|
قراءة في كتاب محسن سيدا
" عدي بن مسافر ليس أموياً "
24/03/2007
رغم
الدراسات العديدة التي تناولت اليزيدية ( الايزدية
) فإنها لا تزال تحظى باهتمام الدارسين والباحثين
، وتتباين هذه الدراسات في معالجتها للايزدية (
اليزيدية ) تبايناً واضحاً لا يخلو من التناقض
والمفارقات في كثير من الأحيان ، ومرد ذلك عائد
إلى الغموض الذي يكتنف نشأة اليزيدية وظهورها في
حلبة التاريخ أول مرة ، إضافة إلى تقاطع المعتقد
اليزيدي مع توجهات سياسية ، قومية ، ودينية ملتهبة
وراهنة وإقحامها في عملية البحث عن اليزيدية
وتاريخها .
في السنوات
الأخيرة صدرت مؤلفات عدة في حقل الدراسات اليزيدية
حملت أفكاراً جديدة ، ومحاولة إعادة النظر في بعض
رموز اليزيدية وطقوسها وأعلامها سعياً منها إلى
زعزعة بعض القناعات الراسخة حول اليزيدية .
وفي هذا
الإطار وضمن هذه السياقات من الدراسات حول
اليزيدية تندرج دراسة الكاتب عبد الرحمن مزوري حول
الشيخ " عدي بن مسافر " .
وسأحاول في
دراستي هذه مناقشة بعض القضايا والآراء التي
أثارها المؤلف في دراسته المعنونة بـ " تاج
العارفين عدي بن مسافر الكوردي الهكاري ليس أموياً
" (1) معتمداً على أدوات المؤلف نفسه في النقد
والتحليل.
هذه الدراسة
كتبها المؤلف رداً على المحققين حمدي عبد المجيد
السلفي و تحسين إبراهيم الدوسكي اللذين حققا كتاب
" اعتقاد أهل السنة والجماعة " (2) للشيخ " عدي بن
مسافر " وأرفقا الكتاب بآرائهما حول اليزيدية
والشيخ " عدي بن مسافر ". ورغم الجهود المبذولة
في التحقيق ، كما يقر المؤلف عبد الرحمن مزوري
بذلك ، فإن المحققين وقعا ، حسب رأيه ، في مطبات
وهفوات كان لا بدّ من استدراكها وتصويبها خدمة
للبحث العلمي .
يعالج الكاتب
عبد الرحمن مزوري في دراسته هذه نسب الشيخ " عدي
بن مسافر " وأصوله العرقية وجذور الديانة
الإيزيدية ، معتمداً على المصادر التاريخية
والدراسات الحديثة في هذا الحقل ، إذ ينفي النسب
الأموي للشيخ " عدي بن مسافر "، مخالفاً بذلك
جمهرة من كتاب السير والتراجم الذين تناولوا تاريخ
الشيخ وسيرته . وبصرف النظر عن أهمية أموية " عدي
بن مسافر " أو كرديته ، فإن النتائج المترتبة على
هذه الدراسة لا تخل بمكانة "عدي بن مسافر " في
الديانة اليزيدية ، سواء أكان كردياً بالانتماء أو
الولادة ، أم أموياً عربياً.
يتلمس المرء
في هذه الدراسة ، وبوضوح ، أنها مبنية على جملة من
الاستنتاجات والتخمينات التي لا تؤيدها الأدلة
والشواهد التاريخية بشكل قطعي ، وتسعى إلى تثبيت
أحكام موضوعة مسبقاً، كما تنم عن انتقائية في
التعاطي مع النصوص والشواهد ، وعدم الدقة في النقل
والاقتباس ، وسيتضح ذلك من خلال مناقشة محتويات
الكتاب .
