|
في مهرجان الشعر الكردي في القامشلي
حضر الشعراء وغاب الإبداع الشعري
سيامند إبراهيم *
29/10/2007
كم هو جميل ورائع أن نحتفي بالعظماء وهم أحياء,
ومن هم العظماء؟ نعم ما أعنيه بالدرجة الأولى
العظماء ممن برعوا في الأدب بجميع أجناسه؟ وبرزوا
على الساحة الثقافية المحلية والعالمية, وبالتأكيد
هم ليسوا كبشرٍ عاديين, بل هم مشاعل نور سطروا
لتاريخ شعب من الشعوب وللإنسانية أجمل الكتابات
الأدبية الخالدة, وتركوا لنا آثاراً رائعة, ونحن
الشعب الكردي الذي برز فيه كمٌ من المبدعين ومنهم
من وصل إلى مرحلة العالمية في فن الرواية والسينما
والغناء, وكم كان رائعاً لو نالوا التكريم,
والتقدير, والدعم من الشخصيات المقتدرة وهم
أحياء؟! فقد كان أفضل من ذرف الدموع عليهم بعد
الرحيل؟! أو نقيم المهرجانات ونقيم الأمسيات
المختلفة بعد الممات, على كل نحن الكورد وخاصة
برجوازيتنا الكردية التي لا تقدر ولا تدعم مالياً
أي فنان أو شاعر أو مبدع يرفع من قيمة شعبه
ثقافياً واجتماعياً, وأصحاب الأموال من الأكراد
لهم أبخل خلق الله في هذا الوطن, فهم يصرفون
نقودهم في السهر والليالي الملاح وعلى الاحتفاء
بالمفسدين وسارقي قوت الشعب فهم في هذا الاتجاه
أكثر كرماً من حاتم الجاهلي؟!
نعم
العظماء في المجتمع الكردي يموتون, ويشبعون موتاً,
ولا أحد يدري بوضعهم المادي, ولا أحد يسأل عن
جوعهم وجوع عائلاتهم بينما البرجوازية الكردية
تلهو وتمرح في الليالي الساهرة الصاخبة, ولا أحد
يسأل عن ذاك الذي يسهر وحيداً مع يراعه ليكتب
للعالم أننا أمة مظلومة مشردة في بقاع المعمورة؟!
هل نقول إنهم سائرون على خطى النعامة التي تدفن
رأسها في التراب, وتخجل من الواقع؟! لكن بالتأكيد
ثمة البعض بل قولوا: هم قلة قليلة جداً ممن يقدمون
دعماً محدوداً لشعراء وكتاب أكراد يعيشون بين
ظهرانيهم, هلا سألنا مثقفينا وساستنا في الحركة
الكردية هل اهتموا بالشاعر واللغوي المبدع (ملا
نوري الهساري), والذي كان الشاعر المبدع (جكرخوين)
يحبه ويقدر شعره ومعجباً به, وهنا إذ نسأل أنفسنا
ماذا قدمنا لهذا الشاعر الكبير وهو المريض ولا
يستطيع زيارة أحد؟! ومن شاعرنا الحي ننتقل إلى
شاعرنا (جكرخوين) والذي فرحنا كثيراً عندما سمعنا
أن وزارة الثقافة الكردية في أربيل ستقيم مهرجاناً
ضخماً لإحياء ذكراه وقد رأيت على الورق صورة عن
التمثال الذي كان سيوضع إلى جانب شاعر العرب
المبدع (الجواهري) والتمثال من تصميم الفنان
الكردي الإيراني (بهاء الدين فيروزي) لكن يبدوا أن
الرياح تجري بما لا تشتهيها السفن في أربيل, وأن
الجهات المالية قد ألغت جميع المهرجانات الثقافية
بحجة عدم صرف المال اللازم له!
وعود
على بدء فقد أحتفلنا بأول عيد ومهرجان للشاعر
الكردي جكرخوين في مدينة حلب وكانت البادرة من
(كوما خاني) وقد كان لأخي وصديقي (محمد حمو) الفضل
الأكبر في إقامة هذا المهرجان وبالفعل أحيينا
الأمسية الأولى في منزله الكائن في الأشرفية,
وحضره العديد من المبدعين الكورد, وأذكر منهم (
بير رستم, غمكين رمو, جان دوست, فتح الله حسيني,
روخش زيفاري, عبد الحليم يوسف, شيركل كل, بهزاد,
.. وآخرون لا تسعفني الذاكرة الآن لأذكر المزيد من
الأسماء.. وفي اليوم التالي قام الأستاذ( حيدر
عمر, عبد المجيد شيخو, وكوما خاني) بإقامة
المهرجان في
kela
pêxmeber Hûrî)
)
وتتالت السنون, وشبابنا يقومون بإحياء المهرجان
مرة في الجزيرة ومرة في عفرين بين أحضان الطبيعة,
وجهودهم مشكورة حيث تعرضنا للمضايقات الأمنية وإلى
إحراج ضيوفنا مثل الشاعر المبدع (ممدوح عدوان),
وشاعر آخر مبدع وله حضوره في الساحة الثقافية وهو
(نزيه أبو عفش)أراد الشباب استضافته وتكريمه
وبالفعل حضر إلى حلب وقد قدروه وحجزوا له في فندق
السياحة ويبدو أنه وُجد من وشوش في أذنيه شتى
التآويل وبأنه سيقبض عليه أو ما هذا المهرجان الذي
ستحضره, فانسحب بهدوء وغادر حلب راجعاً إلى
دمشق؟!
