اكتب كاتب مكتوب كتاب , وسائر
المشتقات التي تشاركها في مادتها على جذر واحد (
ك. ت. ب. ) ...أما وزنها : فمن أوزان لغتنا
العربية وزن (أفعولة ) وجمعها ( أفاعيل ) أو (
أفاعل ) أحيانا . ومن السهل أن نعمد إلى جذر ثلاثي
فنشتق منه كلمة على هذا الوزن سواء كان الجذر صحيح
الآخر أو معتله، فالجذور صحيحة الأواخر مثل ( حدث,
سطر , طرح ) نصوغ منها ( أفعولة ) هكذا: ( أحدوثة
’ أسطورة , أطروحة )، أما معتل الآخر بالياء أو
الواو ( وهو ناقص ) مثل ( ضحى, لهو , هوى) فيصاغ
منه على هذا الوزن فيقال أضحية , ألهية أو ألهوة ,
أهوية - بضم الألف فيها جميعها، لذلك فإن كلمة
أسطورة هي أحد اشتقاقات الجذر الثلاثي (س ط ر) على
وزن أفعولة معناها أكتوبة، وهي تفيد معنى الكتابة
الموجودة على الألواح الحجرية المنتشرة في كل
البلاد التي دخلت إليها الحضارة , ومن هنا ندرك
معنى الآية الكريمة (( وقالوا أساطير الأولين
اكتتبها فهي تُملى عليه بكرة وأصيلاً )) , فإنّ
الكفار اتهموا محمداً عليه الصلاة والسلام بإعادة
كتابة تلك الأساطير الأكتوبات , ولكنه بما أنه لا
يعرف القراءة والكتابة فهي تملى عليه بزعمهم,
ويقوم باكتتابها بواسطة أناس آخرين اكتتبها .
إن الأساطير القديمة التي تعود لسومر وبابل
وأكاد لم تكن أبداً أوهاماً للشعوب القديمة التي
سبقتنا ولا أباطيل و لا قصصاً من الخيال ( كما يظن
كثيرون )، بل هي قصص من صميم الحياة اليومية
لهؤلاء الأقوام ، والذين أعطوها هذا الطابع
الخيالي هم علماء القرون المتأخرة من القرن السابع
عشر حتى العشرين، الذين نسبوا إلى هذه الأساطير ما
نسجه خيالهم وما اعتقدوه حقيقة واقعة، وإننا لا
نستطيع أن نتلمس حقيقة هذه الأساطير إلا بإعادتها
إلى اللغة العربية الفصحى، أو إلى لغات قريبة
منها، فاللغات الأصلية التي كتبت بها هذه الأساطير
إنما لفظها يشبه لفظ العربية الفصحى وإن اختلفت
الكتابة.
ولتبيان ذلك بشكل صحيح أوردت بعض النماذج
منها ،إذ إنني استطعت إيجاد معنى مفهوم لها لم يكن
لعلماء الغرب أن يصلوا إليه، لأنهم يعالجون هذه
القصص حسب معتقداتهم الخاصة , لا حسب معتقدات
مطلقيها , ويتبين لنا بعد ذلك أنها لم تعد بحاجة
إلى شرح الشراح أو تفسير المفسرين، ولا لخيال
المتوهّمين، فهي جزء من واقع الحياة الإنسانية
وتاريخها .
إن قراءة الأساطير بشكل صحيح على أساس أنها
تعود إلى العربية برموزها وأبطالها يوصلنا أيضا
إلى ضرورة تصحيح قراءة التاريخ بشكل علمي، بعيداً
عن المصالح السياسية الآنية أو المصالح التاريخية
البعيدة، في محاولة جادة للوصول إلى الحقيقة وإلى
عمق الحقيقة فقط .
عن كلكامش ( الملحمة والأسطورة)
-----------------------
تبدأ الملحمة بالحديث عن جلجامش ملك أورك
الذي كان والده بشراً فانياً ووالدته إلهة خالدة
وبسبب الجزء الفاني من دمه يبدأ بإدراك حقيقة أنه
لن يكون خالداً. في الملحمة نرى أن جلجامش لم يكن
ملكاً محبوباً من قبل سكنة أورك ،إذ كانت له عادة
سيئة وهي ممارسة الجنس مع كل عروس جديدة في ليلة
دخلتها قبل أن يدخل بها العريس وكان يجبر الناس
على بناء سور ضخم حول أورك.
قام الناس بالدعاء إلى الآلهة بأن تجد لهم
مخرجاً من ظلم جلجامش، فاستجابت الآلهة وقامت إحدى
الإلهات واسمها أرورو بخلق رجل وحشي كان الشعر
الكثيف يغطي جسده ويعيش في البرية يأكل الأعشاب
ويشرب الماء مع الحيوانات، أي أنه كان على النقيض
تماماً من شخصية جلجامش، ويرى بعض المحللين أن
هناك رموزاً إلى الصراع بين المدنية وحياة المدن
التي بدأ السومريون بالتعود عليها تدريجياً، بعد
أن غادروا حياة البساطة والزراعة المتمثلة في
شخصية أنكيدو.
كان أنكيدو يخلص الحيوانات من مصيدة
الصيادين الذين كانوا يقتاتون على الصيد، فقام
الصيادون برفع شكواهم إلى الملك جلجامش الذي أمر
إحدى خادمات المعبد بالذهاب ومحاولة إغراء أنكيدو
ليمارس الجنس معها وبهذه الطريقة سوف يبتعد
الحيوانات عن مصاحبة أنكيدو ويصبح أنكيدو مروضاً
ومدنياً. حالف النجاح خطة الملك جلجامش وبدأت
خادمة المعبد وكان اسمها شامات وتعمل خادمة في
معبد الإلهة عشتار بتعليم أنكيدو الحياة المدنية
من كيفية الأكل واللبس وشرب النبيذ، ثم تبدأ
بإخبار أنكيدو عن قوة جلجامش وكيف أنه يدخل
بالعروسات قبل أن يدخل بهن أزواجهن، وعندما يسمع
أنكيدو هذا الشيء يستشيط غضباً ويقرر أن يتحدى
جلجامش في مصارعة كي يجبره على ترك تلك العادة.
يتصارع الاثنان بشراسة إذ إن الاثنين متقاربان في
القوة، ولكن في النهاية تكون الغلبة لجلجامش،
ويعترف أنكيدو بقوة جلجامش، وبعد هذه الحادثة يصبح
الاثنان صديقين حميمين.
يحاول جلجامش دائما القيام بأعمال عظيمة لكي
يبقى اسمه خالداً، فيقرر في يوم من الأيام الذهاب
إلى غابة من أشجار الأرز ويقطع جميع أشجارها، ولكي
يحقق هذا يجب عليه القضاء على حارس الغابة الذي هو
مخلوق ضخم وقبيح واسمه هومبابا. ومن الجدير بالذكر
أن غابة الأرز كان المكان الذي تعيش فيه الآلهة،
ويعتقد أن المكان المقصود يقع الآن في منطقة بين
إيران والبحرين.
الصراع في غابة الأرز
---------------------
حارس الغابة هومبابا
كلكامش وأنكيدو وهما يصارعان الثور المقدس
يبدأ جلجامش وأنكيدو رحلتهما نحو غابات
أشجار الأرز بعد حصولهما على مباركة شمش إله الشمس
الذي كان أيضاً إله الحكمة عند البابليين
والسومريين، وهو الإله نفسه الذي نشاهده في مسلة
حمورابي المشهورة، وهو يناول الشرائع إلى الملك
حمورابي، وأثناء الرحلة يرى جلجامش سلسلة من
الكوابيس والأحلام، لكن أنكيدو الذي كان في قرارة
نفسه متخوفا من فكرة قتل حارس الغابة يطمئن جلجامش
بصورة مستمرة على أن أحلامه تحمل معاني النصر
والغلبة.
