|
"وعي الذات الكردية" كتاب أثار سجالا حادا بين
المثقفين الكرد السوريين؟...
أحمد عمر*
- دمشق
29/06/2007
كتب الباحث السوري الكردي إبراهيم
محمود مئات المقالات في المجلات والصحف العربية
وأصدر أكثر من ثلاثين كتابا
منها:
"حراكيات المجتمع الدمائية"
و"الهجرة إلى الإسلام" و"جغرافية الملذات"... أثار
بعضها حوارات وسجالات فكرية في الساحة الثقافية
العربية، لكنّ كتابه "وعي الذات الكردية" والذي
صدر منذ فترة بالعربية من اعنف ما أصدر وقد أثار
ولا يزال سجالات حادة في الساحة الثقافية الكردية
السورية، بين المتعلمين والمثقفين والكتاب الكرد
في الجزيرة السورية وفي مدينة القامشلي المتاخمة
للحدود التركية والعراقية حيث وزع باليد. وكان
الكتاب قد نشر على حلقات في احد المواقع الكردية
في الشبكة العنكبوتية.
يهدي الكاتب كتابه "الرجيم" كما
يصفه، إلى بكو عوان، رمز الشر والدسائس وتفريق
المحبين، في ملحمة العشق الكردية "ممو زين": إلى
بكو الشهي حتى الكراهية /المنشود حتى الوشاية/أيها
الكردي القح/ يا خطيئة احمد خاني الكردي/ يا مفتاح
الشدة في ساعة الفرج/ تباركت أسماؤك وصورك و حفدتك
وحفدة حفدتك/ أيها الغائب والحاضر هنا وهناك
كرديا" الكاتب يعي أن كتابه سيثير زوابع من
السجالات والمعارك الثقافية، ذلك انه تناول نقديا
حوالي 25 كاتبا كرديا، بعضهم يكتب باللغتين
العربية والكردية ووضع مسطرتين، واحدة قومية يقيس
بها التزام الكتاب بكرديتهم وبيئتهم والأخرى
إبداعية يزن بها نصوصهم ويزج أصحابها في النار أو
في جنة رضاه ومنح "صكوك الغفران"، ليس كما فعل
المعري في رسالة الغفران، فالكتاب يفتقد إلى الروح
المرحة وان كان حافلا بالشخصيات الكاريكاتورية (
ثمة متعلمون يرغبون في أن يكونوا كتابا ويتعاملون
مع الناس على أنهم كذلك!) والنصوص المضحكة
الواهمة.
شوى إبراهيم محمود "الكتبة" ومدعي
الكتابة "على السفود" على مدى خمسمائة صفحة من
القطع الكبير، وتناول نصوصهم بالتحليل والنقد،
المشكلة انه تجاوز النصوص إلى شخصيات وحيوات بعض
الكتاب وعلاقاتهم الاجتماعية وبنى عليها أحكاما
قاسية تصل حد التخوين. بعض الذين تناولهم أقلام
أمية ثقافيا وإبداعيا لا تستحق النشر في بريد
القراء، لكنه حظوتهم في المجتمع الكردي، و التكريم
" السياسي" الذي يحصلون عليه من ربابنة الأحزاب
السياسية أثار حفيظته فانطلق إلى حرقها وتعريتها و
كشفها في ما يشبه "رسالة كفران"؟
المجتمع الثقافي الكردي بلا تقاليد
إبداعية ثقافية، وبلا آباء، ومن الطريف أن
القيادات السياسية الكردية في العراق كانت دعت قد
ثلاثمائة "شخصية" ثقافية كردية من الأقسام الأربع
لكردستان الافتراضية، إلى مهرجان أدبي اجمع كثير
من المراقبين الكرد من ذوي البصيرة بأنها كانت
دعوات مآدبية وولائمية؟
يصف كتابه الذي يبدو عنوانه فضفاضا
بأنه "مذبحة ثقافة وذات كردية": ويتساءل هل من
ذات ؟ ثم يستعرض خصائصها فيجد أنها تعاني من كثيرا
من الأدواء: استعراض الألقاب، والإرضاء المتبادل،
والمحسوبيات المتبادلة ،ووعي الحقيقة الناقصة،
والعصبوية، والسلفية، والدمجية، والتغني المرضي
بالذات إلى درجة اعتبارها معيارا في بعض الحالات
المدروسة، ويصفها بالانغلاق، والاستعلاء الثقافي
رغم حال الثقافة الكردية المتردي، و يتهمها
بالمزاجية اليسارية أو الإقطاعية، واستعراض الذات
والانتهازية.. ويقارنها مع أمراض الشخصية العربية،
مستفيدا من كتاب" سيكولوجية الإنسان المقهور"
لمصطفى حجازي. ويستفيد من مناهج علم النفس
والمناهج النقدية الأدبية، ويصل إلى نتائج منها أن
الكتاب الأكراد بالعربية يعانون من مذبحة بركاتية
( نسبة إلى سليم بركات) ويعانون من عقدة قتل الأب
وأن علاقتهم الأدبية به علاقة قومية ابوية وليست
إبداعية ويتهم سليم بركات بأنه مشغول بغواية الذات
ويشخص وعيه القومي بأنه مركب و انه يفر من
مسؤوليته القومية بالهروب إلى الغموض ويكاد
يعيره ببعده عن الحدث الكردي وسلبيته "النضالية"
أو ما يمكن أن نسميه عاجيته.