يرى المؤلف
أن المؤرخين وكتاب السير والتراجم المعاصرين لـ "
عدي بن مسافر " ، كابن الأثير ،و ابن خلكان ،
وياقوت الحموي لم يذكروا شيئاً عن أموية الشيخ ،
وهؤلاء المؤرخون هم الأقرب زماناً ومكاناً لـ "
عدي بن مسافر "، ويتخذ المؤلف من عدم ذكر هؤلاء
لأموية الشيخ دليلاً على كرديته . لكنه ينسى أن
هؤلاء لم يتحدثوا أيضا عن الأصل الكردي للشيخ ،
ويستخلص من هذا الكلام أن النسب الأموي والنسبة
الكردية جاءا في عهود متأخرة ، وقد أشار الباحث
والمحقق المصري أحمد تيمور في كتابه عن اليزيدية
إلى أن "ابن الوردي " ذكر تاريخ الشيخ " عدي بن
مسافر " كما ذكرها " ابن خلكان " مع إضافة اسم "
مروان ابن الحكم الأموي " إلى اسمه. ويضيف أن في
(( هذه الزيادة نظر))(3) . ومن هنا كان لزاماً على
المؤلف أن يتعاطى مع الروايات المختلفة بنفس
المعيار والدرجة، وكان حرياً به أن يتساءل ، وهو
بصدد كتابة بحث علمي ، لماذا لم يذكر " ابن خلكان
" و " ابن الأثير " النسب الكردي لـ " عدي بن
مسافر " وليس النسب الأموي فقط ، خاصة إذا علمنا
أن معظم الذين ترجموا لـ " عدي بن مسافر " نقلوا
إما مباشرة عن " ابن خلكان " أو نقلوا عن كتب هي
بدورها نقلت عن " ابن خلكان "، أي أن " ابن خلكان
" هو المصدر الرئيس في ترجمة الشيخ ، والمثال
التالي يوضح ذلك .
ذكر " ابن خلكان "
في ترجمة " عدي " ما يلي : (( ..... تبعه خلق كثير
؛وجاوز حسن اعتقادهم فيه الحدّ، حتى جعلوه قبلتهم
التي يصلون إليها ، وذخيرتهم في الآخرة التي
يعولون عليها ، وكان قد صحب جماعة كثيرة من أعيان
المشايخ والصلحاء والمشاهير مثل عقيل المنبجي
وحماد الدباس وأبي النجيب عبد القاهر السهروردي ،
وعبد القادر الجيلي ، وأبي الوفاء الحلواني ، توفي
الشيخ سنة سبع وقيل خمس و خمسين وخمسمائة في بلده
بالهكارية و دفن بزاويته......)) (4) .، وجاءت
ترجمة الشيخ في كتاب الوافي بالوفيات لـ " صلاح
الدين بن أيبك الصفدي " ، وهو من كتاب التراجم
المتأخرين ، (( ..... تبعه خلق وجاوزوا فيه الحد
حتى جعلوه قبلتهم التي يصلون إليها ، وذخيرتهم في
الآخرة . صحب الشيخ عقيل المنبجي ، والشيخ حماد
الدباس ، وعاش الشيخ عدي تسعين سنة وتوفي سنة سبع
وخمسين وخمسمائة )) (5) . إن هذه المقابلة بين نصي
ابن خلكان والصفدي ، توضح بجلاء أن كتب الطبقات
المتأخرة لا تقدم معلومات جديدة حول سيرة " عدي بن
مسافر " ، لذا فلا فائدة من إيراد روايات
المتأخرين مهما تعددت وكثرت، لأنها منسوخة عن
الرواية الأصل ، ولا يمكن التعويل عليها ما لم
نحدد مصدر الرواية . وفي هذا السياق ذاته أورد
المؤلف روايات عدة تتحدث عن أموية الشيخ كـ "
الشطنوفي" المتوفى سنة ( 1314م) و " المقريزي"
المتوفى سنة ( 1441م ) و " ابن تغري بردي الأتابكي
" المتوفى سنة ( 1469م ) و " التادفي الحنبلي "
المتوفى سنة( 1556م ) واعتبرها (( سقيمة وهزيلة
ولا تستحق المناقشة للبعد الزمني )) ص14 بين الشيخ
" عدي بن مسافر " وكتاب التراجم المذكورين ،
واعتماداً على منطق المؤلف ومنهجه ، يمكن سحب هذا
الكلام على الروايات المتأخرة أيضاً والتي تحدثت
عن النسبة الكردية لـ " عدي بن مسافر " واعتبارها
(( سقيمة وهزيلة ولا تستحق المناقشة للبعد الزمني
))، لكن المؤلف لا يتعاطى بحيادية مع هذه الروايات
، إذ يكتفي بالروايات التي ذكرت النسبة الكردية
للشيخ ، وهنا البعد الزمني ليس له اعتبار لدى
المؤلف، و تغاضى عن الروايات التي تحدثت عن
الأصل الأموي للشيخ.