وفي
السنة الماضية قرر ممثلي المجلات التي تصدر باللغة
الكردية على القيام بإقامة مهرجان الشاعر جكرخوين,
و قد أقيم الاحتفال في حي الهلالية وقد كان ناجحاً
إلى حد ما وعابه ضيق المكان, وفي هذه السنة قرر
ممثلي جميع المجلات الكردية القيام به مرة ثانية
هذا العام, وقد تم التحضير له وعقدت جلسات لهذا
الأمر, وقد قلنا في بداية الجلسة الأولى :( يا
شباب نريد أن نتلافى أخطاء المهرجانات السابقة قدر
الإمكان والتخلص من التقوقع الحزبي في اختيار
الأسماء, والتقليل من عدد الشعراء الذين يودون
القراءة, والبحث عن المبدعين الحقيقيين مع احترامي
للشعراء الآخرين, فقالوا نحن لا نستطيع أن نقول
لأحد ما أنك لست بشاعر؟ فقلت هذا صحيح لكننا نعرف
الشعر الجيد من الشعر الرديء, وطرحنا فكرة أخرى
وهي تشكيل لجنة من إدارة المهرجان, والاتصال بعدد
من النقاد الكرد, وتقديم النتاجات بدون الأسماء
واختيار الشعراء المبدعين منهم, فوافق البعض وسكت
آخرون, لكن يبدوا أن الشباب لم يستسيغوا هذا
الاقتراح فقامت الدعوات على المحسوبية الشخصية
والحزبية.
وفي
هذا الجو اللا صحي خرجت من الجلسة الثانية لانعدام
الصراحة, والصدق وبعض النوايا البعيدة عن الجو
الثقافي, ثم قررت المشاركة لكي لا ألام بأن صاحب
مجلة آسو خرج عن الإجماع الثقافي الكردي, وزارني
أحد عرفاء الحفل وسلمني 4 بطاقات فقط, وتم
الاستئثار بالبطاقات الأخرى وتم توزيها حسب
المزاجية, وفي يوم الاحتفال الذي أقيم في منزل
المرحوم الشاعر (جكرخوين), فوجئنا بأننا غرباء عن
المهرجان وكل منهم يغني على ليله ومواله الخاص,
وقد تبين أن السادة المنظمون استأثروا بغالبية
المواد التي قرأت في المهرجان وقد أطالوا في
القراءات, وهنا لا بد من المصارحة أكثر مع
الأصدقاء ومنظمي هذا البرنامج الذي كان بالفعل من
أسوء الاحتفالات التي أقيمت على مدى سنين طويلة,
فقد كان جلوس المدعوين كيفياً ولم يتم الاهتمام
ببعض الضيوف, وحتى بالنسبة لبعض الشعراء فقد
جلسوا في الكراس الخلفية, وتوالت أخطاء الحفل وتم
تقديم الآنسة (بيوار إبراهيم), وهي قرأت ثلاث
صفحات, وهي كتبت خطاباً نارياً للأعداء ووعظاً
وإرشاداً لا يعلى عليه؟ وكتابة موضوع ممل وطويل
وعندما صفق لها الجمهور ابتسمت, وقالت شكراً على
التصفيق لكنني لم أنتهي بعد فبقيت القصيدة؟
ويمكنني القول بحسرة وصدق وصراحة وأرجو أن لا يسيء
البعض فهمي؟ فإن ما قرأ من الشعر لم يكن شعراً,
وقام أحد الشعراء الذين أقدره كصديق قديم وهو
الأستاذ (خليل ساسوني) فقالوا لي" لقد قرأ قصيدة
كانت قد كتبت قبل أكثر من عشرين سنة! هل نضب
الإبداع يا شعراء؟ هل الشعراء عاجزون عن كتابة
قصيدة جديدة وقوية,؟! تصوروا يا سادة لو جاء
الشاعر الفلسطيني محمود درويش إلى القاهرة أو إلى
بيروت أو دمشق وقال للجمهور :"هذه القصيدة كتبتها
قبل عشر سنوات" فكيف سيكون موقف الجمهور, كفاكم
يا سادة يا كرام الشعر لم يعد في حالته الخطابية
الحماسية, الشعر حالة وجدانية, يحلق الشعراء في
سماء الإبداع, وخلق أشياء جديدة لم يقلها أحد من
قبله, كفانا مهازل وضياع وضحك على اللحى, وهنا
أتساءل إن كان شعرائنا يطالعون كبار فطاحل الشعر
العربي, أو الأجنبي المترجم إلى اللغة الكردية أو
العربية, ويستفيدوا من تجربتهم وإبداعاتهم في هذا
الحقل؟! إن الساحة الأدبية مليئة بالعديد من
الأسماء الإبداعية فكان الأحرى البحث عنهم,
وتقديمهم للجمهور وإعطائهم الفرصة لكي نشجعهم, لكن
السؤال هل هو الخوف على الإزاحة من الساحة
الثقافية؟!