عند وصولهما الغابة يبدآن بقطع أشجارها،
فيقترب منهما حارس الغابة هومبابا ويبدأ قتال
عنيف، ولكن الغلبة تكون لجلجامش وأنكيدو ، يقع
هومبابا على الأرض ويبدأ بالتوسل منهما كي لا
يقتلاه، ولكن توسله لم يكن مجدياً ،إذ أجهز
الاثنان على هومبابا وأردياه قتيلاً. أثار قتل
حارس الغابة غضب إلهة الماء أنليل إذ كانت أنليل
هي الإلهة التي أناطت مسؤولية حراسة الغابة
بهومبابا.
بعد مصرع حارس الغابة الذي كان يعدّ وحشاً
مخيفاً يبدأ اسم جلجامش بالانتشار ويطبق شهرتُه
الآفاقَ، فتحاول الإلهة عشتار التقرب منه بغرض
الزواج من جلجامش، ولكن جلجامش يرفض العرض فتشعر
عشتار بالإهانة وتغضب غضباً شديداً، فتطلب من
والدها آنو، إله السماء، أن ينتقم لكبريائها فيقوم
آنو بإرسال ثور مقدس من السماء، لكن أنكيدو يتمكن
من الإمساك بقرن الثور ويقوم جلجامش بالإجهاز عليه
وقتله.
بعد مقتل الثور المقدس يعقد الآلهة اجتماعاً
للنظر في كيفية معاقبة جلجامش وأنكيدو لقتلهما
مخلوقاً مقدساً، فيقرر الآلهة قتل أنكيدو لأنه
كان من البشر، أما جلجامش فكان يسري في عروقه دم
الآلهة من جانب والدته التي كانت إلهة، فيبدأ
المرض المنزل من الآلهة بإصابة أنكيدو الصديق
الحميم لجلجامش فيموت بعد فترة.
رحلة جلجامش في بحثه عن الخلود
------------------------------------
بعد موت أنكيدو يصاب جلجامش بحزن شديد على
صديقه الحميم، إذ لا يريد أن يصدق حقيقة موته،
فيرفض أن يقوم أحد بدفن الجثة لمدة أسبوع إلى أن
بدأت الديدان تخرج من جثة أنكيدو، فيقوم جلجامش
بدفن أنكيدو بنفسه، وينطلق شارداً في البرية خارج
أورك، وقد تخلى عن ثيابه الفاخرة وارتدى جلود
الحيوانات. بالإضافة إلى حزن جلجامش على موت صديقه
الحميم أنكيدو كان جلجامش في قرارة نفسه خائفاً من
حقيقة أنه لابد من أن يموت يوماً لأنه بشر والبشر
فانٍ ولا خلود إلا للآلهة. بدأ جلجامش في رحلته
للبحث عن الخلود والحياة الأبدية. لكي يجد جلجامش
سر الخلود عليه أن يجد الإنسان الوحيد الذي وصل
إلى تحقيق الخلود وكان اسمه أوتنابشتم والذي يعدّه
بعضهم مشابهاً جداً إن لم يكن مطابقاً لشخصية نوح
في الأديان اليهودية والمسيحية والإسلام. وأثناء
بحث جلجامش عن أوتنابشتم يلتقي بإحدى الإلهات
واسمها سيدوري التي كانت آلهة النبيذ، وتقوم
سيدوري بتقديم مجموعة من النصائح إلى جلجامش والتي
تتلخص بأن يستمتع جلجامش بما تبقى له من الحياة
بدل أن يقضيها في البحث عن الخلود، وأن عليه أن
يشبع بطنه بأحسن المأكولات، ويلبس أحسن الثياب،
ويحاول أن يكون سعيداً بما يملك، لكن جلجامش كان
مصرّاً على سعيه في الوصول إلى أوتنابشتم لمعرفة
سر الخلود، فتقوم سيدوري بإرسال جلجامش إلى
المعداوي، أورشنبي، ليساعده في عبور بحر الأموات
ليصل إلى أوتنابشتم الإنسان الوحيد الذي استطاع
بلوغ الخلود.
عندما يجد جلجامش أوتنابشتم يبدأ الأخير
بسرد قصة الطوفان العظيم الذي حدث بأمر الآلهة،
وقصة الطوفان هنا شبيهة جداً بقصة طوفان نوح, وقد
نجى من الطوفان أوتنابشتم وزوجته فقط ، وقررت
الآلهة منحهم الخلود. بعد أن لاحظ أوتنابشتم إصرار
جلجامش في سعيه نحو الخلود قام بعرض فرصة على
جلجامش ليصبح خالداً, إذا تمكن جلجامش من البقاء
متيقظاً دون أن يغلبه النوم لمدة 6 أيام و 9 ليالي
فإنه سيصل إلى الحياة الأبدية، ولكن جلجامش يفشل
في هذا الاختبار، إلا أنه ظل يلحّ على أوتنابشتم
وزوجته في إبجاد طريقة أخرى له كي يحصل على
الخلود. تشعر زوجة أوتنابشتم بالشفقة على جلجامش
فتدله على عشب سحري تحت البحر بإمكانه إرجاع
الشباب إلى جلجامش، بعد أن فشل مسعاه في الخلود,
يغوص جلجامش في أعماق البحر ويتمكن من اقتلاع
العشب السحري.
عودة جلجامش إلى أورك
----------------------------
بعد حصول جلجامش على العشب السحري الذي
يعيد نضارة الشباب يقرر أن يأخذه إلى أورك ليجربه
هناك على رجل طاعن في السن قبل أن يقوم هو
بتناوله، ولكن في طريق عودته وعندما كان يغتسل في
النهر سرقت العشبَ إحدى الأفاعي وتناولته فرجع
جلجامش إلى أورك خالي اليدين، وفي طريق العودة
يشاهد السور العظيم الذي بناه حول أورك، فيفكر في
قرارة نفسه أن عملاً ضخماً كهذا السور هو أفضل
طريقة ليخلد اسمه. في النهاية تتحدث الملحمة عن
موت جلجامش وحزن أورك على وفاته.(إننا
إذ نسرد هذه الأسطورة الخرافية فإننا نؤمن أن
للكون إلهاً واحداً قادراً على كل شيء،وأن تعدد
الآلهة ما هو إلا خرافة،لا تراود إلا المحرومين من
نعمة العقل).
قلعة دمدم ( الملحمة الواقعة )*
------------------
أربعة قرون مرت على ملحمة دمدم، ولا تزال هذه
المأساة حاضرة في الوجدان الكوردي ، ولا يزال النص
الكوردي يلهج بأسماء أولئك الأبطال الذين استشهدوا
ودفنوا بثيابهم المضرجة بدمائهم تحت أنقاض تلك
القلعة التي لا تزال آثارها باقية حتى اليوم شاهدة
على أكبر ملحمة من الفداء ونكران الذات في سبيل
الدفاع عن حرية الإنسان الكوردي وكرامته.
في كانون الأول عام 2003 يكون قد مر على
أحداث واقعة دمدم 395 عاماً وثمانية أشهر. فقبل
395 عاماً من الآن كانت هناك معركة من أشد المعارك
ضراوة وشراسة بين عشائر برادوست ( المُوكرية ) من
جهة وبين أحد أعتى الحكام الذين مروا بتاريخ إيران
في عهد الحكومة الصفوية ، الشاه عباس الصفوي .