ذكر المؤلف
أن " ابن تيمية " نفى النسب الأموي للشيخ " عدي "
واعتبره (( كذب قطعاً )) ص14، وفي واقع الأمر أن "
ابن تيمية " نفى انتساب الشيخ إلى " مروان بن
الحكم " واعتبر هذا الانتساب ( كذب قطعاً ) وليس
الانتساب إلى بني أمية . جاء في الوصية الكبرى لـ
" ابن تيمية " (( من أحمد بن تيمية إلى من يصل
إليه هذا الكتاب من المسلمين المنتسبين إلى السنة
والجماعة ؛ المنتمين إلى جماعة الشيخ العارف
القدوة أبي البركات عدي بن مسافر الأموي )) ( 6 )
ويتضح من رسالة " ابن تيمية " أن اعتراضه ليس على
أموية الشيخ وإنما على انتسابه إلى " مروان بن
الحكم " .
وفي معرض
رده على العلاقة بين الأمويين والهكارية ،ينفي
المؤلف ما ذكره المقريزي أن بعض الهكارية تزعم
أنهم من ولد " عتبة بن أبي سفيان صخر بن حرب " ( 7
)، ويسرد قائمة طويلة من المؤلفين الذين تحدثوا في
كتاباتهم عن القبيلة الهكارية أمثال : " السمعاني"
في كتابه( الأنساب) و " ابن خلكان " و " فضل الله
العمري " و " القلقشندي " ويضيف المؤلف أن هؤلاء
لم يشيروا إلى (( أسطورة نسب الهكارية إلى عتبة بن
أبي سفيان )) ص17 ، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا :
هل حقاً أن المؤرخين لم يذكروا شيئاً عن العلاقة
بين الأمويين والأكراد كما يذهب إليه المؤلف ؟ .
في الحقيقة
ثمة مصادر تاريخية عديدة تشير إلى هذه العلاقة،
بصرف النظر عن صحة هذه الروايات أو الدوافع التي
تقف خلفها ، وقد تطرق المؤلف إلى الخلفية الدينية
والسياسية لهذه الروايات ، أما قوله إن المصادر لم
تتحدث عن علاقة الهكارية بالأمويين أو بـ " عتبة
بن أبي سفيان " فمجانب للحقيقة 0
ذكر " ابن
الأثير " في كتابه " اللباب في تهذيب الأنساب "
عند الحديث عن النسبة إلى الهكارية (( ومنها أبو
الحسن على بن أحمد بن يوسف بن جعفر بن عرفة
الهكاري الملقب بشيخ الإسلام ، وهو ولد عتبة بن
أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية )) ( 8 ). وذكر" ابن
خلكان " في كتابه " وفيات الأعيان " ( 9 ) هذه
الترجمة كما ذكرها " ابن الأثير " دون زيادة أو
نقصان . وكذلك ذكر " شهاب الدين بن فضل الله
العمري " في كتابه " مسالك الأبصار في ممالك
الأمصار " العلاقة بين الكرد والأمويين أثناء
حديثه عن القبيلة الجولمركية التي انتسب إلى
جولمرك مركز إقليم " هكاريا " إذ يقول : (( ومنهم
– أي الأكراد – الجولمركية؛ وهم قوم نسبوا إلى
الوطن لا إلى النفر بل هم طائفة من بني أمية يقال
إنها حَكَمية – نسبة إلى مروان بن الحكم – اعتصموا
بالجبال عند غلبة الرجال عليهم واستغنوا بمنعتها
عند استعمال الباس ومخالطة الناس طلباً للسلامة
من أعدائهم وفراراً من اعتدائهم فانخرطوا في سلك
الأكراد فسلموا )) ( 10 ) ، ليس ثمة ما ينافي
العقل والوقائع التاريخية وعلم الاجتماع فيما ذكره
" ابن فضل الله العمري "، و يمكن تقبلها أكثر إذا
تخلينا عن خلفياتنا الإيديولوجية ، ولو بشكل مؤقت
، ونظرنا إلى الموضوع من زاوية اجتماعية تاريخية .