يحفل كتاب محمود بنظرات نقدية
جمالية مدققة في النصوص (سليم بركات، نزار أغري،
حليم يوسف..) لولا الانحراف إلى نقد الناص، يحدوه
طموح كبير هو تعليق الجرس في رقبة القط الكردي
الشرس. كتابه يمزج بين النقد والعلاقات الروائية و
السيرة ذات الطابع الدرامي. وربما كان الانحراف
إلى حيوات بعض الكتاب هو أن نصوصهم غير قابلة
للفهم دون التطرق الى سيرهم او بسبب عجزهم
الإبداعي؟
يفرد فصلا لنفسه، عاداته، ثقافته،
طفولته، ويؤكد اعتزازه بدار الريس التي نشرت له
سبعة كتب عرفت به القراء في العالم العربي وأهميته
بالنسبة له شخصيا، كما يهجو شكله المنغولي، ويعرج
على عرض طرف من علاقاته الزوجية و أمه و أولاده
الستة، ويعترف بفضل منافسين وأعداء ثقافيين
وهامشيين على أدبه وتوجهاته الفكرية والقومية
لاحقا. ويقرّ بأن ثمة حدة في سلوكه فهو يتطير –
على سبيل المثال- إن خاطبه احد بلا كلفة باسمه
المباشر مجردا من لقب التعظيم؟
بحث إبراهيم ممتع وشجاع وقابل
للقراءة عربيا فهو غني بثقافة عربية وغربية واسعة،
ويستشهد بأشعار المتنبي ومحمود درويش وأقوال فوكو
وماركيز وبورخيس.. كما يضمن كتابه بعض الردود رغم
قسوتها.
الكتاب يذكر، من حيث لايقصد،
برواية سليم بركات "فقهاء الظلام" المدهشة، والتي
تتحدث عن عائلة كردية "نموذجية" تنتهي إلى مصير
الجنون بسبب العزلة والحصار وصعوبة التواصل
الإنساني مع الذات ومع الأهل والجوار والذات ،
رواية فقهاء الظلام تتكرر في "وعي الذات الكردية"
بسوية ثقافية هذه المرة، الحوار بين "المثقفين"
يبدأ من الأخير ، من حد المقصلة، من التكفير
الثقافي. وكأن كتاب "وعي الذات الكردية" رواية
ضلت طريقها إلى ميدان البحث الأدبي، أو هو كتاب
يجمع بين الاثنين ، فاللغة نقدية علمية والعلاقات
بين "أبطال" الكتاب روائية رغم صدور "دراماها"
الهاجية من طرف واحد.
من الطريف أن نشير إلى سجال حاد
طاحن لا يزال يدور في المواقع الكردية على
الانترنت حول ترجمة بعض المفردات في رواية كردية
"أيام حسو الثلاثة " قام بتعريب الترجمة الكاتب
إبراهيم محمود، وهي للكاتب الكردي لالش قاسمو، لا
"إجماع" على ترجمة العنوان هل هو، أيام حسو
الثلاثة، أم ثلاثة أيام لحسو، أم حسو في ثلاثة
أيام.. يلاحظ أن الكرد يتعاملون مع الرواية على
أنها انجيل أدبي، والتخوين قائم على قلم وساق
بالرغم من أن الرواية ريفية مباشرة بسيطة
التقنيات؟
يجدر بالذكر أن "بكو عوان" الذي
فرق العاشقين ممو زين كان سببا في ملحمة عشق تتغنى
بها حناجر وقلوب الشعراء، وكان ثوابه انه دفن
مكرما تحت قدميهما ميتين.. و لولا شجاعة إبراهيم
محمود الذي يطمح إلى أن يكون "بكو عوان" الثقافة
الكردية المعاصر، ما كان هذا الكتاب "الرجيم"،
الأسود، الممتع.
----------------------
*
سماكرد : 15/11/2006 |