فقبل هذا التاريخ لم تكن هناك معركة وحسب ،
بل كانت هناك صور خالدة من الشجاعة والاستبسال،
وفي المقابل كانت هناك مذبحة ومأساة كبيرة حلت
بهؤلاء البرادوستيين المدافعين عن أنفسهم من بطش
هذا الجبروت، والمتحصنين داخل قلعتهم التي جدد
بنائها أميرهم، أميرخان يكدست، أو، أمير خان لب
زيرين، أي ( أمير خان دو الكف الذهب ) على يد جيش
كبير من القزلباش .
فقبل ثلثمائة وخمسة تسعين عاماً كان الشاه
عباس جالساً على عرشه في أصفهان يستمع باهتمام
بالغ من قبل مساعديه عن تفاصيل المعركة التي أقلقت
مضجعه لبسالة هؤلاء الكورد المدافعين الذين كبدوا
قواته خسائر بشرية لم تكن في حسبانه، وآخر ما
توصلت إليه العمليات العسكرية التي تدور رحاها
هناك .
وعلى مدى 395 عاماً ظلت الذاكرة الكوردية
تخلد ملحمة دمدم من جيل إلى جيل وعلى لسان الرواة
والأدباء الكورد، فتغنّوا بها وكتبوا الأشعار فيها
. إن ملحمة دمدم لم تبتدعها مخيلة الأديب الكوردي،
بل إنها أحداث واقعية سجّلتها كتب التاريخ، وجرت
وقائعها هناك، هناك في شرق كوردستان ( إيران ) في
برادوست القريبة من بحيرة أورمية .
الفولكلور ودوره في تسجيل الوقائع
والأحداث:
إن جميع النكبات السياسية والتاريخية
والأحداث الاجتماعية البارزة، كل قصة حب بحلوها
ومرها، التعازي، الأفراح، والأعراس التي حدثت في
المنطقة على مر التاريخ القومي الكوردي، نُظمت من
قبل الشعراء الأكراد على شكل مقاطع غنائية، وغنّيت
من قِبل أصحاب الأصوات الرخيمة والعذبة، سميت (
بيت ) ( 1 )
" يذكر هيمن مهابادي الشاعرالكوردي المعروف :
باعتقادي أن كلمة ( بيت ) الكوردية ليست لها علاقة
" بالبيت " في القصيدة العربية، وأنه يعاضد رأي
الأستاذ فتاح القاضي رأيه، من الممكن أن كلمة
البيت الكوردية لها علاقة بكلمة " بيات " وهي إحدى
المقامات الأصيلة في الموسيقى الشرقية " ( 2 ) .
إن هؤلاء الشعراء ومنظمي الأبيات كانوا
يلقون ما توصلت إليه قرائحهم ويغنون تلك الأحداث
في مجالس كبار القوم، وفي نواصي المساجد، وفي بيوت
راحة القوافل عند الطرق على مسامع المتعطشين
دائماً لسماع الأخبار بلهفة ويستمتعون في الوقت
ذاته بما تجود بها حناجر أولئك الشعراء والمغنين .
وبهذه الطريقة استطاع أولئك الأوائل تخليد
تلك المصائب والأحداث، وإغناء الأدب والفولكلور
الكوردي في نفس الوقت، يوماً بعد يوم ( 3 ) .
إن هذا الأدب الشفاهي حفظ عن ظهر القلب من
شخص لآخر ومن جيل إلى جيل، لتأتي الأجيال اللاحقة
لتدونها وتستنبط منها ما وقع على أسلافهم وتضعها
أمام أعين معاصريهم، وتحفظها للأجيال اللاحقة .
والفولكلور الكوردي غني جداً بمواده التي
تناولت مجمل ما حدث وما وقعت عليه أعين رواتها .
كتب المستشرق والمفكر الأرمني أبو فيان عن
الفولكلور الكوردي :
تكمن روح الشاعرية في أعماق كل كوردي، وحتى
عند الشيوخ الأميين، إنهم جميعاً يمتلكون القدرة
والموهبة في الغناء، وهم يغنون ببساطة وهدوء،
ويغنون لوديانهم وجبالهم وشلالاتهم وأنهرهم
وورودهم وأسلحتهم وخيولهم، يغنون للشجاعة وبناتهم
الحِسان، وكل ذلك يتدفق من أعماق مشاعرهم وأنفسهم
. (4)
وعن أهمية الفولكلور الكوردي ، كتب باسيل
نيكيتين :
" إن الأدب الكوردي، هو الفولكلور الكوردي بالدرجة
الأولى، وإننا لا نجد في ذلك بقايا وتراث الأجيال
والأجداد في الماضي فحسب، بل إنه يبرهن على القدرة
في الحياة " ( 5) .
وعن غنى الفولكلور الكوردي وانتشاره بين
الشعوب المجاورة للشعب الكوردي .
كتب ن . ي . مار وهو عالم ولغوي ومستشرق كبير . في
مقال له عام 1911 :
" حقيقة إن الفولكلور الكوردي ينتشر لا بين الشعب
الكوردي وحده، بل وعند شعوب الشرق الأخرى كالعرب،
والفرس، الأذربيجان، والأرمن، والآثوريين " .
وبصدد ذلك يقول مينورسكي :
" إن الغناء الكوردي ورواية القصص الكوردية أصبح
عادة عامة عند الآثوريين الذين يعيشون في الجبال "
(6).
كان لا بد من ذكر هذه المقدمة عن الفولكلور
الكوردي، لأن واقعة قلعة دمدم وصلتنا وتعرفت عليها
الأجيال اللاحقة من خلال الفولكلور، قبل أن يبدأ
الباحثون بإخراجها من بطون الكتب التاريخية
القديمة .
العلاقة بين الكورد والصفويين الأذربيجانيين
:
المعروف أن الشاه إسماعيل الصفوي هو مؤسس
الدولة الصفوية، لكن جذور تأسيس هذه الدولة يرجع
بالأساس إلى الشيخ صفي الدين بن إسحاق الأردبيلي (
650 – 735 )، بدأ هذا الشيخ من أردبيل بنشر طريقة
صوفية جديدة، وسرعان ما انتشرت هذه الطريقة بين
العشائر التركمانية والأذريين في أذربيجان وفي
الأناضول، ومع تقدم الزمن كانت تزداد السلطة
الروحية والمادية بيد أولاد وأحفاد الشيخ صفي
الدين، ومن أجل أن يميز مريدو هذه الطريقة أنفسهم
عن العامة كانوا يضعون طاقيات حمراء على رؤوسهم
يطلقون عليها ( تاج الحيدري ) لكن العامة أطلقوا
عليهم القزلباش " ذوو الرؤوس الحمر " ( 7 ) .
وكان القزلباش هم النواة الأولى لتأسيس
القوة الضاربة فيما بعد للحكم الصفوي، إن هذا
الإيمان المطلق من قبل مريدي هذه الطريقة
واستعدادهم بأن يرموا أنفسهم في المهالك بمجرد
إشارة صغيرة من أحد شيوخهم، سهل الأمر كثيراً
للذين جاؤوا إلى الحكم وعملوا الويلات بمن لم
يسِرْ في ركابهم . وكان الكورد أحد ضحايا هذه
الدولة الجديدة التي بنيت على أساس المذهب الشيعي
.
إن العلاقة بين الأكراد والصفويين لم تكن
بالطيبة أبداً لأسباب عديدة . أولها : الفرق
المذهبي إذ كان الصفويون يدينون بالمذهب الشيعي،
بينما يدين غالبية الأكراد بالمذهب السني .
ثانياً : الفرق القومي؛ فالصفويون هم من
الأذربيجانيين الأتراك، على عكس ما هو شائع لدى
الكثير من أنهم من القومية الفارسية .