لقد دخلت
الجيوش العربية الإسلامية بلاد فارس وكردستان
وغيرها من المناطق والبلدان ، وغيرت التركيبة
السكانية لبعض المدن بعد أن تم إسكان العرب فيها
وإجلاء سكانها ، وقد ذكر صاحب كتاب " فتوح البلدان
" أن عياض بن غنم لما انصرف من مدينة خلاط (( وصار
إلى الجزيرة ، بعث إلى سنجار ، ففتحها صلحاً
وأسكنها قوماً من العرب )) ( 11 ) . وبعد عملية
أسلمة الكرد ، صلحاً تارة و عنوة تارة أخرى ،
أصبحت كردستان تابعة للدولة العربية في دمشق
وبغداد ، مما أدى إلى إفساح المجال للقبائل
الكردية والعربية والتركية وغيرها من الشعوب
والطوائف للتنقل والترحال في نطاق حدود الدولة
العربية دون قيود تذكر ، ناهيك عن حاجة الدولة إلى
تجنيد هؤلاء في حروبها الداخلية والخارجية ،
وعندما آلت السلطة إلى بني العباس تشتتت الأسرة
الأموية ولاذت بعض أفرادها بجبال كردستان ، كما
أشار إلى ذلك ابن فضل الله العمري المارّ ذكره .
وتشير بعض
المصادر التاريخية إلى شدة محبة الأكراد لمعاوية
بن أبي سفيان وابنه يزيد ولهذا (( نجد بعض القبائل
والأسر الكردية في الجبال صاروا ينتسبون إلى جد
أموي )) ( 12). وقد أشار المأثور الشفاهي والكتابي
لليزيدية إلى هذه العلاقة ، ولا ننس أن آخر خلفاء
بني أمية " مروان بن محمد " كان (( ابن أمة كردية
)) كما تذكر معظم المصادر التاريخية ، وضمن هذا
السياق التاريخي كتب المؤلف عن (( الكورد في بلاد
الشام )) ص29، ولكنه لم يشأ الحديث عن وجود
القبائل العربية في كردستان واندماجهم في المجتمع
الكردي ، تماماً كما اندمج الكرد في محيطهم العربي
في بلاد الشام . وفي هذا الصدد يذكر الباحث
والمفكر العراقي هادي العلوي أن الأمم التي نزلت
أرض كردستان (( انقطعت عن أصولها ونسيت لغاتها
وصارت تتكلم اللغة الكردية )) ( 13 ) .
يستعرض
المؤلف مجموعة من (( الدلائل والحقائق )) ، بلغت
13 دليلاً للتأكيد على كردية الشيخ " عدي بن مسافر
". وفي واقع الحال إن دلائله لا تعدو كونها
افتراضات واستنتاجات ، يفترض المؤلف صحتها ، وهي
بدورها تحتاج إلى نصوص تاريخية لتعزيزها، وإن
إكثار المؤلف من هذه (( الدلائل والحقائق )) ينمّ
عن افتقار المؤلف لشواهد تاريخية محكمة وموثوقة ،
وإلا لما احتاج المؤلف إلى هذا الكمّ من (( الأدلة
والبراهين )) حول علم من أعلام التاريخ الإسلامي
أشبع درساً وبحثاً .
ذكر المؤلف
أن البحاثة العراقي يعقوب سركيس أورد في كتابه "
مباحث عراقية " نصاً للراهب " راميشوع " كتبه في
حدود سنة ( 1451م ) ، جاء فيه ؛ إن اسم والد الشيخ
" عدي " كان " مسفر " أو " مسافر بن أحمد " وهو من
الأكراد التيراهية ص20، ويضيف المؤلف أن " ابن
الأثير " هو أول من تحدث عن التيراهية ضمن حوادث
سنة 602هـ 1205م .
يتمسك
المؤلف هنا بنص الراهب راميشوع ليعزز رأيه ويهمل
ما ذكر ه " ابن الأثير"، علماً أن المؤلف نفسه
يعترف بأن " ابن الأثير " هو أول من ذكر "
التيراهية " ، لكن ليس ثمة علاقة ، حسب نص ابن
الأثير ، بين الكرد والتيراهية ، كما أراد المؤلف
إيهام القارىء بذلك .
جاء في نص
ابن الأثير (( وكانت فتنة هؤلاء التيراهية على
بلاد الإسلام عظيمة قديماً وحديثاً ، .... وكان
أهل فرشابور معهم في ضر شديد لأنهم يحيطون بتلك
الولاية من جوانبها )) ( 14 ) .