وأما
بالنسبة للناقد الأستاذ (دحام عبد الفتاح) فقد
توقعنا منه أن يتناول نصاً شعرياً للشاعر جكرخوين
ويقوم بدراسته دراسة معمقة وتحليل تلك الأشعار
التي يراها مهمة في مسيرته الإبداعية, وخاصة وهو
الذي كتب كتابين في النقد الأدبي قبل أن يتحول إلى
الاهتمام بقواعد اللغة الكردية, وإذ به يأخذنا إلى
قواعد اللغة الكردية عند الشاعر جكرخوين وبدأ في
الولوج والبحث عن مقارنات في القواعد التي كتبها
الشاعر جكرخوين وبين مثيلاتها في اللهجة
الكرمانجية الجنوبية؟ وتساءل هل نستطيع أن نوسم
الشاعر بأنه مختص بقواعد اللغة الكردية أم أنه
شاعر موهوب وأخيراً أستدرك الموقف وقال إنه شاعر
مبدع؟
ثم
جاء الأستاذ خالص مسور وتكلم عن تجربته الشخصية في
ترجمة كتابين للشاعر جكرخوين هما (تاريخ كردستان)
وأكد على اهتمام الشاعر جكرخوين بالتاريخ والبحث
عن المصادر الكثيرة, رغم بعض أخطائه في تسمية بعض
المصطلحات لكنه لم يسهب كثيراً, وكانت كلمته
مختصرة إلى حد ما, وقد ألقت الكاتبة القديرة
والشاعرة (نارين عمر) قصيدة جيدة بعنوان
rengê
fener))
وإن لم نسمعها بالكامل بسبب انخفاض صوتها, وضجيج
الأجهزة الصوتية, وقرأ الشاعر (صالح حيدو) قصيدة
مطولة في مدح الشاعر( جكرخوين) وهو لم يجدد في
خطابه الشعري وأسلوبه القديم المبني على المدح
والتفخيم الشخصي والذاتي, وقرأ كل من الشعراء
(هوزان كركوندي), وهيمن مندائي قصائد عادية, ثم
ختم الحفل صديق الشاعر جكرخوين (صالح سلو) فقرأ
قصيدة مطولة حفظها عن ظهر قلب, وقد أمتع الجمهور
بإلقائها ارتجالياً.
وقد
تم تهميش الكثير من الأسماء الإبداعية على الساحة
السورية والكردستانية, فقد همش كل من (دلدار ميدي,
دلداري آشتي, كاسي, نسرين تيللو, وندا شيخو سفيرة
الشعر الكردي , هيام عبد الرحمن, نارين متيني,
وغاب الشاعر فرهاد عجمو لأسباب شخصية, كذلك الشاعر
غمكيني رمو, والشاعر والكاتب القدير (محمد سيد
حسين) لأسباب صحية) وأخيراً نرى أن الفوضى في
الإعداد والعشوائية في الانتقاء, وعدم التنسيق
الجيد, والأنانية الشخصية والحزبية كانت السبب في
عدم ارتقاء هذا المهرجان, وتبقى صورة الشاعر(
جكرخوين) والشموع التي أضيئت حول قبره والحضور
الكريم من الشخصيات السياسية والثقافية التي تحملت
عناء المجيء من رأس العين الحسكة, ديريك, ورأس
العين, وتبقى أشعار شاعرنا المبدع جكرخوين بمثابة
الدرر التي شحنت وتشحن قلوبنا وأفئدتنا بالحب
والحياة والنضال في هذا الزمن الصعب. وكل عام
وجميع الشعراء في الدنيا بألف خير.
-------------------
*
Siyamend02@yahoo.com |