وعلى رأس هذين السببين كان الأكراد يعدّون
هؤلاء أغراباً ودخلاء في المنطقة، حصلوا على
امتيازات مهمة، واستولوا على أراضيهم بدعم مباشر
من أعلى سلطة ألا وهو الشاه الصفوي المنحاز كلياً
إلى القزلباش . وكانت سياسة مؤسس الدولة الصفوية
إسماعيل الصفوي تجاه الكورد تقوم على ثلاث ركائز :
1 – عدم إبقاء السلطات بيد القادة والأمراء الكورد،
وتعيين قادة من القزلباش مع توطين عشائرهم معهم في
المناطق الكوردية .
2 – إجبار سكان المناطق التي كانت تقع تحت قبضتهم
في كوردستان على ترك المذهب السني والانتماء إلى
المذهب الشيعي .
3 – ولتطبيق هذه السياسة عمد الصفويون في استعمال
أعلى درجات البطش والتنكيل بكل رموز التذمر
والمقاومة . ( 8 )
لم تقتصر هذه السياسة على فترة حكم الشاه
إسماعيل، بل سار جميع من جاء إلى دست الحكم من
بعده على نفس النمط ، وأثبت التاريخ أن الذين حلوا
محل السابقين هم أشد مكراً وعسفاً ، وتمسكاً
بالأراضي التي استولوا عليها بالقوة . ففي فترة
حكم الشاه إسماعيل وابنه الشاه طهماسب وبخاصة في
فترة حكم الشاه عباس الأول ( الكبير ) نقل أكثر من
ثلاثين ألف عائلة كوردية إلى الحدود الشرقية إلى
خراسان وجعلهم سداً بوجه الدولة الأوزبكية .
وبالرغم من النكبات والويلات الكثيرة التي
حلت بالكورد على يد الصفويين، لم يستسلم الكورد أو
تلِن عزيمتهم، فكانوا يقاومون الغزاة بكل ما أوتو
من قوة، مما دفع الشاه نفسه في مرات كثيرة إلى
القيام بقيادة الحملات العسكرية على كوردستان،
كما حصل في مذبحة العشائر الموكرية ،إذ قاد الشاه
عباس الأول بنفسه الحملة. وكما يذكر العلامة محمد
أمين زكي بك، " ارتكبت (القوات الصفوية) من
الأعمال الوحشية والأفعال البربرية ما يقشعرّ منه
جلد الإنسان " ( 9 ) .
في هذا المناخ وفي هذه الأجواء التعصبية
المذهبية حدثت واقعة دمدم .
تقع برادوست في شرق كوردستان ( على الحدود
الشمالية لإيران ) قريبة من بحيرة أورمية . وعن
قلعة دمدم، يقال والمعروف بين الكورد بأنها قلعة
قديمة من أيام الساسانيين فكانت مهجورة وعملت بها
الرياح والعواصف والأمطار والثلوج كثيراً من
الخراب على مر العصور، فوضع أمير خان يكدست نصب
عينيه تجديد هذه القلعة واتخاذها مقراً ومأمناً
لإمارته .
بنيت هذه القلعة على قمة جبل شاهق . تحدّها من فوق
الجبل أودية عميقة جداً من الشمال والجنوب بحيث لم
يكن بحاجة لبناء سور لها من هذين الجهتين، أما
الجهتان المتقابلتان واللتان هما عرض القلعة، فمن
الشرق بني لها سور عظيم جداً من حيث المتانة
والمنعة، وفيها أبراج عالية للحراسة والدفاع عن
القلعة ولها باب ضخم أيضاً، ومن الغرب أيضاً بني
لها سور كبير وجِدّ محكم وباب يفتح لجهة الجنوب .
ويؤخذ من رواية ( إسكندر منشي ) الذي كان
شاهد عيان في هذه المحاصرة أن القلعة كانت على
جانب عظيم من المناعة والحصانة ولم يكن فيها موطن
ضعف، سوى ندرة المياه بها، إذ كان ثمة خزان واحد
يملأ من مياه الأمطار، وخزان يكبس فيه الثلج عند
نزوله، كما أنه يوجد بجوارها نبع واحد للمياه،
يصله بالقلعة طريق واحد سري من أسفل الأرض ( 10 )
.
وكانت القلعة تتألف في الحقيقة من خمس قلاع إحداها
هي القلعة الرئيسية، وأخرى تسمى (سولق ) وأخرى (بوزلق
) وقلعة ( نارين ) التي كان فيها مسكن الأمير،
والقلعة الشرقية .
أسباب الخلاف ونشوب القتال :
عندما انحاز الأمراء الكورد الى العثمانيين
بحكم المذهب السني، وعلى ما قاسوه من ظلم وجبروت
الصفويين، لم يخضع أمير خان يكدست إلى العثمانيين
الذين انتصروا في معاركهم ضد الصفويين، بل فضل
المكوث عند الأمراء الكورد. وفي إحدى المعارك التي
خاضها لصالح حاكم ( سهران – سوران ) عمر بك ، قطعت
إحدى يديه من المرفق فأصبح منذ ذلك الحين يلقب بــ
( أمير خان يكدست ) أي ( أمير خان ذو الكف الواحدة
).
وبعد أن نصّب الشاه عباس على العرش واستطاع
أن يسترجع أذربيجان من العثمانيين، وبسط سيطرته
على تلك المناطق، ذهب إليه أمير خان يكدست مستاءً
من الترك العثمانيين، وبما أنه لم ينحز إلى
العثمانيين، فقد قدّره الشاه عباس وبالغ في
إكرامه، وكلف الصاغة بأن يصنعوا له كفاً من الذهب
الأحمرالخالص وصارت شهرته بعد ذلك بــ ( أميرخان
لب زيرين ) أي ( أمير خان ذو الكف الذهبي ) وأعاد
إليه أملاكه المفقودة، وأسند إليه منصب حكومة
تركور، ومركور، و أورميه وأشنه ورياسة عشيرته
برادوست، وأنعم عليه بلقب ( خان ) .
رجع أمير خان إلى محل حكمه وإمارته، فألتفّ
حوله الأمراء الكورد نظراً لشجاعته وإقدامه ، وأخذ
ببناء قلعة دمدم . وكان الأمراء القزلباش يكرهون
أمير خان نظراً للاختلاف المذهبي والعرقي، فأخذوا
يدسّون له لدى الشاه، إذ كان الأمير الكوردي
الوحيد الذي يتميز بهذه المكانة الرفيعة داخل
الإمبراطورية الواسعة الأطراف، وبمجرد شروعه في
بناء القلعة أفسح المجال لحسّاده وأعدائه أن
يحيكوا خيوط المؤامرة ضده .
وكان أكثرهم عداوة للأمير هو ( بير بوداق )
حاكم تبريز، الذي أخذ يكيل التهم ويحبك خيوط
المؤامرة، ويضخّم من أفعال الأميرخان لغير صالحه
لدى الشاه عباس . وأخيراً ًاستطاع بير بوداق
إقناع الشاه أن يسترجع الإذن ببناء القلعة من
أمير يكدست، بعد أن صوّر له أن بناء قلعة من قبل
هذا الأمير الكوردي السنّي المذهب بهذه القوة
والمناعة هي ليست في صالح الإمبراطورية، وأن أمير
خان ينوي العصيان وإعلان حكمه واستقلاله مستقبلاً
. ولم يكن الشاه عباس أقل كرهاً وعداوةً للكورد
الذين ما انفكوا أبداً عن شق عصى الطاعة عليه .