يفهم من
هذا النص أن التيراهية يحيطون بولاية " فرشابور "
القريبة من مدينة " غزنة" الأفغانية والبعيدة عن
جغرافية كردستان ، كما جاء في معجم البلدان ( 15 )
، وأقدم كتاب ورد فيه ذكر الأكراد التيراهية أو
التيرهانية ، حسب علمي ، هو كتاب " تاريخ الزمان "
لابن العبري ، إذ ذكر فيه أنه (( في سنة 602للعرب
1205م ظهر جنس من الأكراد التيرهانية .... على أن
هؤلاء الأكراد لم يدينوا بدين الإسلام بل استمروا
في عبادتهم الوثنية المجوسية القديمة ..)) ( 16 )
، وفي مخطوطة الراهب راميشوع هناك ربط بين
اليزيدية الذين يمتون بصلة القربى للشيخ عدي بن
مسافر والأكراد التيراهية المسلمين ( 17 ) ، لقد
أشار مترجم المخطوط الأستاذ يعقوب سركيس في مقالة
له ، منشورة في مجلة " لغة العرب " البغدادية إلى
الأخطاء الكتابية الواردة في مخطوط الراهب راميشوع
( 18 ) ، لم يحلل المؤلف عبد الرحمن مزوري هذا
المصدر ، كخطوة أولية من خطوات البحث العلمي ، بل
اعتمد عليه كما هو دون تمعّن أو تمحيص، ويبني
استنتاجاته على الأخطاء الإملائية للمخطوط. إن
من بين الأدلة
والحقائق التي يقدمها المؤلف حول النسب الكردي
للشيخ عدي بن مسافر هو ، أن الشيخ كان يتكلم
الكردية، وأن أتباعه كانوا في معظمهم من الكرد
ص24. وقد استرسل في هذا الموضوع وأورد أمثلة
عديدة ، لكن دون أن يتساءل هل اللغة تحدد هوية
الناطق بها؟ وهل المنظومة المشيخية قائمة على
العرق والقومية ؟ فمن المتفق عليه تاريخياً أن
عدياً نزل أرض كردستان وعاش بين الكرد وأصبح يعرف
بـ شيخ الأكراد ، و لا اعتراض على استنتاجاته
وفرضياته من حيث المبدأ ، لكن هذه الفرضيات لا
تنبني عليها أحكام قطعية وجازمة كما ذهب إليه
المؤلف .
لا يكتفي
المؤلف بتحديد الهوية القومية لـ " عدي بن مسافر "
، بل يحدد القبيلة المنسوبة إليها ، وهي القبيلة
الدنبلية ، فيقول بهذا الصدد : (( كتب الباحث
الدكتور ممو عثمان الخبير في الديانة الإيزدية ،
بأن هناك مصادر تاريخية تذكر بأن الشيخ عدي بن
مسافر كان يتكلم الكوردية ، وهو من عشيرة الدنبلية
الكوردية )) ص17. وهنا أتساءل: لماذا احتاج المؤلف
إلى كل هذا البحث والعناء والأدلة والحقائق لإثبات
كردية الشيخ عدي إذا كانت هناك (( مصادر تاريخية
))تتحدث ليس فقط عن قوميته وحسب ، بل عن عشيرته
أيضاً ؟ولماذا لا يفصح عن هذه المصادر التاريخية
التي تخفف عنه عناء البحث والتمحيص؟
يستنتج المرء مما سبق أن المؤلف نفسه
غير مطمئن لما أورده ، كما أن لغته القلقة
والمرتبكة عند تعقيبه على الشاهد التالي تدعم
زعمنا هذا : (( فلا يستبعد أبداً أن يكون الشيخ
عدي بن مسافر كان قد رأى النور بشوف الأكراد في
بلاد الشام ، بين إحدى هذه الطوائف والبطون
الدونبلية )) ص27 . ثمة تناقض بين ما استشهد به
المؤلف من وجود (( مصادر تاريخية )) تؤكد دنبلية
الشيخ عدي وبين قوله (( فلا يستبعد )) أن يكون
دنبلياً ، وللتأكيد على دنبلية الشيخ يكتب المؤلف
أن (( اعتقاد الإيزيدية بأن تازي – تازيك ..... هم
من الإيزيدية الذين صحبوا الشيخ عدي بن مسافر
أثناء رحلته من موطنه الأول في الشام إلى معبد
لالش .... وهم أي تازي ، ينتسبون إلى الدنبلية –
الدوملية والماموسية والهكارية )). ويضيف المؤلف
إلى أن بعض المؤلفين أشاروا إلى تلك الصحبة
المشتركة بين الشيخ عدي وبين القبيلة (الطازية )
تازي عند قدومهم إلى كردستان ، أمثال صديق
الدملوجي و عبد الرزاق الحسني وسعيد الديوجي
وغيرهم ص28.