وفي هذه الأثناء وصل زهاء عشرين ألفاً من
الأشقياء الجلاليين الفارّين من الإمبراطورية
العثمانية من جراء مطاردة ( قويوجي ــ مراد باشا )
لهم، فاستغل الشاه عباس هذه الفرصة وبعث بثمانية
آلاف من هؤلاء الجلاليين مع جيش كبير بقيادة
بيربوداق الى أمير يكدست ليسكنهم بين ظهراني
عشيرته، فلما بلغ ذلك الأمير بعث للشاه يخبره
بصعوبة تنفيذ الأمر لسببين، أولهما : عدم إمكانية
الوثوق بهؤلاء الأشقياء الذين لا يؤتمن جانبهم،
وبخاصة أن عددهم لا يستهان به . ثانياً : لأنه
يخشى العاقبة لو فرض على القوم سكناهم، لا سيما
بعد استشارة كبار العشيرة ووجهائها الذين لم
يوافقوا على هذه المبادرة، وخشي أن ينقلبوا عليه .
ونتيجة لذلك وبعد تبادل رسائل عدة لم يصغ أمير خان
للأمرالشاهاني، مما أدى إلى إعلان الحرب على
الأمير ومن معه . حاول أمير خان بكل الوسائل تجنب
الواقعة لكن باءت جميع محاولاته بالإخفاق،لأن
الوفود المرسلة هي أساساً تريد الخلاص من هذا
الأمير المعتزّ بنفسه . فجاء معتمد الدولة من
أردبيل بقوة عسكرية، وتحرك بير بوداق بقوة عسكرية
أخرى من تبريز، وبُعِثَ وراء عدادي المدافع
والرماة من أصفهان، وجاءوا بقوة عسكرية أخرى من
خراسان، ووزِعَ الجلاليون على الجيش الصفوي، وبعث
الشاه بخمسة آلاف تومان ذهب لتوزع على الجلاليين،
وعَسكَر هذا الجيش العرمرم حول القلعة، وبدؤوا
بوضع الخطط العسكرية لاقتحام القلعة، فتوزع الجيش
من عدة جهات حول القلعة يرمون الأبراج والحصون
بوابل من الكرات الحديدة والحجرية من المدافع، ومن
جهة أخرى كان ( مهندسو ) الآبار والحفريات، يحفرون
الأنفاق دون كلل لإيجاد خط المياه السري الذي يصل
القلعة والذي كان هو الشريان الرئيسي لبقاء
البرادوستيين على قيد الحياة والمقاومة .
فكانت المعارك تدور رحاها بأعلى درجاتها،
فأظهر الكورد المدافعون صوراً خارقة للبطولة
والإقدام، إذ كانوا يخرجون من القلعة على شكل فرق
صغيرة عندما يحل الظلام ويهاجمون القزلباش
ويكبّدونهم خسائر بشرية جمّة، وفي المقابل لم
ينقطع إطلاق المدافع لرمي الأبراج والحصون، وحفر
الممرات وتغطيتها والمرور منها للوصول إلى جدران
القلعة علّهم يستطيعون حفر نفق من تحت الجدران، أو
فتح ثلمة في جدران القلعة . وفي إحدى المرات وبعد
وصول عدد غير قليل من القزلباش إلى جوار جدران
القلعة خرج إليهم البرادوستيون وقتلوا منهم مقتلة
عظيمة، وأسروا عدداً منهم واصطحبوهم إلى داخل
القلعة، فما كان من الأمير إلا أن أمربتضميد
جراحهم وإطلاقهم إلى خارج القلعة مكافأة على
شجاعتهم وإقدامهم، إذ خاطب الأمير مقاتليه:" أبداً
لم تكن مكافأة الشجاعة الغدر والقتل" . بهذه
الكلمات البسيطة المعبرة أظهر أميرخان يكدست الروح
العالية التواقة للحرية التي يتحلى بها . وتستمر
المعارك دون هوادة .
إن القاسم المشترك الذي كان يجمع القواد القزلباش،
هو كرههم للأمير يكدست للأسباب التي ذكرناها ،
وتقسيم أملاكه فيما بينهم، فلذلك كانوا يحاربون
بشراسة لا مثيل لها في سبيل القضاء على يكدست،
والتخلص من هذا الأمير الذي يعدّونه منافساً
لسلطاتهم في المنطقة التي استولوا عليها أساساً
بالقوة .
بعث الشاه عباس مرات عدة بالمؤونة والسلاح
والمقاتلين لجيشه الذي تكبد خسائر فادحة من جراء
مهاجمة ومباغتة الكورد لهم .
وبعد أربعة شهور من الحصار والمعارك استطاع
القزلباش الوصول إلى قلعة سولق التي كانت فيها
الحامية المكلفة بحماية مصب النبع السري بعد
القضاء على من فيها، فبدأ العمل على مدار الساعة
لسد وتحويل مجرى الماء عن الحوض . فقضى الأكراد
البرادوستيون واحداً وعشرين يوماً في غاية
الصعوبة،إذ العطش المميت من جهة والقتال من جهة
أخرى ، ولعدم توفر مياه الشرب كانوا يشربون المياه
الآسنة المتبقية في قعر الحوض، مما أدى إلى إخراج
نحو ألف من النساء والأطفال والعجزة إلى خارج
القلعة بإرادتهم خوفاً عليهم من الموت عطشاً.
ترى هل أراد هؤلاء القزلباش الانتقام لموت سيد
الشهداء الحسين في واقعة كربلاء بعد أن قطع جيش
يزيد بن معاوية الماء عنهم، من الأكراد
البرادوستيين ؟ وهل الذين قتلوا الحسين رضي الله
عنه كانوا كرداً أم فرساً وأشياعه الذين استدرجوه
إلى كربلاء ثم تخلّوا عنه؟ لكن السماء كانت أرحم،
فبعد واحد وعشرين يوماً من قطع المياه، بدأت
الغيوم ترعد وهطلت الأمطار مدراراً على مدى شهر
كامل، على الرغم من أن الموسم لم يكن موسم أمطار،
فامتلأ صهريج القلعة بالماء وفاض، يكفيهم لمدة ستة
شهور أخرى . وأمام هذا الوضع الجديد غير المنتظر
أمر الوزير القائد الأعلى للحملة بالهجوم الشامل
ومن كل الجهات على القلعة دون الحساب للخسائر
البشرية، تساقط مئات القتلى على يد الرماة الكورد
من الذين كانوا يرمون المهاجمين بالبارود والسهام
من أعالي الأبراج، لكن الأوامر كانت صريحة وحازمة
لا رجعة أبداً ويجب الاستيلاء على القلعة مهما
كلفهم ذلك، ولعب شيوخ الطريقة الصفوية دوراً
بارزاً بحثّ القزلباش لمحاربة هؤلاء ( الأشرار)
كما كانوا يلقبونهم ( كان شيوخ الطريقة يرافقون
الجيش بحملاتهم العسكرية في المعارك ) ، لأن صبر
الشاه أخذ ينفد، وأخيراً استطاع الجيش المهاجم
الذي كان أكثر من المدافعين بثلاثة وعشرين مرة من
فتح ثلمة في أحد أبراج القلعة من جراء رمي
المدافع، مما سهّل الأمر لدخول القزلباش بأعداد
كبيرة إلى الداخل، وكان فيه ( قره بك ) ورجاله
فأبادوهم عن بكرة أبيهم، إن هذا الانتصار الجزئي
رفع من معنويات المهاجمين، فأخذوا يزدادون شراسة
وهجوماً . لكنْ وفي هذه الأثناء ومن دون أن يعرف
السبب مات الوزير معتمد الدولة فجأة عقب هذه
الحادثة مباشرة، فعين الشاه ( محمود بك ) البيكدلي
سرداراً، أي قائداً فوصل القائد الجديد ليكمل ما
بدأه سلفه، واستمرت المعارك بضعة شهور أخرى قبل أن
يتمكن القائد الجديد من فتح ثلمة في حصن آخر .
وبعد ذلك بدأ المهاجمون يزدادون هجوماً ، وتقلّ
الدفاعات رويداً رويداً، إلى أن تمكن القزلباش من
فتح أبواب القلعة والدخول إليها بالآلاف.
عندما لاحظ أمير خان بأنه لا فائدة من
المقاومة واستمرار القتال ، جرّاء تغيّر الموقف
رأساً على عقب لصالح القزلباش المهاجمين، وحفاظاً
على أرواح من تبقّى، أعطى أوامره بوقف القتال،
وبعث برسالة إلى القائد الأعلى يعلن فيه استسلامه،
بشرط أن لا يمسّهم أحد بمكروه، وأن يوصلوه سالماً
إلى الشاه عباس، ليتباحث الأمر معه، وأنه راضٍ بما
سيحكم به الشاه، وافق القائد الأعلى للحملة على
شرط أمير خان . فخرج أمير خان مع أولاده ومائة من
رجاله بكامل سلاحهم إلى خارج القلعة، وفعلاً نفذ
القائد العام ما وعد به وأمر رجاله بأن لا يصيبوا
الأمير ومن معه بمكروه، واستقبلهم بحفاوة بالغة،
وأمر بنصب خيمة كبيرة لتسعهم جميعاً، وأرسل في طلب
جميع القواد للحضور لملاقاة أمير خان . لكن أحد
القواد المدعو حسن خان كان ناقماً جداً على الأمير
لكثرة ما وقع من قواته قتلى على يد البرادوستيين ،
فلم يدخل الخيمة وبعث بطلب القائد الأعلى، وقال
له: والله عَجبتُ من أمرك أيها القائد، ولا أدري
كيف فاتك أن هؤلاء البرادوستيين يعدّون أنفسهم
الآن في عداد الموتى ، فكيف تأمن جانبهم وهم في
هذا العدد في مكان واحد مع كامل أسلحتهم ؟ فمن
الأفضل أن تجرّدهم من السلاح وتوزعهم فراداً على
قواتنا ليكونوا تحت مراقبتنا .
اقتنع القائد العام بهذه الفكرة دون أن يدرك
ما يرمي إليه حسن خان ، وجاءت النتيجة حسب ما توقع
حسن خان من أن أمير خان سيلازمه الشك لهذا التصرف
وسيرفض الأمر، وعند ذاك سيجد حسن خان الحجة للنيل
منهم ، وهذا ما حصل بالضبط .
ومنذ البداية حين لم يدخل حسن خان الخيمة،
وخرج القائد الأعلى وتأخر خارجاً، ساور الأمير ومن
معه الشك لهذه التصرفات، وحدثت الحادثة إذ رفضوا
الانصياع للأمر، واشتبك الطرفان وجهاً لوجه
وقاتلوا لآخر رجل فيهم .
لكن بقي أن ننوه بدور النساء الكورديات
البطولي في تلك الملحمة الخالدة، فلم يكن دور
المرأة أقل شأناً من دور الرجل؛ فبينما كانت تسهر
وتعد الطعام للمقاتلين، كانت واقفة جنب إلى جانب
زوجها أو حبيبها، تحثه وترفع من معنوياته
للاستمرار والدفاع، كانت تضمد الجراح، وتملأ
البنادق بالبارود، وعند دخول القزلباش إلى داخل
القلعة قاتلت وجهاً لوجه بالسلاح الأبيض واشتبكت
مع الغزاة المهاجمين بالأيدي، ومن تبقى منهن على
قيد الحياة فضلن الانتحار برمي أنفسهن من أعالي
أبراج القلعة إلى الوديان السحيقة لتتقطع أجسادهن
إرباً على الصخور الحادة ، على أن يقعن أسيرات بيد
القزلباش، فرسمن بتلك الأعمال البطولية صفحة خالدة
لا يستطيع أي دارس أو باحث أن يمر بها مرور الكرام
.
وتستمر شجاعة وبأس المرأة الكوردية، وبعد ستة
أعوام من سقوط القلعة استطاعت إحدى زوجات أمير خان
يكدست التي كانت متخفية داخل القلعة ومتنكرة، أن
تنظم صفوف من تبقى خارج القلعة من العشائر
الموكرية ( 11 ) ، وأن تتصل بــ ( آلوغ بك ) أحد
الأمراء الكورد المتبقين على قيد الحياة بعد مذبحة
العشائر الموكرية بعد الحملة العسكرية التي قادها
الشاه عباس بنفسه بعد سقوط القلعة. وفي إحدى
الليالي تسللوا إلى داخل القلعة بمساعدة هذه
المرأة أن تكبّد القزلباش خسائر بشرية كبيرة، وأن
تثأر في ذات الوقت لأهلها وعشيرتها من الغزاة
القزلباش، من إحدى الفتحات السرية إلى داخل
القلعة، وقتل جميع المحافظين القزلباش، وما أن علم
حاكم مراغة بذلك حتى سارع إلى النجدة، وكذلك عمل
بير بوداق ( 12 ) حاكم تبريز . وبينما كان ( آلوغ
بك ) يوزع البارود على رجاله شاءت الأقدار أن
تشتعل النار في مخازن البارود فأصيب بعينيه وكذلك
جرح العديد من رجاله فلم يستطيعوا البقاء طويلاً
وتسللوا إلى خارج القلعة ليلاً من ذات الفتحة
السرية .
وأخيراً انتصر الصفويون على الأكراد في هذه
الواقعة وماتلتها من حروب ، لكنهم ومع مرور الزمن
لم يستطيعوا البقاء والصمود طويلاً في تلك
المناطق، لأن السكان الأصليين لتلك البقعة لم
يستسلموا أو يخضعوا للأمر الواقع بل بقوا في
أماكنهم راسخين رسوخ جبالهم، ومغروسين في أرضهم
كأشجار البلوط . لقد تشتت القزلباش فيما بعد ،
وبقي الكورد .
مه م وزين ( التراجيديا الواقعية)
----------------------
صاغ أحداث هذه القصة شعراً الشاعر الكردي
أحمدي خاني المتوفى عام 1706م ، وهو واحد من علماء
الأكراد الذين برعوا في علوم الفقه والفلسفة
والتصوف والأدب. وكان من آثاره ديوان شعر باللغة
الكردية، دوّن فيه أحداث هذه القصة. وقام بترجمة
هذه الملحمة إلى العربية العلامة الكردي الشيخ
محمد سعيد رمضان البوطي ، إذ قدّم إلى القارئ
العربي هذه الفاجعة التاريخية «مم و زين» بعد أن
كساها برداً من لغة السحر والبيان.. لغة البيان
الإلهي المعجز.. وبعد أن أنفق في كتابتها من
الدموع قدر الذي استهلكته من المداد. فمن هو أحمد
خاني مبدع هذه الملحمة ؟ وما قصة مم وزين
التراجيدية؟
ملحمة (مم و زين):
-----------
تعدّ ملحمة (مم و زين) من أهم الآثار
الشعرية للخاني. وقد جلبت أفكار الملحمة وأسلوبها
أنظار عدد كبير من النقاد والباحثين- من كرد
وغيرهم بمن فيهم عدد غير قليل من المستشرقين.
ونالت اهتماماً محلياً وعالمياً، فقد طبعت غير مرة
في كردستان، ونقلها الشاعر الكردي (هزار) من
اللهجة الكرمانجية إلى اللهجة الموكرية شعراً.أما
عالمياً فقد ترجمت إلى العديد من اللغات الشرقية
والغربية منها العربية والتركية والأرمنية
والفارسية والروسية. وترجمت إلى الروسية من قبل
المستشرق م .ب. رودينكو وطبعت في موسكو عام 1962،
وترجمها الأديب الفرنسي روجيه لسكو في عام 1942،
وترجمها نثراً إلى العربية الشيخ العلامة محمد
سعيد رمضان البوطي، وطبعت في دمشق أكثر من ست مرات
، كما استلهم الشاعر السوري (بدوي الجبل) منها
مسرحية شعرية بعنوان «مم و زين».