صحيح أن
هؤلاء المؤلفين تحدثوا ، كما ذكر المؤلف ، عن
القبيلة الطازية ، ولكن بما لا يرضي المؤلف ، وما
كنت لأستشهد بأقوالهم لولا اعتماده عليهم في دعم
رأيه .
ذكر الباحث
صديق الدملوجي بخصوص الطازية في كتابه " اليزيدية
" (( والقوالون هم العرب من أهل الشام كانوا
رافقوا الشيخ عدياً في مجيئه إلى هذه البلاد .
ويسميهم اليزيدية الأكراد بالـ "طازية" . ويعقب
الدملوجي على هذا الكلام في هامش ص53 أن الطازية
بصفتهم عرباً ، فلأجل تمييزهم عن الأكراد سموا "
تازي " وكلمة " تازي " تطلق بالفارسية على كل ما
هو عربي ، ( 19 ) . أما المؤلف سعيد الديوجي فقد
ذكر في كتابه عن اليزيدية أن (( قبيلة طازي : وهم
عرب على ما يدعون ويذكرون أنهم نزحوا مع الشيخ عدي
بن مسافر من بلاد الشام إلى لالش )) ( 20 ) ، وفي
اللغة الكردية أيضاً تطلق كلمة تازي على العرب
كما جاء في ديوان " مم و زين " ( 21 ) للشاعر
أحمدي خاني .
واضح أن
المؤلف يتعاطى بانتقائية مع الشواهد التي اعتمدها
، إذ لم يتطرق إلى أن قبيلة طازي يدعون انهم من
العرب ، كما ورد في نصوص الدملوجي والديوجي ، فقد
اكتفى بنقل ما يخدم وجهة نظره حول الموضوع ،
وينهي المؤلف هذا الجزء من بحثه قائلاً : ((هذه
الحقيقة تعطينا الجواب الشافي بان عدي بن مسافر
كان دنبلياً عشيرة )) ص28، إن (الحقيقة ) التي
يعتبرها المؤلف جواباً شافياً على دنبلية الشيخ ما
هي إلا نتائج خاطئة لمقدمات خاطئة .
ينتقل
المؤلف إلى موضوع آخر في بحثه ، وهو عراقة الديانة
الإيزدية كردّ على المحققين حمدي السلفي وتحسين
الدوسكي اللذين اعتبرا الديانة اليزيدية طائفة
انحرفت عن الإسلام ، فيقول : (( كتب المحققان
السلفي والدوسكي ، بأنهما توصلا إلى أن الطائفة
العدوية ( اليزيدية ) كانت طائفة من أهل السنة
والجماعة ، ثم انحرفت ومرقت ،وفي رأيهما إنه لا
عبرة لمن يقول بأن ديانتهم قديمة !! ترجع إلى ما
قبل الإسلام ، أي إلى ما قبل الشيخ عدي بن مسافر
في نظرهما )) ص35 . إن ما توصل إليه المحققان
السلفي والدوسكي حول تاريخ اليزيدية ( الإيزيدية )
ليس جديداً في حقل الدراسات اليزيدية؛ فقد سبقهما
في هذا الرأي فريق من الباحثين الشرقيين والغربيين
أمثال أحمد تيمور وعباس العزاوي وروجيه ليسكو ،
الذي اعتبر أن المستشرق غيدي وضع لمشكلة أصل
اليزيدية حلها النهائي ، باعتبارها بدعة إسلامية
(22 ) . وفي عكس الاتجاه ، هناك فريق آخر من
الباحثين الشرقيين والغربيين يرون في اليزيدية (
الإيزيدية ) ديانة قديمة مستقلة بذاتها ويمتد
تاريخها إلى ما قبل الإسلام .
أثار المؤلف
نقاطاً أخرى في دراسته تستحق البحث والمناقشة ،
كالعلاقة بين الداسنية والإيزيدية، والوجود الكردي
في بلاد الشام ، ولكن لا مجال لمناقشتها في إطار
هذه الدراسة، وربما تطرقت إليها في مناسبة أخرى .
وأخيراً لا بد من شكر الباحث عبد الرحمن مزوري على
دراسته المثيرة للجدل العلمي، كما يُشكر على جهده
المبذول في خدمة التاريخ والتراث الكرديين .
المصادر والمراجع
:
تاج العارفين عدي
بن مسافر الكوردي الهكاري ليس أموياً ، الطبعة
الثانية ، برلين عام 2004م ، إصدارات مركز هافيبون
للدراسات والنشر الكردية في برلين .
صدر هذا الكتاب في
المملكة السعودية عام 1998م ، تحقيق حمدي عبد
المجيد السلفي و تحسين إبراهيم الدوسكي ، للأسف
الشديد لم أطلع على الكتاب ، بل اكتفيت بما أورده
الكاتب عبد الرحمن مزوري .
أحمد تيمور ،
اليزيدية ومنشأ نحلتهم ، ص 14 ، المطبعة السلفية ،
القاهرة 1347هـ .
ابن خلكان ، وفيات
الأعيان ج3ص254 تحقيق د. إحسان عباس ، دار صادر
بيروت .
صلاح الدين خليل
بن أيبك الصفدي ، الوافي بالوفيات ن، ج
19ص534-535، دار النشر فرانز شتايز شتوتكارت ،
1993م باعتناء رضوان السيد .
ابن تيمية ، فتاوى
ابن تيمية ج 3 ص 363 ، جمع وترتيب عبد الرحمن بن
محمد بن قاسم العاصمي النجدي الحنبلي ، مطبعة
الحكومة بمكة المكرمة ، ط 1389هـ .
تقي الدين أحمد بن
علي المقريزي ، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط
والآثار ج 3 ص113 ، تحقيق د. محمد زينهم و مديحة
الشرقاوي ، مكتبة مدبولي 1998م ، راجعه وضبط
هوامشه أحمد أحمد زيادة .
عزالدين ابن
الأثير الجزري ، اللباب في تهذيب الأنساب
ج3ص390،مكتبة بغداد.
ابن خلكان ، وفيات
الأعيان ، ج 3 ص345 ، تحقيق د. إحسان عباس ، دار
صادر بيروت .
ابن فضل الله
العمري ، المخطوطة المصورة لـ مسالك الأبصار في
ممالك الأمصار، السفر الثالث ص 131، إصدار معهد
تاريخ العلوم العربية والإسلامية 1988م ، المانيا
الاتحادية .
البلاذري ، فتوح
البلدان ، ص244 ، حققه وشرحه وعلق علي حواشيه وقدم
له عبد الله أنيس الطباع وعمر أنيس الطباع .
سعيد الديوجي ،
اليزيدية ، ص 28 ، تاريخ الإصدار 2003، المؤسسة
العربية للدراسات والنشر، بيروت .
الغد الديمقراطي
،العدد 70 أواسط آب 1989م .
ابن الأثير ،
الكامل في التاريخ ج 12 ص 211-212 ، دار صادر
للطباعة والنشر ، بيروت 1966م .
ياقوت الحموي ،
معجم البلدان ، ج4، مادة فرشابور ، دار صادر بيروت
.
ابن العبري ،
تاريخ الزمان ، ص 245، نقله إلى العربية الأب اسحق
أرملة، صدر الكتاب بمناسبة المئوية السابعة لوفلة
المؤلف ، قدم له الأب الدكتور جان موريس قييه ،
دار المشرق ، بيروت لبنان 1986، توزيع المكتبة
الشرقية .
سامي سعيد الأحمد
، اليزيدية، أحوالهم ومعتقداتهم ، ج1ص33، بغداد
1970م .
صديق الدملوجي ،
اليزيدية ، ص388، مطبعة الاتحاد ، الموصل ، العراق
1949م .
نفس المصدر ص
52-53
سعيد الديوجي ،
نفس المصدر ص200.
أحمدي خاني ،
ديوان مم و زين ص 73 ترجمة وتحقيق جان دوست ، ط 1،
1995م ، إصدار خاص ،
روجيه ليسكو ،
تاريخ يزيدية جبل سنجار وسورية ، ترجمة احمد حسن ،
سيصدر قريباً عن دار المدى للثقافة والنشر ، دمشق
، أشكر الصديق أحمد حسن لإطلاعي على مخطوطة الكتاب
. |