تقع هذه الملحمة في ألفين وستمائة وواحد
وستين بيتاً، وهي أندر درة في تاج الأدب الكردي،
وأجمل نص في بلاغته، وأروع قصة في ثروته، وأبلغ
درس من دروسه، فيحق لذلك الأدب أن يفتخر بها أبد
الآبدين، فقد ارتقى بفضلها إلى صف أدب مجنون ليلى
العربية ، و روميو وجوليت الغربية، وشيرين وخسرو
الفارسية، وملاحم أخرى تبقى سراجاً ساطعاً فيما
أنتجه الفكر الإنساني.
تتألف القصة من 25 فصلاً في 184 صفحة من
القطع الصغير. وأول ما تلامس أعيننا لدى تصفحنا
هذه القصة، كلمة الإهداء التي كتبها البوطي
ووجّهها (إلى كل قلب كتب عليه أن يتجرّع الحب
علقماً ولا يذوقه رحيقاً، وأن يحترق في ناره ولا
يقطف مرة من ثماره أقدّم هذه القصة عسى أن يجد
فيها برداً من العزاء والسلوى).
تعدّ قصة (مم و زين) أعظم مأساة عاطفية في
تاريخ الأدب الكردي، وهي واقعية من أول فصل إلى
آخر فصل، ليس للخيال فيها شأن سوى إحياء ما أهمله
التاريخ أو تساقط منه عند نقلها مما لا يقوى وحده
على ضبطه وتصويره، اتخذت مستقرها في قلب هذه الأمة
وفي أجمل بقعة من بقاعها تترجم كصورة حياتها،
وتكشف عن مقدار ما أفاض الله في نفسها من عزة
وشهامة، ووفاء ومراس وقوة إلى جانب ما أودع فيها
أيضا من رقة عذبة متناهية، وعاطفة غريبة ملتهبة.
الجزيرة الخضراء
---------
حدثت هذه القصة في حدود عام 1393م، في
جزيرة (بوطان) المعروفة اليوم باسم (جزيرة ابن
عمر) تلك الجزيرة التي تقع على شاطئ نهر دجلة،
وتمتد في اتساع شاسع بين الهضاب والتلال الخضر
الواقعة في شمالي العراق.
ويتألق اسم هذه الجزيرة في مقدمة ربوع
كردستان التي يمتاز معظمها بقسط وافر من جمال
الطبيعة وبهائها، إذ تتشعب بين رياض طبيعية بديعة،
وينعكس إليها من سائر أطرافها بريق دجلة الذي يحف
بمعظم جهاتها، كما يزيد من روعة جمالها جبالها
الشاهقة المصوبة كالخناجر صوب السماء.
دارت حوادث القصة في قصر أمير هذه الجزيرة
(الأمير زين الدين) ، إذ كانت بلاد الكرد إذ ذاك
وما بعد ذلك العصر إلى أواسط العهد العثماني
منقسمة إلى إمارات، يتولى إدارة كل منها أمير
يتمتع بالجدارة والقوة.
ولم يكن الأمير زين الدين ذا كفاءة عادية
حسب... بل كان يتمتع إلى ذلك بغنى واسع وبمظهر
كبير من القوة والسلطان، والغريب أن ذلك لم يحل
دون اكتسابه محبة سائر طبقات إمارته، مما أذاع
اسمه مقروناً بالهيبة والإجلال لا في جزيرة بوطان
وحدها، بل في سائر كردستان وإماراتها.
ولم يكن قصره الذي كان يرى من بعيد كأنه برج
هائل، كقصور بقية الأمراء من أمثاله، وإنما كان
آية من آيات الفن والإبداع... كان منتهياً إلى
أقصى حدٍّ في البذخ المبذول لتصميمه وتشييده
واقامة أبهته..! وكان يزدان بمتاحف تضم مختلف
العجائب والنوادر، وأنواع المجوهرات الغريبة
الفاخرة! أما رحابه وشرفاته فكانت تعجّ بمئات
الغلمان، والجواري والفتيات الجميلات.. يجلن في
أنحائه، ويضفين على رحابه جواً سحرياً يشعّ
بالفتنة والجمال. غير أن الآية الكبرى للجمال في
ذلك القصر لم تكن منبعثة عن أي واحدة من تلك
الجواري الحسان، وإنما كانت سراً لدرّتين غير كل
ذلك، خلقهما الله في ذلك القصر، بل في تلك
الجزيرة، كل منهما تعدّ مثلاً أعلى للجمال،
ونموذجاً كاملاً للفتنة والسحر الإلهي في أسمى
مظاهرهما. ولم تكن هاتان الشقيقتان سوى أختين
للأمير زين الدين، كان اسم أكبرهما التي لا يتجاوز
عمرها ربيع العشرين ( ستي)، وكانت بين البياض
الناصع والسمرة الفاتنة قد أفرغ الجمال في كل
جارحة من جسمها على حدة، ثم أفرغ بمقدار ذلك كله
على مجموع جسمها وشكلها، فعادت شيئاً أبرع من
السحر وأبلغ من الفتنة! وأما الصغرى واسمها ( زين)
فقد كانت وحدها البرهان الدالّ على أن اليد
الإلهية قادرة على خلق الجمال والفتنة في مظهر
أبدع من أختها وأسمى! كانت هيفاء بضة، ذات قوام
رفيع، قد ازدهر في بياضها الناصع حمرة اللهب ذات
عينين دعجاوين، أودعهما الله كآيات الفتك واللطف
التي تتسامى على التعبير..
وعلى الرغم من أن هاتين الغادتين كانتا
لؤلؤتين محجوزتين في صدفة ذلك القصر عن معظم
الأبصار، فقد كان اسماهما ذائعين منتشرين في سائر
أطراف الجزيرة، بل وفي كثير من بلاد كردستان..
يتّخذون من شهرتهما المقياس الأعلى والمثل الكامل
للجمال!
وقد كان من الغريب في الواقع أن تخلق تلك
الفاتنتان في قصر أمير بوطان لتصبحا أجمل زهرتين
تحبسان في رحابه عن الأنظار، لولا أن الشعب الكردي
بعامة و أولي الزعامة فيهم بخاصة غرست بطبيعتهم
غيرة ملتهبة لا تكاد تفارق جوانحهم، مما يجعلهم
يتحرجون من اختلاط الجنسين بمقدار.. هذا إلى أن
شقيقهما الأمير كان قد أوتي مزيداً من هذه الغيرة
بين جنبيه، وزادها اتقاداً ما كانت تتمتع به أختاه
من ذلك الجمال النادر الذي أبى إلا أن يذيع
اسميهما في الجزيرة كلها وفي معظم البلاد الأخرى
... ولذلك فقد كان من الصعب جداً أن يكون لعشاق
ذلك القصر الكثيرين نصيب منه غير السماع.. وتسقّط
الأخبار..!
ملخص القصة
-----------
لا يمكننا التصدي في هذه العجالة لتلخيص
القصة، ولكننا مع هذا نوجزها قدر الإمكان، ونترك
للقارئ فرصة مطالعته المتأنية لها مستقبلاً...
كان الوقت أصيلاً، والناس يودعون 20 آذار -
ليستقبلوا من ورائه ربيع سنة جديدة يقضون نهارهم
فوق المهاد وارفة الخضراء، وعلى ضفاف دجلة وفي
سفوح الجبال، وذلك جرياً وراء تلك العادة الشائعة
في جميع أنحاء كردستان من الاحتفال بعيد «النوروز»
في مثل ذلك اليوم بشروق الربيع وابتسامه الجديد،
إذ أرادت زين العثور على الرجل الذي لن يعجبها إلا
إذا بلغ جماله في نفسها مبلغ فتنة هذه الطبيعة
الحالمة وأثرها لديها..
وأخذ الناس ينتشرون بين أجواء خمرية تتهادى
على ضفاف النهر الفضي وفوق أشجار العنب الخضر
المطرزة بأبدع نقوش الزهور، وفوق سفوح (الجودي)
الذي هو من بعض جبال جزيرة بوطان المفروشة بأبهى
ديباجة من السندس المتألق.. إذ كانت الشقيقتان (ستي
وزين) متنكرتين في لباس الرجال وهيئتهم، واندسّتا
في صفوفهم في ظاهر الجزيرة، ولا شك أنهم يحسبونها
من بعض شباب قصر الأمير زين الدين وغلمانه! وقد
نجحتا في الفكرة هذه، وأتيح لكل منهما أن تجد من
مختلف شباب هذه الجزيرة واسعة الأطرف من يروقها
ويعجبها، وكان هذان الشابان (تاج الدين) و(مم)
العاملان في قصر أخيهما الأمير زين الدين..
كانت تعيش في قصر الأمير زين الدين، مربية
عجوز يقال لها (هيلانة)، كانت هرمة غير أنها أقوى
من الدهر ومكره، وقد شاء لها أن تجمع بين الأميرة
(ستي) وأحد رجال ديوان الأمير الذي كان يدعى تاج
الدين دون صعاب أو مشكلات تذكر وانتهى أمرهما
بالزواج... بينما أخفقت هي ومعها الأقدار أن تمتّن
حبل الوصال بين الأميرة- زين- وسكرتير ديوان
الأمير(مم).. ففي الوقت الذي كان تاج الدين
والأميرة ستي منشغلين عن الدنيا وما فيها، وقد
تحقق حلمهما في الوصال، ويرقدان في مهد الأحلام،
غذاؤهما شهد الوصال وشرابهما كوثر الشفاه، كان
العاشق (مم) وحبيبة قلبه المضطرب بالهوى والشباب
(زين) يعيشان ألم الفرقة والعذاب، ويتحملان هموم
العذال ويتجرّعان كؤوس الشقاء واليأس، وتأبى سنن
الكون إلا أن تجري في قصتنا هذه، فتجمع بين عنصري
الخير والشر وتمزج فرحة السعادة بدموع البؤس،
وعنصر الشر في هذه القصة هو حاجب خاص لديوان
الأمير، ويدعى (بكر) كانت لهذا الحاجب نفس تنطوي
على أشد ألوان الخبث والمكر، وكأنما غذيت روحُه
بحب الفتنة ، فهو يتعشق الولوج فيها حيثما لاح له
بابُها. ولم يكن في مظهره قصيراً أو دميماً فقط ،
بل كان إلى ذلك أجرد الشكل باهت السحنة ذا عينين
تشعّان بمزيج من الحقد والكراهية والحسد، وقد
استطاع (بكر) أن يجعل الأمير زين الدين يتشبث
برأيه ويستبدّ قائلاً: «تأكدوا جميعاً أنه قد يمكن
أن تظل زين طيلة حياتها عزباء في هذا القصر، ولكن
لا يمكن أبداً أن أجعلها يوماً من نصيب (مم)، ولا
داعي إلى أن تعرفوا سبباً لذلك أكثر من أنني هكذا
أردت، ولا داعي أيضاً إلى أن تعيدوا بعد اليوم إلى
مسمعي هذا الحديث إلا إذا رأيتم داعياً إلى إثارة
شر أنتم في غنى عنه». بعد مرور
العديد من الأحداث المهمة، وانقضاء الشهور
المتوالية. كانت تمر حياة زين، خلوات مع الأشباح
والأطياف، وحديث مع الخيالات والأوهام يطوف كل ذلك
بها، ثم يستقر في ذهنها وقلبها وكل مشاعرها شيء
واحد هو اسم (مم)، هو حظها المنكوب الذي أبعدها عن
أليف روحها وأخرجها من أفراح الدنيا ونعيمها!
أما (مم) فقد كان يبكي حتى تقرّحت عيناه،
وظل يتوجع ويتحرق حتى كادت تنطفئ جذوة حياته. وظلت
تنهار منه القوى وتخور فيه العزيمة ويصفرّ منه
الشكل إلى أن طرحته الحُمّى في مكان ما على شاطئ
دجلة وحيداً إلا من بعض أصدقائه المخلصين، الذين
كانوا يعودونه ويواسونه بين كل فترة وأخرى.
لقد استطاع (مم و زين) حيناً من الزمن أن
يخفيا عن الناس قصة حبهما، وأن يحجبا عنهما جبروت
السلطان الذي يتحكم في قلب كل منهما من غير رحمة،
ولكن هذه الطاقة لم تدم لهما طويلاً، فسرعان ما
هتك من حول قلبهما الستر وانتشرت مدامعهما بين
أبصار الناس، وراحت الألسن تتحدث عن حبهما، وتتخذ
من خبرهما لحناً يسري إلى كل مكان، وينتهي إلى سمع
الأسياد والعبيد. وراحت التعليقات المتخيلة تسبح
حول ذينك المسكينين البريئين اللذين لم يذوقا من
الحب إلا مرارته وعلقمه، أقاويل كاذبة. وتسرب
الخبر إلى الحاجب الخبيث (بكر) الذي أوغر قلب
الأمير ضد (مم) الذي يعبث بشرف وسمعة الأمير،
فصمّم على قتله، وأعدّ له المكيدة كما رسمها له
بكر، ولكن تدخل صديق مم «تاج الدين» جعله يستبدل
بقلته سجنه في إحدى الآبار الحالكة دون مبرر أو
منطق!
وفي غياهب السجن أصيب (مم) بشتى الأمراض،
منتهياً بمرض السل. أما زين فقد كان حالها ليس
بأحسن من حاله، فقد انتهى أمرها مهجورة في إحدى
غرف القصر تبكي حظها الداثر، وحبيبها المسجون. وفي
أحد الأيام جاءها الأمير زين الدين بخطة جهنمية من
حاجبه (بكر) لكي يقتل(مم) أمام عينيها، ولكنه
عندما شاهدها في حال اليأس رقّ لها قلبُه، وندِم
على ما فات ، وهنا قالت له زين: «لقد فرقتنا في
هذه الحياة ، فوصيتي لك أن تجمعنا في مماتنا». ثم
سمح لها بزيارة (مم) في سجنه، لعلها تودعه قبل
الرحيل ، وعندما شاهدته ألقت بجسمها عليه حتى لفظ
الاثنان أنفاسهما، وهكذا حكم الدهر أن لا يجتمع
الحبيبان إلا في ظلمات تلك الحفرة، وتوارى
العاشقان في لحد واحد.
أما بكر فقد نال جزاءه العادل وهو الموت على
يد تاج الدين صديق مم الذي أدهشته الحالة التي وصل
إليها هذان العاشقان بسبب ما قام من فتنة وحسد بين
الأمير وذينك الحبيبين. ومن المدهش أن (زين) أوصت
بأن يدفن بكر تحت قدميهما مباشرة! قالوا والسبب في
ذلك أن يلازمهما ويصبح حاجباً مخلصاً لهما في
الجنة، لأن الأقدار سخرته لهما ليصفو حبهما هذا
الصفاء الروحي، ولتسمو نفساهما إلى ما فوق مظاهر
المادة .
وإن لبطلي القصة المؤثرة اليوم قبرين معروفين
في جزيرة ابن عمر يستطيع كل من أراد أن يشاهدهما.
والعجيب أن قبر مم وزين يظل محاطاً بسور من ظلال
الأشجار والورود.. أما قبر بكر فلا تكاد الأشواك
تبارحه وتعلوه بغزارة!
|